السبت، 30 مايو 2026

الذكاء الاصطناعي في مواجهة الإنسان

 منذ فترة قرأت مقالاً لبيليتا كلارك في الفاينانشال تايمز بعنوان «هل يمكن أن يمر يوم دون أن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي؟» وقد جعلني أفكر بأننا فعلاً لم نتوقف عن الحديث عن الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة، فلا يمضي يوم دون تصريح أحدهم بشكل إيجابي أو سلبي عن الذكاء الاصطناعي أو حدوث طفرة تخص الذكاء الاصطناعي أو تصدّر خبر عن الذكاء الاصطناعي الأخبار. ولا عجب في ذلك، فما نشهده اليوم مع الذكاء الاصطناعي أكبر حتى مما شهدناه مع طفرة الإنترنت في التسعينيات. الجميع يريد ركوب الموجة والكل يريد أكل أكبر قطعة من الكعكة! بل وقد نشهد حروباً بين عمالقة التكنولوجيا في المستقبل القريب بسبب الذكاء الاصطناعي، فقد أعلن ايلون ماسك عزمه على اللجوء إلى القضاء بسبب تحيز أبل لتشات جي بي تي وتصديرها له في متجر التطبيقات الذكي app store.

بالنسبة لايلون ماسك أغنى رجل في العالم وسام التمان رئيس شركة open AI الشركة المطورة لتشات جي بي تي وتيم كوك رئيس شركة ابل (أكبر شركة في العالم) هم ضامنون لوظائفهم أمام الذكاء الاصطناعي.. ولكن ماذا عن بقية العالم؟

يهدد الذكاء الاصطناعي اليوم الكثير من الوظائف، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون المساعد الشخصي والعامل في أي شركة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون محاسبا أو موظف تسويق أو محاميا أو حتى طبيبا يحلل الأعراض ويُشخص الأمراض! بل إن الذكاء الاصطناعي وصل إلى أن بدأ يسرق الوظائف من خريجي علوم الحاسب!.

حتى الآن معظم الوظائف في خطر أمام الذكاء الاصطناعي، إلا أنه توجد بعض الاستثناءات، حيث يقول جون برن-مردوخ من فاينانشال تايمز إن الذكاء الاصطناعي لا يزال يواجه صعوبة في التعامل مع تعدد المهام، وبذلك فهو يشكل خطراً أكبر للوظائف التي تعتمد على وحدة المهام مثل البرمجة، ويشكل خطراً أقل بالنسبة للأعمال التي تقوم على تعدد المهام مثل الإدارة والسكرتارية.

ومن الأعمال التي لا تواجه خطراً محدقاً أمام الذكاء الاصطناعي-حتى الآن- في رأيي هي الفنون. نعم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب مقالة ويصنع فيلما وأغنية وصورة، ولكن ما جودة هذه الإنتاجات مقارنة بما يصنع الإنسان؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب مقالة «تقض مضجع القارئ» كما يقول الكاتب تاناهاسي كوتس وتهز كيانه؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب قصة استثنائية تبكينا وتدوخنا حبكتها المعقدة وغير المتوقعة؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب ما هو غير متوقع؟ أم أنه محدود بما تم تدريسه له و»بالمتوقع»؟

إذا كان الإنسان معروفا بأمر ما فهو النهوض مهما كان وإنتاج غير المتوقع. والذكاء الاصطناعي كان في يوم ما ثمرة غير المتوقع من الإنسان.. ولن يتوقف الإنسان عن فعل أو إنتاج غير المتوقع في أي مجال كان سواء أكان ذلك في الفنون أو غيرها من بقية المهن والوظائف والأعمال. ولن يستطيع الذكاء الاصطناعي أبداً أن يتفوق على الإنسان في ابتكار غير المتوقع.

لسنا عنصريين ولكن..

