المرأة في حالة ترقب دائمة حتى قبل أن تُولد. هل سيتقبلها الأهل الذين كانوا يتمنون ولداً سراً أو جهراً و ظهرت إلى الدنيا بدلاً عنه فتاة؟ هل سيفرحون بها؟ هل سيخافون على و من مستقبلها؟ هل سيكتبون مستقبلها منذ البداية؟ هل ستكون الابنة قبل ولادة الابن الذين سيفرحون و يحبونه أكثر؟
ثم تُولد الابنة، و يُولد معها الخوف.. الخوف من أن تُخطئ أو أن تظلمها الدنيا أو أن يخطئ الرجال في حقها.. و إن كان خوف الأهل ممتزجاً بحب، يتم التعامل معها برحمة و مودة، أما إن كان خوف الأهل مصبوباً على قلق و عصبية الجاهلية، يتم التعامل معها بقسوة، لن تفهمها في صغرها، وستكرهها بعدما تكبر.
و تبدأ الطفلة حياتها بتوجيهات كثيرة و تصريحات مكررة. "لا تخرجي لتلعبي خارج المنزل". "لا تكلمي الغرباء و لا تأخذي شيئاً منهم". "البسي هذا ولا تلبسي ذاك" "اجلسي بهذه الطريقة" "لا تتكلمي بتلك الطريقة" "أنت لستِ كالأولاد" "لا تتصرفِ هكذا" "لا تقولِ هذه الكلمة". و قد تكون التوجيهات او التصريحات في مكانها، و لكنها تُلقى على فتاة صغيرة السن لا تعيها ولا تفهمها خاصة عندما ترى أخاها يُعامل بطريقة أخرى و يُمنح حرية أكبر تتمنى لو تنال بعضاً منها.
كثرة التوجيهات و التصريحات اتجاه الطفلة، هي ما تجعلها تكبر و تنضج و تصل إلى مراهقتها بشكل أسرع من الولد.
ثم تكبر الفتاة، و تبدأ بسماع تعليقات أكثر في الشارع و الأسواق من بعض الفتية و الرجال. فلا ترد على الفتية الذين يقاربونها في العمر ولا تفهم لماذا يكلمها رجال في عمر أبيها.
ثم تكمل الفتاة حياتها في حالة ترصد و حذر و استعداد مستمرة. يجب ان تعيش حياتها ضمن حرية رُسمت لها. و يجب أن تنتبه لنفسها في الشارع و أن تخاف على سمعتها أكثر من خوفها على نفسها.
ثم تكبر الفتاة لتصبح امرأة، و يأتي وقت تفهم فيه لماذا كان كل ما كان، و لماذا عوملت و تم التعامل معها بهذه الطريقة. و لماذا يتصرف الرجال و النساء و المجتمع بالطريقة التي يتصرفون بها. و لماذا تخاف المرأة من المجتمع أكثر من الرجل. و لماذا يخاف المجتمع من العادات و التقاليد و ما يحدث باسم الدين أكثر من خوفه من الحق، و إن كان شمساً ساطعة. و لماذا لا تتم مسائلة و محاسبة الرجل بالطريقة نفسها التي تُحاسب المرأة. و لماذا لا ينسى المجتمع أخطاء المرأة في الوقت نفسه الذي يمرر به أخطاء الرجل و يجد لها أعذاراً.
تدرك المرأة الأسباب و الدوافع وراء ما حدث لها، و إن لم تتعمق في الأسباب الاجتماعية و الثقافية و التاريخية و السياسية و الدينية و الاقتصادية ورائها. و قد لا يحزنها ما حدث توكلاً و ثقة بما اختاره الله لها، و لكن بالتأكيد سيقطع خيالها أفكار العمر البديل لها.. عمر عاشته في مكان آخر أو عائلة أخرى أو في وقت لم يُكبح فيه خيالها أو ابداعها أو حريتها أو تعليمها.. باختصار. ستُفكر في عمر تُرك فيه الاختيار لها..
جواهر آل ثاني