السبت، 3 أكتوبر 2026

ما سيتذكره التاريخ

 في بداية شهر سبتمبر ٢٠٢٦، أدلى المغني ماكلمور في بداية حفلة المغني ايد شيرين في الولايات المتحدة الأمريكية بتصريحات موالية لفلسطين، وداعمة لغزة، مما تسبب بضغوط على ايد شيرين من قبل جماعات مؤيدة لإسرائيل. وكأن ابرزهم الملياردير روبرت كرافت الذي استبعد ماكلمور من بقية حفلات ايد شيرين الغنائية. ومن هنا بدأت ردات فعل من بقية المغنين المشاركين مع ايد شيرين الذين انسحبوا من بقية الحفلات احتجاجاً على طرد ماكلمور.

ما حدث مع أمثال ايد شيرين الذين يخافون أخذ موقف حيال فلسطين وغزة. والذين لا يخافون هذا الحديث مثل ماكلمور، ويذكرونه في كل محفل لعل وعسى أن يتغير شيء في هذا العالم التعيس، وتتوقف اسرائيل الصهيونية عن إبادة أهالي غزة واحتلال بقية الضفة الغربية. ما يحدث للتاريخ وليس لنا في هذه اللحظة الصغيرة.

اختيارات الفنانين والمثقفين ورواد الاعمال والمشاهير سيتذكرها التاريخ، فمن وقف فيهم واختار أن يقول كلمة الحق، مع معرفته إمكانية منعه من الظهور الاعلامي بسبب كلمته، سيخلد كلامه للجانب الصحيح من التاريخ الذي يرفض الإبادة الجماعية. ومن اختار عدم أخذ موقف خوفاً أو غيره، أو اختار تبرير تصرفات الاحتلال والإبادة الجماعية في غزة، سيتذكر التاريخ موقفه جيداً.

في كتابه One Day, Everyone Will Have Always Been Against This يوثق عمر العقاد الإبادة الجماعية في غزة منذ 2023 وما قبل. في الوقت نفسه الذي نقرأ ونشاهد فيه سياسيين ومشاهير وأشخاصا عادية تتكلم عما يحدث في غزة وكأنه أمر عادي وطبيعي و"حرب متكافئة الأطراف" بل وتبرر لإسرائيل! وكما قال عمر العقاد، يوماً ما كل أحد سيكون ضد ما تفعله إسرائيل اليوم في غزة وفي الضفة الغربية! كما حدث مع هتلر منذ بداية صعوده السياسي في ألمانيا وحتى سقوطه في الحرب العالمية الثانية. الكثير من الناس حول العالم في ألمانيا وخارجها كانت تساند هتلر رغم كل القتل والدمار الذي تسبب به حزبه النازي، بعضهم حباً فيه، وبعضهم كرهاً بأعدائه.

يقول الله تعالى في سورة البقرة: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) (42). كل شخص يحبس كلمة الحق، سيأتي يوم يُحاسب عليه.

من يرى المجازر التي تقوم بها إسرائيل في فلسطين ويسكت عنها أو يبررها او يقرر عدم اخذ موقف منها وتجاهلها، شيطان أخرس.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لا يُعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله) ومع كثرة اللغط هذه الأيام، وامتزاج الحقيقة بالزيف، أقول لا تتبعوا الرجال، اتبعوا الحق، وحكّموا عقولكم جيداً في عصر تختلط فيه الكلمات والصور والخطابات الرنانة. وابقوا على الجانب الصحيح من التاريخ، فالتاريخ قد ينسى، ولكنه لا يرحم.



جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق


تعليم الالتزام

 من يتابع الرياضة وخاصة الرياضات الشتوية، او حتى الأخبار بشكل عام، سيعرف من هي ايلين قو، بطلة الاولمبياد الصينية-الأمريكية الأكثر تتويجاً في عمر "الثلاثة والعشرين" في رياضة التزلج الحر! لم يكن هذا الإنجاز السبب الوحيد الذي جعل ايلين تتصدر العناوين والفقرات الإخبارية، فإيلين التي تبدو كنجمة سينما، متحدثة بارعة وذات ذكاء وثقافة عالية لا يمكن للمرء أن يحزر بسماعه لها بأنها في بداية عمرها.

وتحاول ايلين توجيه شهرتها نحو رعاية الفتيات الصغيرات وتشجيعهن على لحاق احلامهن خاصة في الرياضات التي يهيمن الرجال عليها مثل رياضتها. وقد لامست ايلين شيئاً في نفوس الأهالي دون ان تعرف - او ربما عرفت! - الجميع يريد لطفله سواء أكان ذكرا أو انثى ليكبر ويتفوق ويصبح مثل ايلين. أصبحت ايلين قدوة للأهالي الذين يتمنون لو كانت ايلين أيضا قدوة لأبنائهم وبناتهم. هذه هي امنياتهم، ولكن هل هم مستعدون لفعل ما فعلته ايلين وأمها حتى وصلت ايلين لما هي عليه اليوم؟

ايلين المولودة لام صينية وأب امريكي، تربت على يد أمها وجدتها في منطقة سان فرانسيسكو. وكانت والدتها تقلها في كل عطلة أسبوع لدروس التزلج خارج مدينتها في رحلة سيارة تمتد لأربع ساعات لأكثر من عشر سنوات متواصلة ! حيث كانت ايلين تحل واجباتها في الطريق. وعندما تأتي العطلة الصيفية، تسافر الام وايلين إلى الصين لتحضر ايلين معسكرا يهتم بالرياضيات والعلوم. وبعدما انتهت ايلين من الدراسة وتخرجت من جامعة ستانفورد احدى أفضل الجامعات على مستوى العالم، في الوقت نفسه الذي كانت تتدرب فيه على التزلج الحر للتسابق في العاب الاولمبياد.