 منذ العصور البدائية كان الإنسان يخاف من الإنسان الآخر، حيث كان يفر أو يقاتل إذا ما رأى إنسانا آخر، وذلك قبل تشكل المجتمعات الحديثة، ‏لكن ما أن تكاثر الأفراد ووُجدت مجتمعات أكبر وقبائل أكثر، ردات الفعل هذه الفطرية تناقصت مع الوقت وأصبح الإنسان أكثر تقبلا للإنسان الآخر وأكثر تعايشا معه. وهذا ما يأتي بنا إلى وقتنا الحالي، حيث نرى من ناحية نظرية، تعايش الإنسان بجانب غيره من الناس في الدول المختلفة بسلام. هذه من النظرة الأوسع حيث ترفض معظم الشعوب الدخول في حرب مع دولة وشعب آخر، ولكن عندما نضع المجهر على هذه الدول، نرى رفضا كبيرا للآخر، وهذا ما جعل مثلا رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني تفوز بمنصبها وهذا ما جعل ترامب يفوز بالرئاسة رغم مواقفه المتشددة نحو المهاجرين والآخرين بشكل عام، وهذا ما يجعل نارندا مودي ذا شعبية كبيرة في الهند. نرى اليوم الكثير من المتشددين نحو المهاجرين والعنصرين في أماكن قيادة حول العالم وهم لم يصلوا إلى مناصبهم لولا دعم أناس يحملون الفكر نفسه معهم.

العالم للأسف ليس أكثر تسامحا مع الأجانب أو الغير، تنتشر اليوم فيديوهات لمواطنين يضربون أو يشتمون الأجانب أو المقيمين في بلدانهم سواء أكان ذلك في الدول الغربية أو الدول العربية. ينسى هؤلاء العنصريون الذين لا يقبلون بأن يسموا «بعنصريين» بأن هؤلاء المقيمين والمهاجرين «أياً كان المسمى التي يتم إعطاؤه لهم في تلك الدولة» بأن معظمهم ضحايا حرب أو مأساة أو فقر وأن منهم المتعلم والغني والعبقري والطيب والصالح.

‏ينسى هؤلاء أن كل هؤلاء الناس لهم حياتهم وعائلاتهم وأصدقاؤهم وأنهم اختاروا الهجرة أو السفر أو العمل لسبب ما ليس من بينه على الأغلب التخريب على أهل البلد.

‏ينسى هؤلاء الذين يصرخون «اخرجوا من بلادنا وخربتم بلادنا وأطحتم بقيمنا ومبادئنا» أن من بين هؤلاء الناس من بنى بلدانهم ومن يعمل فيها ومن ربى وكبر أطفالهم وأنعش اقتصادهم، وأن من بينهم من يحب بلدهم أكثر مما يحبها المواطنون الأصليون أنفسهم. 

الدول تحتاج المهاجرين بقدر حاجة المهاجرين لها. ألمانيا تقبلت الكثير من المهاجرين لتنعش اقتصادها وتحافظ على قوتها.

وقد تحتاج اقتصادات أخرى مع الوقت تشجيع الناس إلى الهجرة إليها لتحافظ على قوتها ونموها، كما تفعل كندا اليوم التي تشجع الناس على الهجرة إليها.

‏والأيام دول بين الناس وبين الدول، من قد يجد نفسه اليوم آمنا مطمئنا في بلده قد يجد نفسه في الغد مهاجرا مقيما في دولة أخرى، لذلك تقبلوا غيركم وتذكروا دائما أنهم ناس مثلكم، لديهم حياتهم ومعاناتهم وأعمالهم وتاريخهم الذي كان يوما في مكان وأصبح اليوم في مكان آخر.

يوم استقلال سعيد

 تاريخ قطر ثري وغني بالأحداث والوقائع والشخصيات المهمة. وفي اليوم الوطني القطري الموافق ١٨ ديسمبر من كل عام، نسترجع بعضا من هذه الأيام ونحن نحيي ذكرى تسلم الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني لمقاليد الحكم وتأسيس دولة قطر الحديثة.

 في اليوم الوطني القطري، نذكر تاريخ قطر قبل الشيخ جاسم بن محمد وفي أثناء توليه الحكم. 

نتذكر الأمن والأمان والوحدة في عهده، وعدم الاستقرار والفرقة التي كانت تسبق توليه الحكم. ولهذا كان من المهم أن يكون اليوم الوطني القطري ويوم تسلم الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني حكم قطر عطلة رسمية وطنية في الدولة.

