السبت، 30 مايو 2026

الذكاء الاصطناعي في مواجهة الإنسان

 منذ فترة قرأت مقالاً لبيليتا كلارك في الفاينانشال تايمز بعنوان «هل يمكن أن يمر يوم دون أن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي؟» وقد جعلني أفكر بأننا فعلاً لم نتوقف عن الحديث عن الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة، فلا يمضي يوم دون تصريح أحدهم بشكل إيجابي أو سلبي عن الذكاء الاصطناعي أو حدوث طفرة تخص الذكاء الاصطناعي أو تصدّر خبر عن الذكاء الاصطناعي الأخبار. ولا عجب في ذلك، فما نشهده اليوم مع الذكاء الاصطناعي أكبر حتى مما شهدناه مع طفرة الإنترنت في التسعينيات. الجميع يريد ركوب الموجة والكل يريد أكل أكبر قطعة من الكعكة! بل وقد نشهد حروباً بين عمالقة التكنولوجيا في المستقبل القريب بسبب الذكاء الاصطناعي، فقد أعلن ايلون ماسك عزمه على اللجوء إلى القضاء بسبب تحيز أبل لتشات جي بي تي وتصديرها له في متجر التطبيقات الذكي app store.

بالنسبة لايلون ماسك أغنى رجل في العالم وسام التمان رئيس شركة open AI الشركة المطورة لتشات جي بي تي وتيم كوك رئيس شركة ابل (أكبر شركة في العالم) هم ضامنون لوظائفهم أمام الذكاء الاصطناعي.. ولكن ماذا عن بقية العالم؟

يهدد الذكاء الاصطناعي اليوم الكثير من الوظائف، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون المساعد الشخصي والعامل في أي شركة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون محاسبا أو موظف تسويق أو محاميا أو حتى طبيبا يحلل الأعراض ويُشخص الأمراض! بل إن الذكاء الاصطناعي وصل إلى أن بدأ يسرق الوظائف من خريجي علوم الحاسب!.

حتى الآن معظم الوظائف في خطر أمام الذكاء الاصطناعي، إلا أنه توجد بعض الاستثناءات، حيث يقول جون برن-مردوخ من فاينانشال تايمز إن الذكاء الاصطناعي لا يزال يواجه صعوبة في التعامل مع تعدد المهام، وبذلك فهو يشكل خطراً أكبر للوظائف التي تعتمد على وحدة المهام مثل البرمجة، ويشكل خطراً أقل بالنسبة للأعمال التي تقوم على تعدد المهام مثل الإدارة والسكرتارية.

ومن الأعمال التي لا تواجه خطراً محدقاً أمام الذكاء الاصطناعي-حتى الآن- في رأيي هي الفنون. نعم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب مقالة ويصنع فيلما وأغنية وصورة، ولكن ما جودة هذه الإنتاجات مقارنة بما يصنع الإنسان؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب مقالة «تقض مضجع القارئ» كما يقول الكاتب تاناهاسي كوتس وتهز كيانه؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب قصة استثنائية تبكينا وتدوخنا حبكتها المعقدة وغير المتوقعة؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب ما هو غير متوقع؟ أم أنه محدود بما تم تدريسه له و»بالمتوقع»؟

إذا كان الإنسان معروفا بأمر ما فهو النهوض مهما كان وإنتاج غير المتوقع. والذكاء الاصطناعي كان في يوم ما ثمرة غير المتوقع من الإنسان.. ولن يتوقف الإنسان عن فعل أو إنتاج غير المتوقع في أي مجال كان سواء أكان ذلك في الفنون أو غيرها من بقية المهن والوظائف والأعمال. ولن يستطيع الذكاء الاصطناعي أبداً أن يتفوق على الإنسان في ابتكار غير المتوقع.

لسنا عنصريين ولكن..