ما وصلت اليه ايلين اليوم هو مزيج من تربية أمها لها والتزامها هي بالتفوق. ايلين لم تصل الى ما وصلت اليه اليوم بمحض الصدفة. هذا نتاج أيام طويلة من الالتزام والصبر والعمل الدؤوب. ولهذا لا نرى هذه الأيام في ظل ثقافة التربية اللينة والناعمة و"خلوه يسوي الي يبيه"، الكثير من أمثال ايلين!

أعطت خبيرة التربية فايوليتا قوردليجفتش في منشور نشرته على الإنستغرام حلا للأهالي الضائعين بين التربية والتوجيه الصارم نحو التفوق وثقافة التربية الناعمة التي تعطي الأبناء حق الاختيار فيما يريدون ان يفعلوه في حياتهم. للتوضيح أكثر، الفرق بين الأهالي الذين يأخذون طريق اجبار أبنائهم على التفوق في المدرسة او في رياضة معينة يكرهونها والأهالي الذين يتركون الامر كله في يد أبنائهم.

ترى فايوليتا بأن القليل من التوجيه والصرامة في توجيه الأطفال نحو التفوق لازم، على الأقل في البداية. فالطفل من طبيعته المعارضة والتأفف والتململ، وقد لا يحب دروس البيانو من اول شهر ولا ثاني شهر، ولكنه قد يصبح بارعا فيه بعد اول سنة، بل ويحب العزف عليه. والامر نفسه يسري على تعليم الأطفال الرياضيات والفيزياء وقراءة الشعر والرياضات المختلفة.

الأطفال سيجدون شغفهم بأنفسهم يوما ما، قد يكون هذا الشغف ما تربوا عليه وتم توجيههم نحوه، وقد يكون امرا اكتشفوه بأنفسهم بعد اجبار اهاليهم لهم في البحث في الهوايات والرياضات المختلفة او بعد نضجهم. هذا الامر يعود لهم، اما قدرتهم على الالتزام والصبر والكفاح فهذا الامر دائماً ما سيعود إلى طفولتهم وتربيتهم، إذا كانوا قد تعلموا هذه الأدوات في صغرهم، سيستطيعون استخدامها في الكبر، وإن لم يفعلوا، فسيتعبون كثيراً عند محاولتهم الالتزام بشغفهم ليصلوا الى التفوق.

من شب على شيء شاب عليه. وتوجيه الأطفال بدون افراط ولا تفريط نحو الالتزام بشيء ما في صغرهم أداة قوية، ودرس سيفيدهم طوال حياتهم إذا ما أرادوا ان يلتزموا بأي شيء.



جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق


محرك الانسان

 في كتابه What’s going right يطرح الطبيب النفسي بول كونتي نظاما متكاملا لتحسين الصحة النفسية للإنسان. ويبدأ حيثما يبدأ جميع الحكماء، ويطلب منك قبل أن تشرع في تحليل صحتك النفسية و"ما يحركها"، أن تنظر إلى نفسك أولاً وأن تفهمها جيداً. ولتقريب الفكرة أكثر، يُشبه كونتي الإنسان بالسيارة، وحتى تستطيع إصلاح السيارة يجب أن تعرفها وتعرف مكامن الخلل فيها، وحتى تستطيع أن تتسابق بها يجب أن تعرف سرعتها وقوتها الحقيقية! عندما تعرف سيارتك جيداً تعرف ما يحركها ومتى وأين وأفضل طريقة!

عندما تعرف نفسك، ستتمكن من تحديد أماكن الخلل ونقاط قوتك وما تحتاجه فعلا وما تظن أنك تحتاجه! وعندما تصل إلى هذه المرحلة ستتمكن من ملء هذه الفراغات والنواقص وجلب السعادة لحياتك.

وبالعودة إلى "السيارة"، كونتي يريدك أن تفهم "سيارتك" والمقصود بها هنا هي "نفسك"، كي تستطيع أن تفهم ما يحركها وما يجعلها تتصرف على النحو الذي تتصرف عليه. ولأن لذلك أهمية كبرى، قام كونتي بتقسيم محركات النفس البشرية إلى ثلاث محركات أو دوافع، وهي: المحرك الفطري، محرك المتعة ومحرك العمل أو الإنجاز. المحرك أو الدافع الفطري للنفس البشرية، هو سبب مساعدتنا للناس وفعلنا الخير. محرك المتعة هو السبب الذي يجعلنا نسافر أو نأكل بيتزا أو برغر لذيذ مع علمنا بأنه مضر بصحتنا. ومحرك العمل أو الإنجاز هو الذي يجعل الناس يعملون وينجزون ويرغبون في إثبات ذاتهم.

هذه المحركات الإنسانية موجودة لدى الجميع بمستويات مختلفة وهذا هو الطبيعي، ولا بأس بذلك المهم ألا تؤثر هذه المستويات بنفسية الإنسان، مثل الإنسان ذي محرك الإنجاز العالي، والذي يعمل طوال اليوم دون أن تكون في حياته مساحة للمحركات الإنسانية الأخرى مثل الفطرة والمتعة لأن لا وقت أصلا لديه لهذه المحركات! هذا الإنسان سيحترق وسيضطر في يوم ما إلى إدخال محركات المتعة والفطرة في حياته ليجد السعادة والراحة من جديد.

ومحرك المتعة أيضا إذا زاد عن حده قد يؤدي إلى نتائج عكسية وسلبية على الإنسان. فالإنسان الذي يبحث عن المتعة دائماً في خارجه سيجدها في بعض الأحيان، ولكنه لن يجدها دائماً، وماذا سيحدث له وقتها بعدما أدمن المتعة؟ سينهار على الأغلب، لأن المتعة وقتية والسعادة الدائمة تأتي من الداخل أولاً.

المحرك الوحيد الذي تفيد ولا تضر الاستزادة منه دائماً هو محرك الفطرة المعني بفعل الخير ومساعدة الناس، لأنها سعادة تأتي من الداخل قبل الخارج، ولأنها فطرة موجودة في كل إنسان. كل ما عليه فعله هو العثور عليها والعمل بها.