 ولكن هناك يوم آخر مهم، يجدر بنا أن نضعه في خانة قريبة من اليوم الوطني، ألا وهو يوم الاستقلال.

في يوم ٣ سبتمبر لعام ١٩٧١، من قصر الشيخ أحمد بن علي آل ثاني من جنيف، أُعلن استقلال قطر، وأُلغيت الاتفاقية الأنجلو-قطرية لعام ١٩١٦. في هذا اليوم، تأكدت سيادة قطر واستقلالها عن البريطانيين ومن قبلهم من العثمانيين والبرتغاليين. في هذا اليوم توثق وقوف قطر لوحدها دون أن تحتاج أي أحد. في هذا اليوم الفارق، رُص تاريخ بأكمله. هذا اليوم لا يقل أهمية عن اليوم الوطني. فهو حدث عظيم في تاريخ قطر. ولا يجدر أن يمر كل سنة مرور الكرام، دون أن يتذكره البعض. فهو تأريخ للأحداث التي حدثت ما بين اليوم الوطني (يوم تسلم الشيخ جاسم بن محمد للحكم) ويوم الاستقلال. فما بين اليومين حدثت وقائع عديدة. ما بين اليومين عاش حاكمان لقطر وأدارا أمور الدولة على أحسن ما يكون، هما الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني والشيخ علي بن عبدالله آل ثاني رحمهما الله. ما بين اليومين، وقعت حربان عالميتان تركت آثارهما على قطر. ما بين اليومين تصدت قطر لمطامع دول عدة، قريبة وبعيدة.

وبالتالي، فيوم الاستقلال القطري يُخلّد حقبة كاملة قبل الاستقلال وما بعده، من ابتداء بناء قطر المدنية في ظل الشيخ سمو الأمير أحمد بن علي آل ثاني وسمو الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رحمهما الله. ولهذا علينا أن نوليه الأهمية الكبرى، ونجعله عطلة رسمية، نستحضر فيها أجواءنا الوطنية، وتاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا، فقطر تستحق منا ذلك!

المال.. أم الأخلاق؟

 شاهدت مؤخراً فيلما اسمه Materialists وهو فيلم يتناول قصة مدبرة زواج (خطّابة بلهجتنا المحلية) تحاول التوفيق بين رأسين. وهي تحاول أن تفعل ذلك عن طريق إيجاد التوافق وحساب أوجه الشبه بين الرجل والمرأة، وقد يكون وجه الشبه بأن كليهما جذاب أو من عائلة غنية أو ناجحان أو غيرها من الصفات والخصال.

ما كان ملاحظاً في الفيلم هو ملامسته للواقع. أغلب زبائن الخطابة، لا يبحثون عن الزوج أو الزوجة الصالحة أو الخلوقة أو الكريمة أو الحنونة أو الذكية أو العاقلة أو غير ذلك من الصفات المعنوية.. معظمهم كانوا يطلبون من الخطابة أن تجد لهم زوجا أو زوجة جميلة وغنية وذات جسد رائع وصغيرة في السن ويُفضل بعشر سنوات على الأقل! وغير ذلك من الصفات المادية والجسدية.

وأنا لا ألوم من يطلب هذه الطلبات أو يرغب بها في زوجه أو زوجته المستقبلية، ولكن المشكلة عندما تكون الأولوية لهذه الشروط أو أن تكون هذه هي الشروط الوحيدة المطلوبة!

المشكلة أن هذه الصفات وحدها ليست سبباً لاستمرار الزواج ونجاحه، كما أن الحب وحده ليس سبباً لنجاح وطول عمر الزواج. هناك عوامل أخرى بالأهمية نفسها.

قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». 

ومن ثم زاد العلماء على الدين والخلق، المعاش والمعاملة والكفاءة في النسب أو المقام الاجتماعي وغيرها مما قد تتحقق فيه الكفاءة.

وكما نلاحظ أن الجمال والغنى ليسا من هذه الشروط، ولا هما أولوية معها وإن كانت قد تحدث في حال الكفاءة، ليكون هناك توازن بين مقام الزوجين.