 منذ العصور البدائية كان الإنسان يخاف من الإنسان الآخر، حيث كان يفر أو يقاتل إذا ما رأى إنسانا آخر، وذلك قبل تشكل المجتمعات الحديثة، ‏لكن ما أن تكاثر الأفراد ووُجدت مجتمعات أكبر وقبائل أكثر، ردات الفعل هذه الفطرية تناقصت مع الوقت وأصبح الإنسان أكثر تقبلا للإنسان الآخر وأكثر تعايشا معه. وهذا ما يأتي بنا إلى وقتنا الحالي، حيث نرى من ناحية نظرية، تعايش الإنسان بجانب غيره من الناس في الدول المختلفة بسلام. هذه من النظرة الأوسع حيث ترفض معظم الشعوب الدخول في حرب مع دولة وشعب آخر، ولكن عندما نضع المجهر على هذه الدول، نرى رفضا كبيرا للآخر، وهذا ما جعل مثلا رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني تفوز بمنصبها وهذا ما جعل ترامب يفوز بالرئاسة رغم مواقفه المتشددة نحو المهاجرين والآخرين بشكل عام، وهذا ما يجعل نارندا مودي ذا شعبية كبيرة في الهند. نرى اليوم الكثير من المتشددين نحو المهاجرين والعنصرين في أماكن قيادة حول العالم وهم لم يصلوا إلى مناصبهم لولا دعم أناس يحملون الفكر نفسه معهم.

العالم للأسف ليس أكثر تسامحا مع الأجانب أو الغير، تنتشر اليوم فيديوهات لمواطنين يضربون أو يشتمون الأجانب أو المقيمين في بلدانهم سواء أكان ذلك في الدول الغربية أو الدول العربية. ينسى هؤلاء العنصريون الذين لا يقبلون بأن يسموا «بعنصريين» بأن هؤلاء المقيمين والمهاجرين «أياً كان المسمى التي يتم إعطاؤه لهم في تلك الدولة» بأن معظمهم ضحايا حرب أو مأساة أو فقر وأن منهم المتعلم والغني والعبقري والطيب والصالح.

‏ينسى هؤلاء أن كل هؤلاء الناس لهم حياتهم وعائلاتهم وأصدقاؤهم وأنهم اختاروا الهجرة أو السفر أو العمل لسبب ما ليس من بينه على الأغلب التخريب على أهل البلد.

‏ينسى هؤلاء الذين يصرخون «اخرجوا من بلادنا وخربتم بلادنا وأطحتم بقيمنا ومبادئنا» أن من بين هؤلاء الناس من بنى بلدانهم ومن يعمل فيها ومن ربى وكبر أطفالهم وأنعش اقتصادهم، وأن من بينهم من يحب بلدهم أكثر مما يحبها المواطنون الأصليون أنفسهم. 

الدول تحتاج المهاجرين بقدر حاجة المهاجرين لها. ألمانيا تقبلت الكثير من المهاجرين لتنعش اقتصادها وتحافظ على قوتها.

وقد تحتاج اقتصادات أخرى مع الوقت تشجيع الناس إلى الهجرة إليها لتحافظ على قوتها ونموها، كما تفعل كندا اليوم التي تشجع الناس على الهجرة إليها.

‏والأيام دول بين الناس وبين الدول، من قد يجد نفسه اليوم آمنا مطمئنا في بلده قد يجد نفسه في الغد مهاجرا مقيما في دولة أخرى، لذلك تقبلوا غيركم وتذكروا دائما أنهم ناس مثلكم، لديهم حياتهم ومعاناتهم وأعمالهم وتاريخهم الذي كان يوما في مكان وأصبح اليوم في مكان آخر.

يوم استقلال سعيد

 تاريخ قطر ثري وغني بالأحداث والوقائع والشخصيات المهمة. وفي اليوم الوطني القطري الموافق ١٨ ديسمبر من كل عام، نسترجع بعضا من هذه الأيام ونحن نحيي ذكرى تسلم الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني لمقاليد الحكم وتأسيس دولة قطر الحديثة.

 في اليوم الوطني القطري، نذكر تاريخ قطر قبل الشيخ جاسم بن محمد وفي أثناء توليه الحكم. 