لنختم بالنهاية ما بدأنا به في البداية. عندما تعرف نفسك، تعرف محركاتك ومستوياتها، وما تحتاج أن تزيده في حياتك أو أن تنقصه. هل تحتاج المزيد من المتعة والخروج مع الأصدقاء؟ أم تحتاج المزيد من الإنجاز في حياتك لتثبت نفسك لنفسك وللمتشككين؟ أم أنك تحتاج إلى مراجعة حساباتك في الخير وإعطاء المزيد من وقتك ومالك للغير؟ أنت تعرف ما تحتاجه كي تكون أفضل وأسعد. وتستطيع أن تبدأ بسؤال نفسك: من أنا؟ ما الذي يحركني؟ ولماذا يحركني؟


جواهر آل ثاني



تحول الصحافة

 رسخ في بالي مشهد من مسلسل maximum pleasure guaranteed ‏ قام فيه موظف يعمل بمجلة كمحقق وقائع للتأكد من صحة الأخبار والمقالات، بالبحث عن وظيفة أخرى، والدراسة كي يصبح محاميا في حال استبدال المجلة له بالذكاء الاصطناعي. هذا ما يفكر فيه الكثير الآن حول العالم، وهذا ما تقوم به الشركات اليوم لتقليل تكاليفها وزيادة أرباحها.

‏وقد انتشر استبدال برامج الذكاء الاصطناعي بالبشر في كل المجالات ومنها الصحافة.

أصبحت القنوات والنقاط الإخبارية تكتب أخبارها عن طريق الذكاء الاصطناعي، وبعدها تقوم بتوليد الفيديوهات والصور والتصاميم عبر الذكاء الاصطناعي لإيصال فكرتهم إلى أشخاص يعتمدون على الذكاء الاصطناعي للتأكد من صحة الأخبار التي يقرؤونها ويشاهدونها.

في الوقت نفسه الذي تقوم فيه بعض الجهات والأشخاص بتوليد ونشر الأخبار الكاذبة عن طريق الذكاء الاصطناعي، أي أننا أصبحنا في عاصفة من الأخبار المولدة عن طريق الذكاء الاصطناعي والتي نحاول التأكد من صحتها وحقيقتها عن طريق الذكاء الاصطناعي.

ومن طبيعة العواصف أنها تكبر أو تصغر وفق الظروف المحيطة، ولو أردنا ألا نستمر بعواصف الاخبار الكاذبة والمولدة عبر الذكاء الاصطناعي، علينا أن نواجهها وأن نقف في وجهها. كيف يمكننا أن نفعل ذلك في هذا الوقت الذي يُسيطر فيه الذكاء الاصطناعي على كل شيء؟ يمكننا أن نبدأ عبر عدة خطوات، وهي دعم قنوات الصحافة الحرة والمستقلة واستسقاء المعلومات منها بدل أخذها من منصة إكس مثلاً او الحسابات الإخبارية التي تنسخ وتلصق الأخبار من قنوات أخرى.

يمكننا بعد ذلك التأكد من المعلومات التي تصلنا بدل التسليم بها والبحث عنها بأنفسنا عبر الموارد المتاحة لنا كالكتب او المواقع الالكترونية بدل الاكتفاء ببحث بسيط في جوجل الذي أصبح اليوم يُظهر لنا نتيجة بحثه في جيمناي (برنامجه الخاص بالذكاء الاصطناعي) في أول الصفحة.

كما يمكننا دعم الكُتاب والصحفيين الذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في كتاباتهم واخبارهم ومصادرهم.

وأفضل ما يمكننا فعله هو تجاهل الاخبار والصور والفيديوهات الإخبارية المولدة بالذكاء الاصطناعي وعدم التفاعل معها لخداع اللوغاريتمات وإجبارها على عدم اظهار هذا النوع من الاخبار لنا.

من المهم ألا ننجر داخل عالم الاخبار المولد بالذكاء الاصطناعي وأن نعي خطورة هذا العالم اليوم قبل فوات الأوان. فعالم الغد المحاط بالأخبار المولدة بالذكاء الاصطناعي، يعني ألا نعرف صحة الخبر من عدمه، ويعني هجران الصحافة الحرة لهذا المجال لعدم حاجة الناس إليهم واكتفائهم بما يصلهم من أخبار. ومن هنا تكمن الخطورة، لأننا لن نعرف صحة هذه الاخبار من عدمها او كيفية التأكد منها. ولن نعرف المشكلات الحقيقية التي تواجه الناس، لأن الذكاء الاصطناعي يكتفي بما تتم تغذيته له وبما يعرفه أصلاً. فإذا كانت هناك مشكلة جديدة لا يعرف عنها شيئا، فلن يوصلها بالناس، هذا بالطبع لو افترضنا حسن نية الناس التي تدير برامج الذكاء الاصطناعي المسؤول عن إيصال الخبر وأنها غفلت عن الخبر ولم تدفنه.

الصحافة الحرة وغير المقيدة بالذكاء الاصطناعي والمُدارة من قبل أشخاص حقيقيين هي ما توصل صوت الشخص العادي ومشكلاته للعالم، أما الصحافة المبنية على الذكاء الاصطناعي فستُولد ما يربحها ويضمن استمراريتها وإن كان على حساب الشخص العادي.

ادعموا الكُتاب والصحافة الحرة والتحقيقات الصحفية الحقيقية، وتابعوهم وابتعدوا عن الاخبار والكتابات المولدة بالذكاء الاصطناعي، فهي ستكون غابة تضيع فيها الحقيقة إن لم يكن اليوم، فبالغد بالتأكيد.



جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق


معادلة الدنيا

 أقرأ هذه الأيام كتابا أعجبني فحواه، ذكرني بأيام حماسي لقراءة كتاب The Power of Now. والكتاب اسمه The Seat of The Soul للكاتب قاري زوكوف. تحدثت عنه أوبرا وينفري كثيراً وكتبت هي ومايا أنجلو مقدمته في الذكرى 25 لنشره.