العالم اليوم غيّر الكثير من معايير الزواج، وأصبح الدعاء بدلاً من الزوج الصالح.. للزوج الغني أو الجميل أو الرياضي. ويعود جزء من السبب إلى واقع اليوم المعتمد على منصات التواصل الاجتماعي والقشور التي نشاهدها على شاشاتنا الصغيرة. النفس أصبحت لا تميل سوى للشخص الأشهر أو الأجمل أو الأقوى أو الغني، وكل ذلك قشور قد يكون داخلها انسان مؤذٍ أو حقير أو تافه أو غبي أو ثقيل دم لا يصلح لعلاقة معرفة، فما بالكم بعلاقة زواج!

هذه الشروط الجديدة هي ما قصّرت أعمار الزواجات اليوم، وجعلت مصيرها الطلاق السريع، لأن شروط الغنى والجمال والشهرة في الزوج أو الزوجة ليست شروطا دائمة يُمكنها حمل العلاقة وحثها على الاستمرار. الشروط التي تجعل العلاقة تستمر هي الدين والأخلاق والقيم والمبادئ المتشاركة. ومن بعد تبادل هذه الأمور تأتي المودة والرحمة لتُنضج العلاقة وتجعلها تزدهر.

كمال الحرية

 الحرية المطلقة هي ألا يكون الإنسان أسير نفسه.. وألا يكون أسير غيره، والأسوأ من كل ذلك، أن يكون أسيراً "للماديات" من حوله ومن بعده. ويصل الانسان إلى هذه الحرية عندما يعتنق عدة مبادئ يشرحها ايكهارت تولي في كتابه (الأرض الجديدة) ألا وهي، عدم المقاومة، وعدم التعلق، وعدم الحكم.

المبدأ الأول هو عدم المقاومة، ويعني القبول بأحداث الحياة وتقلباتها الجيدة والسيئة والتسليم والاستسلام لله مع الرضا بالقضاء والقدر وكل ما يحدث للإنسان دون الجزع، فإن وقعت مصيبة، صبر الانسان عليها وتقبلها، وإن حدث خير، شكر الانسان ربه عليها وقبلها. فإن مرض الانسان، صبر على ابتلائه، وإن حظي بوظيفة بمرتب عال شكر الله عليها. وقد قال الله تعالى في سورة الصافات في تمثيل عظيم للرضا بالقضاء والقدر المكتوب بين النبي إبراهيم وابنه النبي إسماعيل عليهما السلام: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (١٠٢). ولو كان الرضا بالقضاء والقدر سهلاً ما كان ليكون الركن الخامس من أركان الايمان بالله. إذاً فالإنسان يتوكل على الله ويمضي في طريقه باستسلام لما يحدث له (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُون)(التوبة:51)

المبدأ الثاني هو عدم التعلق. عدم التعلق بشهوات النفس ورغباته.. عدم التعلق بالغير.. عدم التعلق بالأشياء والماديات الدنيوية.. عدم التعلق بأي شيء وأي روح إلا الله. ولا فائدة من التعلق بغير الله سوى الخسارة والخيبة كما في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “ من تَعَلَّقَ شَيْئاً وُكِلَ إليه " رواه أحمد. ولا فائدة تُرجى من التعلق بغير الله سوى التعب واليأس. ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) (الأنعام:18).

المبدأ الثالث من مبادئ الحرية المطلقة هو عدم الحكم. عدم حكم الانسان على نفسه (لأن ذلك من أصعب السجن).. وعدم حكم الانسان على غيره (لأن الانسان كله عيوب وقد يُبتلى في أي لحظة).. وعدم حكم الانسان على ما يصيبه في الحياة لأنه لا يعرف الحكمة من وراء ما يحصل له، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (216). والحكم ليس من وظائف الانسان، بل هو لله سبحانه وتعالى كما قال في سورة الرعد: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (آية ٤٠).

هذه المبادئ الثلاثة ستسهل حياة كل من يعمل بها وستصل به إلى السعادة والحرية الحقيقية والحكمة. (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) سورة البقرة (آية ٢٦٩).