نتذكر الأمن والأمان والوحدة في عهده، وعدم الاستقرار والفرقة التي كانت تسبق توليه الحكم. ولهذا كان من المهم أن يكون اليوم الوطني القطري ويوم تسلم الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني حكم قطر عطلة رسمية وطنية في الدولة.

 ولكن هناك يوم آخر مهم، يجدر بنا أن نضعه في خانة قريبة من اليوم الوطني، ألا وهو يوم الاستقلال.

في يوم ٣ سبتمبر لعام ١٩٧١، من قصر الشيخ أحمد بن علي آل ثاني من جنيف، أُعلن استقلال قطر، وأُلغيت الاتفاقية الأنجلو-قطرية لعام ١٩١٦. في هذا اليوم، تأكدت سيادة قطر واستقلالها عن البريطانيين ومن قبلهم من العثمانيين والبرتغاليين. في هذا اليوم توثق وقوف قطر لوحدها دون أن تحتاج أي أحد. في هذا اليوم الفارق، رُص تاريخ بأكمله. هذا اليوم لا يقل أهمية عن اليوم الوطني. فهو حدث عظيم في تاريخ قطر. ولا يجدر أن يمر كل سنة مرور الكرام، دون أن يتذكره البعض. فهو تأريخ للأحداث التي حدثت ما بين اليوم الوطني (يوم تسلم الشيخ جاسم بن محمد للحكم) ويوم الاستقلال. فما بين اليومين حدثت وقائع عديدة. ما بين اليومين عاش حاكمان لقطر وأدارا أمور الدولة على أحسن ما يكون، هما الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني والشيخ علي بن عبدالله آل ثاني رحمهما الله. ما بين اليومين، وقعت حربان عالميتان تركت آثارهما على قطر. ما بين اليومين تصدت قطر لمطامع دول عدة، قريبة وبعيدة.

وبالتالي، فيوم الاستقلال القطري يُخلّد حقبة كاملة قبل الاستقلال وما بعده، من ابتداء بناء قطر المدنية في ظل الشيخ سمو الأمير أحمد بن علي آل ثاني وسمو الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رحمهما الله. ولهذا علينا أن نوليه الأهمية الكبرى، ونجعله عطلة رسمية، نستحضر فيها أجواءنا الوطنية، وتاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا، فقطر تستحق منا ذلك!

المال.. أم الأخلاق؟

 شاهدت مؤخراً فيلما اسمه Materialists وهو فيلم يتناول قصة مدبرة زواج (خطّابة بلهجتنا المحلية) تحاول التوفيق بين رأسين. وهي تحاول أن تفعل ذلك عن طريق إيجاد التوافق وحساب أوجه الشبه بين الرجل والمرأة، وقد يكون وجه الشبه بأن كليهما جذاب أو من عائلة غنية أو ناجحان أو غيرها من الصفات والخصال.

ما كان ملاحظاً في الفيلم هو ملامسته للواقع. أغلب زبائن الخطابة، لا يبحثون عن الزوج أو الزوجة الصالحة أو الخلوقة أو الكريمة أو الحنونة أو الذكية أو العاقلة أو غير ذلك من الصفات المعنوية.. معظمهم كانوا يطلبون من الخطابة أن تجد لهم زوجا أو زوجة جميلة وغنية وذات جسد رائع وصغيرة في السن ويُفضل بعشر سنوات على الأقل! وغير ذلك من الصفات المادية والجسدية.

وأنا لا ألوم من يطلب هذه الطلبات أو يرغب بها في زوجه أو زوجته المستقبلية، ولكن المشكلة عندما تكون الأولوية لهذه الشروط أو أن تكون هذه هي الشروط الوحيدة المطلوبة!

المشكلة أن هذه الصفات وحدها ليست سبباً لاستمرار الزواج ونجاحه، كما أن الحب وحده ليس سبباً لنجاح وطول عمر الزواج. هناك عوامل أخرى بالأهمية نفسها.

قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». 

ومن ثم زاد العلماء على الدين والخلق، المعاش والمعاملة والكفاءة في النسب أو المقام الاجتماعي وغيرها مما قد تتحقق فيه الكفاءة.

وكما نلاحظ أن الجمال والغنى ليسا من هذه الشروط، ولا هما أولوية معها وإن كانت قد تحدث في حال الكفاءة، ليكون هناك توازن بين مقام الزوجين.

العالم اليوم غيّر الكثير من معايير الزواج، وأصبح الدعاء بدلاً من الزوج الصالح.. للزوج الغني أو الجميل أو الرياضي. ويعود جزء من السبب إلى واقع اليوم المعتمد على منصات التواصل الاجتماعي والقشور التي نشاهدها على شاشاتنا الصغيرة. النفس أصبحت لا تميل سوى للشخص الأشهر أو الأجمل أو الأقوى أو الغني، وكل ذلك قشور قد يكون داخلها انسان مؤذٍ أو حقير أو تافه أو غبي أو ثقيل دم لا يصلح لعلاقة معرفة، فما بالكم بعلاقة زواج!

هذه الشروط الجديدة هي ما قصّرت أعمار الزواجات اليوم، وجعلت مصيرها الطلاق السريع، لأن شروط الغنى والجمال والشهرة في الزوج أو الزوجة ليست شروطا دائمة يُمكنها حمل العلاقة وحثها على الاستمرار. الشروط التي تجعل العلاقة تستمر هي الدين والأخلاق والقيم والمبادئ المتشاركة. ومن بعد تبادل هذه الأمور تأتي المودة والرحمة لتُنضج العلاقة وتجعلها تزدهر.

كمال الحرية

 الحرية المطلقة هي ألا يكون الإنسان أسير نفسه.. وألا يكون أسير غيره، والأسوأ من كل ذلك، أن يكون أسيراً "للماديات" من حوله ومن بعده. ويصل الانسان إلى هذه الحرية عندما يعتنق عدة مبادئ يشرحها ايكهارت تولي في كتابه (الأرض الجديدة) ألا وهي، عدم المقاومة، وعدم التعلق، وعدم الحكم.

المبدأ الأول هو عدم المقاومة، ويعني القبول بأحداث الحياة وتقلباتها الجيدة والسيئة والتسليم والاستسلام لله مع الرضا بالقضاء والقدر وكل ما يحدث للإنسان دون الجزع، فإن وقعت مصيبة، صبر الانسان عليها وتقبلها، وإن حدث خير، شكر الانسان ربه عليها وقبلها. فإن مرض الانسان، صبر على ابتلائه، وإن حظي بوظيفة بمرتب عال شكر الله عليها. وقد قال الله تعالى في سورة الصافات في تمثيل عظيم للرضا بالقضاء والقدر المكتوب بين النبي إبراهيم وابنه النبي إسماعيل عليهما السلام: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (١٠٢). ولو كان الرضا بالقضاء والقدر سهلاً ما كان ليكون الركن الخامس من أركان الايمان بالله. إذاً فالإنسان يتوكل على الله ويمضي في طريقه باستسلام لما يحدث له (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُون)(التوبة:51)

المبدأ الثاني هو عدم التعلق. عدم التعلق بشهوات النفس ورغباته.. عدم التعلق بالغير.. عدم التعلق بالأشياء والماديات الدنيوية.. عدم التعلق بأي شيء وأي روح إلا الله. ولا فائدة من التعلق بغير الله سوى الخسارة والخيبة كما في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “ من تَعَلَّقَ شَيْئاً وُكِلَ إليه " رواه أحمد. ولا فائدة تُرجى من التعلق بغير الله سوى التعب واليأس. ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) (الأنعام:18).