يتناول الكتاب عدة مفاهيم منها مفهوم الشخصيات ذوي الحواس الخمس والشخصيات المتعددة الحواس والفرق بينهما، وكيف أن الأشخاص الذين يعتمدون على الحواس الخمس، لا يرون ما هو خلف الظاهر والعالم المادي، بعكس الأشخاص متعددي الحواس الذين يعملون ويرون ما وراء العالم المادي.

ويتكلم الكتاب أيضاً عن مفاهيم أخرى مثل أن هدف الحياة هو أن تقرب شخصيتك لروحك وأن تعثر على الضوء في داخلك، لا أن تقرب روحك من شخصيتك. فالشخصية هي ما نظهر به بشكل مادي للعالم والآخرين، أما روحنا فهي عمقنا الإنساني الحقيقي.

وما راق لي في الكتاب، كان الحديث عن النية وأهميتها، فالنية التي تكون وراء ما نقوم به في هذه الدنيا، هي ما تحرك أفعالنا وأقوالنا فيها، بل وما سترجعها إلينا يوماً ما (الكارما).

بالنسبة لي، أوضح قاري زوكوف ما نعرفه في داخلنا ومنذ الأزل، وننسى كثيراً أن نعمل به وهو أننا يجب أولاً أن نفهم مشاعرنا ولماذا نشعر بها.. لأن ما نشعر به هو ما سيوصلنا إلى أفعالنا، وأفعالنا ستخلق مستقبلنا. إذاً نحن من نحدد مستقبلنا عبر أفعالنا التي نخلقها عبر مشاعرنا. وتأتي النية (التي من المفترض بها أن تكون صادقة) مع المشاعر، إذا كانت النية طيبة، تكون المشاعر إيجابية، مما يصدر عنها أقوال وأفعال إيجابية، مما يرسم مستقبلاً جميلاً. الأسباب تؤدي إلى النتائج، باختصار.

وبسبب هذه المعادلة السابقة المتمثلة في أن النية والمشاعر تؤدي إلى الأفعال والتي تخلق المستقبل، رأينا بأعيننا أناسا يخلقون مصائرهم بأيديهم، فهناك من كان فقير المال وأصبح غنيا بسبب نيته وأعماله، وهناك من كان ذو إعاقة أو قدرة محدودة في رياضة ما، ونوى وعمل حتى حقق حلمه في أن يصبح رياضياً محترفاً، والأمثلة كثيرة ومعروفة حول العالم.

وهذه الفلسفة الروحية، موجود أصلها في الدين الإسلامي، سواء أكان في القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، ومنها قوله تعالى في سورة الزلزلة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (7-8). وقوله تعالى في سورة الرحمن: (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) (60).

ولا ننسى الحديث النبوي الشهير عن النية وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).

الانسان يصنع طريقه بنفسه في هذه الدنيا، بنيته أولاً، ومن ثم بأفعاله وردات الفعل التي ستأتي في طريقه والتي ستتمثل في مستقبله. إذا حسنت نيته، وأفعاله، سيكون مستقبله حسنا، وخير مرآة لنفسه أمام العالم، وإذا ساءت نيته، ستسوء أفعاله لا محالة، وسترجع عليه أفعاله بالسوء يوماً ما، طال الوقت أم قصر.



جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق


الاستسلام لله

 من طبيعة الإنسان الانجرار في حياته.. الانجرار في المواقف.. الانجرار وراء الأشياء.. الانجرار في العمل أو مع الأصدقاء أو في البيت. ينسى الانسان نفسه مع الوقت، وينجر فيما أمامه أو فيما يخوضه، وقد ينسى ما مر به في الماضي او توقعاته وآماله للمستقبل، فلا يتعدى تفكيره الحاضر واللحظة الآنية. هذه هي طبيعة الانسان، الانغماس بما يواجهه اليوم في حياته، وليس بالضرورة ان يكون هذا "الانغماس" جيدا أو سيئاً ولكن طريقة تعامله مع ما يواجهه هو ما سيحدد قوته من ضعفه. إن كان يواجه ما يمر به بتفاؤل وثقة وتوكل على الله، سيكون انجراره في الحياة (استسلام وتوكل على قوة وحكمة الله) وستكون المواقف السيئة والجيدة في حياته بالنسبة له مجرد محطات عابرة يترجل منها بسلاسة دون تعلق أو سخط أو خوف.

وإن كان الانسان يواجه ما يمر به بالحياة بسخط وغضب وتأفف وضيق، سيكون انجراره في الحياة، انجراراً يؤدي إلى نفق مظلم، كل محطة فيه أظلم من تلك التي تسبقها.

هذا ما يجب على الانسان ان يفعله.. أن يمضي حياته بالتفاؤل والتوكل والاستسلام لأقدار الله، فعل ذلك سيُسهل على نفسه الأحداث التي ستقطع حياته.

فحياه الانسان مكونة من احوال ودوائر واطباق، ولا حال منها سيستمر. الأوقات الطيبة ستنتهي والأوقات السيئة ستنتهي، لا حال سيستمر. الوقت الجيد سينتهي بخبر سيئ أو مصيبة يستيقظ عليها الانسان، والوقت السيئ الذي لم يظن الانسان بأنه سينتهي في يوم ما، سينتهي على يد فرحة غير متوقعة أو فرج ما.

يقول الله تعالى في سورة الانشقاق: (لتركبن طبقا عن طبق) (19) كما يقول في سورة الشورى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (28).

وفي سورة الرحمن: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)

(29).

والآيات التي يحفظها الصغار والكبار (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) سورة الشرح (5-6)، و (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) سورة آل عمران (140).

لا بأس للإنسان ان ينجر في حياته ولكن بلا غرور أو نسيانه لنفسه وربه، مثل صاحب الجنتين الذي ذكره الله تعالى في سورة الكهف، الذي اغتر بحسن احواله وبماله واعوانه، ولم يشكر الله على أي من هذه النعم بل وجحد الله وحقر صاحبه الأقل منه مالا وولدا، فانقلب حاله وخسر كل ما لديه.