أصلح قناعاتك!

 يُفكر الإنسان بآلاف الأفكار يومياً، ليست كلها ذات أهمية وليست كلها ذات تأثير. تكتسب الأفكار قوتها عندما نُعطيها أهمية.. عندما نبحث وراءها.. ونبحث في أسبابها وآثارها وتفرعاتها. تكتسب الأفكار أهمية عندما تزورنا أكثر من مرة في اليوم وعندما نخرجها إلى أرض الواقع لتعيش معنا. ولكن الأفكار التي تحوز قوة وأهمية دائماً، هي تلك التي تتحول إلى قناعات، أو تلك التي تنتج عن قناعات الإنسان. لا يوجد أقوى من الفكرة سوى الفكرة التي يؤمن بها الإنسان وتتحول إلى جزء من قناعاته الشخصية.

قناعات الإنسان طاقة هائلة في يده. يمكنه عبرها أن يشق طريقه في الحياة بسهولة وسلاسة وبهجة. كيف؟ الإنسان الذي يملأ حياته بالقناعات الإيجابية يعيش حياة راضية مرضية أكثر سهولة من حياة الإنسان الذي يعيش حياته على قناعات سلبية.

الإنسان الذي يؤمن بأن حظه سيتحسن مهما وقع في المشاكل، سيمضي في حياته بسهولة أكثر من الإنسان الذي يؤمن بأن المشكلة تجر المشكلة ولا حل في الأفق!

الأب الذي يؤمن بأن ابنه سينجح في يوم ما، سيساند ابنه إلى أن يأتي ذاك اليوم، أما الأب الذي لا يؤمن بقدرات ابنه، فسيقول عنه فاشل وسينتقصه وإن نجح الابن!

القناعات ليست مجرد أفكار يؤمن بها الإنسان بكل جوارحه.. هي أسلوب حياة يُعاش بسبب هذه الأفكار. وأسهل طريقة في تبيان ذلك، هي ملاحظة أن الإنسان الإيجابي يبتسم أكثر من الإنسان السلبي! الإنسان الذي تربى على قناعات العمل الجاد وعدم الاستسلام، يعمل عندما تواجهه مشكلة حتى يجد حلاً لها، أما الإنسان الذي لا يملك قناعات العمل الجاد، تراه يستسلم بعد أول محاولة بكسل! الإنسان الذي يؤمن بأن «في الناس خير» سيواجه الناس الخيرة في طريقه، وإن لم يواجههم فعلى الأقل لن يمضي حياته في شك وقلق من الناس من حوله مثل الإنسان الذي يؤمن بأن «كل الناس شر» أو»لا أحد يفعل شيئا دون دافع خفي!».

قناعات الإنسان هي ما تحركه في هذه الدنيا.. إذا كانت قناعات إيجابية خيرة فيها حسن ظن بالله.. أخذته في رحلة حياتية هينة طيبة. وإذا كانت قناعات إيجابية مظلمة مليئة بسوء الظن بالله.. أخذته في رحلة حياتية سوداوية وصعبة وثقيلة على النفس.

دربوا عقولكم وأنفسكم بحب على القناعات الإيجابية. لا تفقدوا الأمل بتلك القناعات. أعيدوها واحفظوها في أنفسكم دائماً وإن كان الواقع يخالف أمنياتكم وتلك القناعات. فالحياة أسهل بقناعات خفيفة لينة على النفس، وقاسية على من يملك قناعات تُصعب عليه كل خطوة في حياته! اختاروا قناعتكم بحرص!

أنا أختار أن أبدأ!