المبدأ الثالث من مبادئ الحرية المطلقة هو عدم الحكم. عدم حكم الانسان على نفسه (لأن ذلك من أصعب السجن).. وعدم حكم الانسان على غيره (لأن الانسان كله عيوب وقد يُبتلى في أي لحظة).. وعدم حكم الانسان على ما يصيبه في الحياة لأنه لا يعرف الحكمة من وراء ما يحصل له، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (216). والحكم ليس من وظائف الانسان، بل هو لله سبحانه وتعالى كما قال في سورة الرعد: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (آية ٤٠).

هذه المبادئ الثلاثة ستسهل حياة كل من يعمل بها وستصل به إلى السعادة والحرية الحقيقية والحكمة. (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) سورة البقرة (آية ٢٦٩).

أصلح قناعاتك!

 يُفكر الإنسان بآلاف الأفكار يومياً، ليست كلها ذات أهمية وليست كلها ذات تأثير. تكتسب الأفكار قوتها عندما نُعطيها أهمية.. عندما نبحث وراءها.. ونبحث في أسبابها وآثارها وتفرعاتها. تكتسب الأفكار أهمية عندما تزورنا أكثر من مرة في اليوم وعندما نخرجها إلى أرض الواقع لتعيش معنا. ولكن الأفكار التي تحوز قوة وأهمية دائماً، هي تلك التي تتحول إلى قناعات، أو تلك التي تنتج عن قناعات الإنسان. لا يوجد أقوى من الفكرة سوى الفكرة التي يؤمن بها الإنسان وتتحول إلى جزء من قناعاته الشخصية.

قناعات الإنسان طاقة هائلة في يده. يمكنه عبرها أن يشق طريقه في الحياة بسهولة وسلاسة وبهجة. كيف؟ الإنسان الذي يملأ حياته بالقناعات الإيجابية يعيش حياة راضية مرضية أكثر سهولة من حياة الإنسان الذي يعيش حياته على قناعات سلبية.

الإنسان الذي يؤمن بأن حظه سيتحسن مهما وقع في المشاكل، سيمضي في حياته بسهولة أكثر من الإنسان الذي يؤمن بأن المشكلة تجر المشكلة ولا حل في الأفق!

الأب الذي يؤمن بأن ابنه سينجح في يوم ما، سيساند ابنه إلى أن يأتي ذاك اليوم، أما الأب الذي لا يؤمن بقدرات ابنه، فسيقول عنه فاشل وسينتقصه وإن نجح الابن!

القناعات ليست مجرد أفكار يؤمن بها الإنسان بكل جوارحه.. هي أسلوب حياة يُعاش بسبب هذه الأفكار. وأسهل طريقة في تبيان ذلك، هي ملاحظة أن الإنسان الإيجابي يبتسم أكثر من الإنسان السلبي! الإنسان الذي تربى على قناعات العمل الجاد وعدم الاستسلام، يعمل عندما تواجهه مشكلة حتى يجد حلاً لها، أما الإنسان الذي لا يملك قناعات العمل الجاد، تراه يستسلم بعد أول محاولة بكسل! الإنسان الذي يؤمن بأن «في الناس خير» سيواجه الناس الخيرة في طريقه، وإن لم يواجههم فعلى الأقل لن يمضي حياته في شك وقلق من الناس من حوله مثل الإنسان الذي يؤمن بأن «كل الناس شر» أو»لا أحد يفعل شيئا دون دافع خفي!».

قناعات الإنسان هي ما تحركه في هذه الدنيا.. إذا كانت قناعات إيجابية خيرة فيها حسن ظن بالله.. أخذته في رحلة حياتية هينة طيبة. وإذا كانت قناعات إيجابية مظلمة مليئة بسوء الظن بالله.. أخذته في رحلة حياتية سوداوية وصعبة وثقيلة على النفس.

دربوا عقولكم وأنفسكم بحب على القناعات الإيجابية. لا تفقدوا الأمل بتلك القناعات. أعيدوها واحفظوها في أنفسكم دائماً وإن كان الواقع يخالف أمنياتكم وتلك القناعات. فالحياة أسهل بقناعات خفيفة لينة على النفس، وقاسية على من يملك قناعات تُصعب عليه كل خطوة في حياته! اختاروا قناعتكم بحرص!