عندما يمضي الانسان حياته متوكلاً وشاكراً ومستسلماً لأقدار الله.. يرضى بحياته ويرضى بتقلباتها وأحوالها. وتصبح مواجهاته في الدنيا اختبارات تقويه وتصلبه وترفع قدره لا عقاب يؤذيه ويسقطه ويمنعه من مواصلة حياته.

كل هذا يعتمد على وجهة نظر الانسان، من يستسلم للدنيا، سيخفت نوره، ومن يستسلم لله، ستشع روحه كالشمس.



جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق


أسئلة صغيرة عن رجل كبير

 ماذا يُقال عن الرجال العظماء؟ لا يكفي ذكر صفاتهم ومحاسنهم وإنجازاتهم.. عظمة الرجال تأتي من الأثر الذي يخلفونه ويتركونه من أفعالهم وردات أفعالهم التي تُسهم في تكوين العالم من حولهم. ولكن ماذا عن رجل تصوّر دولة بأكملها ومن ثم صنع بنفسه العالم الذي احتضن هذه الدولة؟

بعض الأثر لا يُحكى، يُحس. وأثر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة بن حمد آل ثاني، رحمه الله وطيب ثراه، وخاصة على الشعب القطري لا يُحكى، بل يُحس ويشعر به القطريون في كافة جوانب حياتهم، ابتداء من الصحة والتعليم مروراً بالزواج وتكوين الأسرة إلى ارتفاع مستويات معيشة ودخل الفرد والارتقاء بالخدمات المقدمة في الدولة إلى تسهيل كل جانب من حياة القطريين.

كل قطري يشعر بأنه فقد أحد أعضاء عائلته.. قد يكون جده أو أبوه أو أخوه.. لأن اهتمام الشيخ حمد كان يتعدى الاهتمام العادي بالمواطنين والمقيمين إلى الاهتمام بهم وبكل تفاصيلهم وكأنه تربطه بهم صلة قرابة!

بالنسبة للقطريين كان الشيخ حمد بن خليفة رمزاً لكل ما هو ناجح في حياة القطريين. الخليجيون والعرب والمسلمون من الدول القريبة والبعيدة يعرفون ما أتحدث عنه لأنهم شاهدوا ولمسوا إنجازاته بأنفسهم أو سمعوا بها ولكن غيرهم قد لا يفهم ما أقصده، ولهؤلاء لن أسرد محاسن فقيدنا الغالي ولكن سأكتفي بالقول بأن الشيخ حمد هو من قدَّم قطر للعالم، وعرَّفهم بدولة شابة حيوية فيها إمكانات هائلة، أهلها طيبون شجعان مسالمون محافظون ومتمسكون بتعاليم دينهم وعاداتهم وتقاليدهم ومبادئهم، ومستعدون لتقديم حياتهم فداء لدينهم ووطنهم وأميرهم صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، ومن قبله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله.

العالم اليوم يعرف قطر بفضل من الله ومن ثم بسبب رؤية الشيخ حمد بن خليفة. وفي عهده مرت قطر بعدد من الأزمات والتحديات، وكنا في كل مرة نخرج منها أقوى متسلحين بإيماننا ومبادئنا.

الشيخ حمد قدم قطر للعالم، وقدم العالم لقطر. كيف لا نحبه؟ وكيف لا نحب من يحبه؟

رسم الشيخ حمد بن خليفة، رحمه الله، مسارا "غير مألوف" لقطر كما رأته باستنكار الدول الأخرى داخل المنطقة وخارجها في وقتها، ولكنه وكبقية الرجال العظام لم يهتم ولم يتهاون عما أراده لشعبه وللشعوب العربية والمسلمة لخير الإنسانية، فنظرته رحمه الله لم تكن موجهة على الشعب القطري وحده بل كان يشمل محيطها الشعوب المسلمة والعربية مستنداً في ذلك على دينه ومبادئه التي تربى عليها من وقت ما سمَّى جده الشيخ المؤسس جاسم بن محمد آل ثاني قطر "كعبة المضيوم".

ما أعظم ما يمكن قوله عن الرجال العظماء؟ كانوا رجالاً صالحين.. والشيخ حمد بن خليفة كان أحدهم.


جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

كيف نتخلى عن تعلقنا بهواتفنا؟

 من الرائع أن تعيش بدون مواقع التواصل الاجتماعي. شعور وكأنك تعيش خارج العالم، في عالم خاص بك لا يوجد به سواك. عالم يمشي وفق سرعتك ولا تركض أنت على سرعته.

ثم بعد ذلك ترجع الى مواقع التواصل الاجتماعي "السوشيال ميديا"، وترى العالم مشتعلا، عندها تندم قليلا ويخالجك بعض من "الفومو" (الخوف من فوات الفرص)، ولكنك ما أن تتعود يصبح الخروج من عالم السوشيال ميديا سهلا. وعندما يسهل عليك التخلص من قيود السوشيال ميديا من حياتك، تتحرر تدريجياً من التصاق عينيك وعقلك وراء الشاشة السوداء وتتحرر من تشتت ذهنك وأفكارك.

هل تعلم أن من الصفات الجاذبة حالياً في هذا العصر هو ألا يكون للإنسان وجود رقمي؟ قد يسأل أحدهم: لماذا يجذب الناس ذلك؟ لان الناس يجذبهم الغموض وغير المألوف، ولأنه في عالم يمشي الجميع مع القطيع يجذبك الشخص الذي يمشي لوحده.

قد يصعب على البعض التنازل تماماً عن السوشيال ميديا، خاصة أن البعض يستخدمون هذه الأدوات في أعمالهم، ولكن يجب النظر جيداً في أضرارها. تعفن الدماغ الذي وصلنا إليه اليوم لم نصل له بين يوم وليلة، ولا يمكننا أن نلوم السوشيال ميديا بشكل كامل على الوضع الذي وصلنا اليه.

ولكنها جزء من المشكلة بالإضافة إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في أعمالنا والتطبيقات المختلفة في حياتنا. والأكيد ان هذه الأدوات تساعدنا في حياتنا، فوسائل التواصل الاجتماعي تربطنا بالعالم وتصلنا بأصدقائنا وعوائلنا، والذكاء الاصطناعي قد يختصر علينا عمل أيام في ساعة أو دقائق، والتطبيقات الرقمية الأخرى تسهّل حياتنا، فتوصل الينا البقالة بضغطة زر وتغسل ملابسنا وتنظم امورنا المالية ونحن في راحة بيوتنا.

هذا الاعتماد على هواتفنا في كل شيء "عفّن" أدمغتنا، وهذا أكثر وصف دقيق لما وصلنا إليه، لأننا أصبحنا لا نستخدم ادمغتنا، وأي شيء لا يستخدمه الانسان يفسد مع الوقت.

هل هواتفنا التي يبلغ ثمنها ألف ريال تستحق أن يكون مقابلها أدمغتنا وصحتنا النفسية؟

إذاً، كيف نتخلى عن تعلقنا المرضي بهواتفنا وأجهزتنا الرقمية؟ أولاً، بوعينا بكم الوقت الذي نقضيه على أجهزتنا. الوعي يصنع المعرفة والمعرفة تغيّر الواقع.

ثانياً، محاولة ايجاد أفكار لتقليل الوقت المقضي على الجوال مثل وضع شاحن الجوال خارج غرفة النوم او بعيداً عن السرير.

ثالثاً، عبر استبدال الوقت المقضي على الجوال بأنشطة ذهنية أو حركية مثل القراءة او الكتابة او الرسم او ممارسة الرياضة او المشي او الطبخ او أي نشاط آخر يمتعك ويحفز جسدك أو عقلك، مع العلم بأن الاستلقاء ومشاهدة التلفاز لساعات لا يدخل من ضمن هذه الأنشطة.

جرّب ان تخرج دماغك من الراحة الكاذبة الذي يعيش بها حالياً بسبب هواتفنا ووسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الأخرى المختلفة والذكاء الاصطناعي. حرر عقلك وارجع لصفاء ذهنك!



جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق



الحمد لله إني أنا

 من طبيعة الإنسان التفكير والتحليل ومقارنة نفسه بالغير، هذه هي تركيبته، ووسائل التواصل الاجتماعي تسهّل المقارنة اليوم وتدفع بها إلى الامام.

يواجه الإنسان سيلا من المعلومات والإعلانات والصور والفيديوهات التي تريه ما يجب وما لا يجب أن يكون عليه، وصور الأشياء التي يجب أن يمتلكها والصفات التي يجب أن يحوزها، والمواهب التي يجب أن تكون في سيرته الذاتية، والأمور التي يجب أن تحصل في حياته قبل سن كذا كي يكون ناجحا، وكم المبلغ الذي يجب أن يكون في حسابه، وكم وزنه المثالي، وكم عدد أصدقائه، وكم عدد الكتب التي يجب أن يقرأها، والأفلام التي يجب أن يشاهدها، والمقالات التي يجب أن يتصفحها والدول التي يسافر اليها والشهادات التي يجب أن يملكها وشكل زوجته وعدد أولاده المستقبليين.

وبعد سيل المعلومات هذه نتوقع أن يكون أمامنا شخص متزن يسكنه السلام والراحة، ولكن في حالات كثيرة يكون امامنا شخص أثرت به هذه الأمور كلها وأصبح ضحية مقارنة نفسه بالأشخاص والحسابات التي يراها في الإنترنت.

‏نعيد للمرة الألف، الحسابات التي نراها بالإنترنت ليست واقعية وليست حقيقية مثلها مثل برامج الحياة الواقعية. مدربة الحياة التي تعطي دروسا في الحياة وتنمية الذات قد تعاني من مرض عضال لا ندري عنه. المدرب الرياضي ذو الجسد المثالي الذي يعطي تمارين رياضية مجانية وصفات طعام صحية للوصول الى نمط حياة افضل قد يصارع مشكلات مع زوجته، رجل الاعمال الملياردير الذي يصيف في كان ويشتي في لندن قد يواجه اتهامات بالفساد لم يتم الإعلان عنها، نحن لا نعرف القصة كاملة، ولا يمكن لنا ان نعرف القصة كاملة أبداً لأننا لسنا في مكانهم.

وفي المقابل، لا يعي الإنسان تقديرات الله لحياته، ويستحيل أن يعيها في هذه الدنيا، ولو كان الانسان يعرفها لما اختار لنفسه إلا ما اختاره الله له، كما قيل عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن هنا تُدحض جدوى المقارنة بالغير، كل انسان وُلد وسيعيش في المكان والمكانة المناسبة له بتقدير من الله، وقول هذا لا يمنع الانسان من ان يسعى إلى تحسين نفسه ومكانته ومكانه وعمله في الدنيا، ولكن لا يجب ان يدفعه ذلك الى الهاوية او إلى كسر نفسه في سبيل الوصول إلى "سراب" قمة او الى مكان قد يظن انه يريده فقط لأن مواقع التواصل الاجتماعي غذت هذه الفكرة.

من الصعب محاربة أو مواجهة كل الأفكار والتخيلات التي يتم دفعها علينا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي في انستجرام وإكس وتك توك. ولكن في بعض الأحيان، ولحسن الحظ يمكن محاربة الفكرة بالفكرة والقناعة الداخلية بأنه ومهما كان ما نراه على الإنترنت، يبقى معظمه صورا وفيديوهات قد لا تعبر بالضرورة عن حياة الناس الحقيقية، وان الناس على الانترنت قد لا يكونون حقيقيين، أما نحن فحقيقيون ونعرف انفسنا جيداً، ونعرف اننا وما نمر به هو افضل ما اختاره الله لنا، وافضل ما يمكن ان نكونه، ولا يجب ان يكون الوضع غير ذلك. وبعد ان نفهم هذا الامر ونقنع به، سيقول كل واحد منا بأريحية: الحمد لله إني أنا ولم أكن لأكون إلا أنا.