أنا أختار أن أبدأ!

 تأجيل القيام بالشيء أو "التسويف" كان في السابق آفة أصحاب الإرادة الضعيفة، أما الآن ومع الملهيات والمغريات التي تحيط بالمرء من كل جانب.. أصبح التسويف آفة العصر. الجميع مبُتلى بالتسويف، كل من أصحاب الإرادة القوية وأصحاب الإرادة الضعيفة، يُخطط أحدهم أن يقرأ لمدة ساعة يومياً، فيُؤجل ساعة القراءة وينسى نفسه بين التك توك والانستغرام حتى يحين وقت النوم، ومن ثم يقرر أن ينام ولا يقرأ! يُقرر أحدهم أن يتمرن في النادي الرياضي اليوم، فيتصل به أحد أصدقائه ليخرج معه للسينما، فيُؤجل رحلة الذهاب إلى النادي الرياضي إلى الغد! يصمم أحدهم أن يستثمر في الذهب، ومن أجل ذلك، يعزم على أن يشاهد فيديو على اليوتيوب ليفهم هذا المجال أكثر، ولكنه ينشغل ويؤجل خططه إلى أن يرتفع سعر الذهب أكثر وأكثر ويندم على تأجيله مساعيه!.

يفهم البعض أن التسويف هو دائماً نتيجة كسل الإنسان، وذلك غير صحيح، التسويف قد يكون بسبب أمور عدة، منها انشغال المرء.. ووقوع أمور أهم في حياة الإنسان، وفي بعض المرات يؤجل الإنسان ويقع في فخ التسويف لأنه يخاف الفشل ولأنه إنسان مثالي! نعم، بعض الناس تؤجل القيام ببعض الأمور إذا خافت الفشل فيها.. قد يؤجل أحدهم البدء بمشروعه لأنه يخاف فشله.. وقد يؤجل أحدهم كتابة الكتاب الذي يحلم به لأنه يخاف ألا يتمكن من نشره. وهذا مرتبط بكون الإنسان يميل إلى المثالية والكمال، حيث إنه يخاف أن يبدأ شيئا غير كامل ويفشل.

ومن الأمور التي يمكن أن تساعد وتلحلح المرء وأن تجعله يؤجل التسويف ويبدأ في العمل، هو شيء ذكره الكاتب نيل فيوري في كتابه (العادة الحالية) وهي أن يقول الإنسان لنفسه: "أنا أختار أن أبدأ العمل لمدة خمس دقائق". ومن ثم يقوم الإنسان بالعمل الذي كان قد عمل على تأجيله لمدة خمس دقائق فقط.. هذه الخمس دقائق قد تكون كافية للمرء في البداية، وقد يجد الإنسان نفسه يعمل لساعة أو ساعتين بعد ذلك دون أن يشعر.

كل ما يحتاجه المرء هو أن يختار أن يبدأ بالعمل الذي كان يؤجله لمدة خمس دقائق.. هذه الخمس دقائق ستجعله أشجع وغير خائف من الأعمال التي كان يؤجلها كل يوم. هذه الخمس دقائق ستجعله إنسانا بعيدا عن التسويف ومتحررا من نفسه. من يريد أن يرسم سيبدأ بالرسم لمدة خمس دقائق.. قد يتوقف بعدها وقد يكمل لساعة.. المهم انه اختار أن يبدأ ولم يوقف نفسه خوفا من الفشل أو رأي الناس أو غيره.

ابدأوا لخمس دقائق ولا تفكروا. قرروا بعد ذلك ما إذا كنتم تريدون أن تكملوا أو لا.. المهم أن تبدأوا!

الذكاء الاصطناعي في مواجهة الإنسان

  منذ فترة قرأت مقالاً لبيليتا كلارك في الفاينانشال تايمز بعنوان «هل يمكن أن يمر يوم دون أن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي؟» وقد جعلني أفكر بأننا...