جواهر آل ثاني 

صحيفة الشرق


من الإلغاء إلى العقاب!

 نعيش في عصر التواصل والوصول. يمكننا الوصول لأي أحد في أي مكان إن امتلكنا جهازا إلكترونيا مُحمّلا بالإنترنت والبريد الالكتروني للشخص او حسابه الشخصي في احد مواقع التواصل الاجتماعي مثل الإنستغرام او تك توك او منصة اكس او غيرها من المواقع الكثيرة. بضغطة زر يمكننا مشاركة رأينا الآلاف من الناس بل الملايين - طبعاً إن ساعدتنا اللوغاريتمات -.

ومع "قرب وبعد" مواقع التواصل الاجتماعي عن الواقع وقواعد الحياة الحقيقية، يحتمي البعض بسرية الانترنت وإمكانية إخفاء هويته، فينتهز الفرصة للإدلاء بكل ما في جعبته وأكثر في بعض الأحيان. ويمكننا القول ان بسبب الانترنت وخصائصه الفريدة، ازدهرت ثقافة الإلغاء (cancel culture) في السنوات العشر الماضية. وثقافة الإلغاء هي قيام الناس بمهاجمة وسحب تأييدهم من شخص ما او مجموعة او منظمة بسبب قول او فعل قاموا به وغالباً ما يتم ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وينتقد البعض ثقافة الإلغاء في كونها سببا في كبح حرية الرأي وقمعه، ويتمسك البعض بثقافة الإلغاء لأنها طريقة لمحاسبة ومعاقبة الناس الذين يخطئون في قول او عمل ما.

الإشكال الذي وصلنا له اليوم انه مع سرعة التواصل والوصول وانتشار المعلومات، تزايدت الرغبة في إلغاء الاخرين لسبب وبدون سبب في بعض الأحيان ما عدا التوق وراء معاقبة الشخص. وتحولت "ثقافة الإلغاء" الى "ثقافة العقاب"! لم يعد الهدف فضح الشخص ومحاسبته على أقواله وافعاله المخزية والمؤثرة، بل تعدى ذلك الى محاسبة الأشخاص والغائهم على اخطائهم الصغيرة أو حتى على آرائهم القديمة التي عدلوا عنها قبل ان يتم الغاؤهم.

ما يحدث اليوم لا يؤثر على حرية التعبير وحسب، بل يحدث شرخا أيضا في المنظومة الأخلاقية والإنسانية للمجتمعات. من غير المقبول مثلاً ان تمتد حملات السخرية والإلغاء الى أقارب وأصدقاء "المتهمين" الذين سيتم الغاؤهم لسبب تافه كالعدول عن رأي في قضية اجتماعية مثل قيادة المرأة للسيارة. وفي المقابل الغاء شخص ما لسبب مقنع مثل مناداته بالسماح بالزواج من قاصرات، دلالة على مجتمع صحي يملك بوصلة أخلاقية قوية. وهذا ما يجب ان تقوم عليه "ثقافة الإلغاء".

يجب ان تكون "ثقافة الإلغاء" أداة ضغط الاقران لتسوية وتقويم الآخرين، والا تكون وسيلة للعقاب لمجرد العقاب. فهذا ليس من ديننا ولا اخلاقنا. العقاب يكون لإعادة الانسان الى جادة الصواب، وفي حالات نادرة يكون العقاب لمجرد العقاب عندما يكون على فعل لا يمكن الرجعة منه مثل القتل أو الاغتصاب او التحرش بالأطفال. وقتها لا مكان للتسوية والتنازلات.

ليس كل خطأ يستحق الإلغاء، ولا كل الغاء يستحق الفجور فيه. يجب ان نستمر في تذكير انفسنا بان الانترنت يتشكل من أفراد نراهم كل يوم في حياتنا الواقعية، وكما نعاملهم بلطف عندما نلتقيهم، يجدر بنا ان نعاملهم بلطف من وراء الشاشات.


جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

القصة الأخرى للذكاء الاصطناعي

 نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، ثورة متجددة، يخرج منها كل يوم اختراع أو إعلان حول اكتشاف أو ميزة ما للجمهور، ثورة الذكاء الاصطناعي أصبحت سبباً للثروة، والجميع يريد قطعة من الكعكة. الكل يفكر بالطريقة التي يمكنه عبرها الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في عمله أو في حياته بشكل عام، من أكبر بليونير- إيلون ماسك - وحتى أي مستخدم عادي للذكاء الاصطناعي، الجميع يريد أن يصبح قصة النجاح القادمة على ظهر أسرع وسيلة حالية "ظاهرة" الذكاء الاصطناعي، مثل ماثيو واليوت غالاغر اللذين أسسا شركتهما ميدفي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فقط دون موظفين، واليوم تُقدر قيمة الشركة بأكثر من مليار دولار.

هذه إحدى ميزات الذكاء الاصطناعي.. تسهيل الأعمال وأمور الحياة، ولكن لا يمكننا أن نغض أعيننا عن الوجه الآخر لآثار الذكاء الاصطناعي، لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أن العديد من الشركات ستستغني عن الكثير من الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي مما سيؤثر سلباً على حياة الأفراد في كل مكان. طوبى لمن يرى الجانب الإيجابي من الذكاء الاصطناعي ولا يغفل الجانب السلبي، كما حدث في الصين التي صدر فيها مؤخراً حكم قضائي لصالح موظف تم فصله من الشركة بعد أن رفض تخفيض رتبته في العمل لأن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على أداء عمله. وقضت المحكمة أن الفصل كان تعسفياً وأن الشركة ارتكبت مخالفة قانونية.

في هذه الحقبة من الزمن، سيتم استخدام الذكاء الاصطناعي في كل أوجه حياتنا لا في العمل وحسب.

سنشاهد استخدامات الذكاء الاصطناعي في العلوم والأفلام والموسيقى والأدب، وسيتم حلب أدواته حتى آخر رمق. وحتى لا يعود بمقدور الذكاء الاصطناعي الابتكار والإبداع، وحتى يمل المتلقي من غباء الذكاء الاصطناعي و"ابتكاراته المتوقعة".

عندها سنعود إلى الأفلام التي تتم صناعتها بجانب المحيط بدل "خيال المحيط".. عندها سنرجع إلى الروايات ذات العمق الإنساني وهواجيسه بدل سطحية سرد الذكاء الاصطناعي وابتكاراته "المتكلفة" في محاولة منه لتقليد القلم البشري.. عندها سنرجع إلى الموسيقى التي يتم تسجيلها في الاستوديو بدل تلك المسجلة مسبقاً والمجموعة ببعضها البعض بضغطة زر كمبيوتر. عندها سنرجع إلى الدعايات والإعلانات الحقيقية والمبدعة التي نستطيع أن نشاهدها دون اشمئزاز ودون أن نقول هذه الدعاية تم صنعها عبر الذكاء الاصطناعي! وقد يطول بنا الوقت حتى نعي بشكل كامل الجوانب الإيجابية والسلبية للذكاء الاصطناعي ونعود إلى أنفسنا للإبداع والابتكار في العمل والحياة، ولكن حتى يأتي ذلك الوقت.. لا تنسوا أنفسكم.. لا تنجروا خلف أرباح مؤقتة بلا ابتكار ولا إبداع، حافظوا على الجانب الإبداعي والفكري بداخلكم واعملوا على تنميته.


جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

نظرة سوداوية أو مستقبلية؟

 دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة كورونا إلى محاولة أتمتة ورقمنة كل شيء ابتعاداً عن الجراثيم والأمراض وحفاظاً على البيئة. ومع هذه الموجة، اتجهت الشركات والجهات المختلفة، الحكومية وغير الحكومية، إلى الأرشيف الإلكتروني بدلاً عن الأرشيف الورقي.

‏واليوم نشهد أكبر الثورات العلمية لهذا العصر بحضور الذكاء الاصطناعي. ولا شك أن للذكاء الاصطناعي ميزات وإمكانيات كبيرة، ولكن في الوقت نفسه، يجب ألا نهمل أضراره ومساوئه والتبعات الكبيرة التي قد يتركها في مستقبل البشرية.

في إحدى المقابلات، يقول سام ألتمان رئيس شركة open AI مالكة chat gpt إنه في المستقبل سيتم استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لاستخدام الإنسان وسيتم بيعها للناس وتحصيل المال عليها كما يتم تحصيل المال من عداد الكهرباء. لماذا يقول في المستقبل وليس اليوم؟ لأن الذكاء الاصطناعي في طور النمو ولا يزال يحتاج الناس لتطوير نفسه، ولكن قد يأتي وقت في المستقبل يتوقف عن الحاجة لتطوير نفسه بعدما ابتلع كل علوم وآداب الأرض والإنسان، بعد ذلك سيتحقق ما قاله سام التمان وسيكون الذكاء الاصطناعي في يد من يستطيع أن يدفع مقابل معلوماته. وبالطبع من يستطيع أن يدفع ستكون بيده القوة والمال.

‏قد يقول أحدهم: وما المشكلة؟ فلنفترض أنهم جعلوا نماذج الذكاء الاصطناعي أمثال كلاود وجيمناي وقروك في يد من يدفع فقط.. هذا من حقهم لأنهم من عملوا على هذه النماذج وطوروها وكلامهم صحيح وغير صحيح، لأن هذه الشركات اشتغلت على هذه النماذج، ولكنهم استفادوا من المعلومات التي تمت تغذيتها من المستخدمين بدون مقابل واستفادوا من المصادر العلمية والأدبية التي تمت تغذيتها لنماذجهم بدون مقابل مدفوع لحقوق المغنين والفنانين والعلماء والباحثين والأدباء. هذه الشركات ربحت المليارات من الدولارات من منتجات وخدمات وكلمات وأبحاث الكثير دون أن تقدم لهم شيئاً من ناحية، ومن ناحية أخرى، تدمر هذه الشركات البيئة عبر مراكز البيانات التي تبنيها لتشغيل الذكاء الاصطناعي.

‏ هذه نظرتي المستقبلية المؤكد حدوثها، أما نظرتي السوداوية فلها علاقة فيما ذكرته في بداية المقال، حيث إنه قد يأتي وقت تحتكر فيه الشركات التكنولوجية الكبرى كل المعارف، ويجعلونها لمن يدفع ومن ثم تصبح المعرفة الرقمية الموجودة على الإنترنت محل بيع وشراء وتحكم تلك الشركات. ويصبح على الإنسان العادي إذا ما أراد أن يصل إلى معلومة ما إما أن يطلب هذه المعلومة عن طريق شركات الذكاء الاصطناعي، ويكون كل ما في وسعه هو الاطلاع عليها دون أن يستطيع تمَلُّكها أو شراءها، وإن استطاع أن يشتريها تبقى تلك الشركات ممتلكة إمكانية الوصول إلى حسابات الأفراد وذات مقدرة على مسح المعلومات من حساباتهم وقتما تريد، مثلما فعلت أمازون عندما مسحت بعض الكتب المشتراة من أجهزة مستخدمي كندل قبل عدة سنوات بلا سبب! ومن ثم يصبح خيار الإنسان العادي أن يمتلك أو أن يبحث عن المعلومة التي يريدها في الكتب والورق.. المادة التي تركناها وأهملناها في السنوات الماضية "حفاظاً على البيئة"!

‏سواء كنت أبالغ في نظرتي المستقبلية أم لا يجب أن ننتبه من سرقة المعرفة وطرق الوصول إليها منا فقط، لأن شركات التكنولوجيا الضخمة سحبتها من تحت أيدينا دون أن نشعر.


جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق


ما سيتذكره التاريخ

  في بداية شهر سبتمبر ٢٠٢٦، أدلى المغني ماكلمور في بداية حفلة المغني ايد شيرين في الولايات المتحدة الأمريكية بتصريحات موالية لفلسطين، وداعمة...