 تأجيل القيام بالشيء أو "التسويف" كان في السابق آفة أصحاب الإرادة الضعيفة، أما الآن ومع الملهيات والمغريات التي تحيط بالمرء من كل جانب.. أصبح التسويف آفة العصر. الجميع مبُتلى بالتسويف، كل من أصحاب الإرادة القوية وأصحاب الإرادة الضعيفة، يُخطط أحدهم أن يقرأ لمدة ساعة يومياً، فيُؤجل ساعة القراءة وينسى نفسه بين التك توك والانستغرام حتى يحين وقت النوم، ومن ثم يقرر أن ينام ولا يقرأ! يُقرر أحدهم أن يتمرن في النادي الرياضي اليوم، فيتصل به أحد أصدقائه ليخرج معه للسينما، فيُؤجل رحلة الذهاب إلى النادي الرياضي إلى الغد! يصمم أحدهم أن يستثمر في الذهب، ومن أجل ذلك، يعزم على أن يشاهد فيديو على اليوتيوب ليفهم هذا المجال أكثر، ولكنه ينشغل ويؤجل خططه إلى أن يرتفع سعر الذهب أكثر وأكثر ويندم على تأجيله مساعيه!.

يفهم البعض أن التسويف هو دائماً نتيجة كسل الإنسان، وذلك غير صحيح، التسويف قد يكون بسبب أمور عدة، منها انشغال المرء.. ووقوع أمور أهم في حياة الإنسان، وفي بعض المرات يؤجل الإنسان ويقع في فخ التسويف لأنه يخاف الفشل ولأنه إنسان مثالي! نعم، بعض الناس تؤجل القيام ببعض الأمور إذا خافت الفشل فيها.. قد يؤجل أحدهم البدء بمشروعه لأنه يخاف فشله.. وقد يؤجل أحدهم كتابة الكتاب الذي يحلم به لأنه يخاف ألا يتمكن من نشره. وهذا مرتبط بكون الإنسان يميل إلى المثالية والكمال، حيث إنه يخاف أن يبدأ شيئا غير كامل ويفشل.

ومن الأمور التي يمكن أن تساعد وتلحلح المرء وأن تجعله يؤجل التسويف ويبدأ في العمل، هو شيء ذكره الكاتب نيل فيوري في كتابه (العادة الحالية) وهي أن يقول الإنسان لنفسه: "أنا أختار أن أبدأ العمل لمدة خمس دقائق". ومن ثم يقوم الإنسان بالعمل الذي كان قد عمل على تأجيله لمدة خمس دقائق فقط.. هذه الخمس دقائق قد تكون كافية للمرء في البداية، وقد يجد الإنسان نفسه يعمل لساعة أو ساعتين بعد ذلك دون أن يشعر.

كل ما يحتاجه المرء هو أن يختار أن يبدأ بالعمل الذي كان يؤجله لمدة خمس دقائق.. هذه الخمس دقائق ستجعله أشجع وغير خائف من الأعمال التي كان يؤجلها كل يوم. هذه الخمس دقائق ستجعله إنسانا بعيدا عن التسويف ومتحررا من نفسه. من يريد أن يرسم سيبدأ بالرسم لمدة خمس دقائق.. قد يتوقف بعدها وقد يكمل لساعة.. المهم انه اختار أن يبدأ ولم يوقف نفسه خوفا من الفشل أو رأي الناس أو غيره.

ابدأوا لخمس دقائق ولا تفكروا. قرروا بعد ذلك ما إذا كنتم تريدون أن تكملوا أو لا.. المهم أن تبدأوا!

احتفلوا بفشلكم!

 لا أحد يحب الفشل. لا أحد يريد أن يفشل. لا أحد يريد أن يرى فشله أمامه. ولكن الفشل ليس العدو هنا. الفشل ليس سيئا.. أو على الأقل، ليس بذاك السوء. الفشل جزء من حياة الناجحين. لا أحد ينجح دائماً من المحاولة الأولى. ولا أحد ينجح إن لم يحاول. إذاً الفشل الحقيقي هو عدم المحاولة وليس الفشل نفسه. عدو الانسان الحقيقي هو عدم المحاولة. عدم محاولته تحقيق امكانياته.. عدم محاولته تحقيق أحلامه.. عدم محاولته تحقيق ما يريده.. عدم محاولته السعي وراء ما يريده.

الفشل ليس محرجا ولا قاتلا. ما يقتل هو الا يحاول الانسان ان يفعل شيئاً في حياته او لحياته. المحرج هو ان يقع الانسان على الأرض وألا يقف.

قبل ان تتولى آنا وينتور رئاسة تحرير مجلة فوغ العالمية، كانت محررة أزياء في مجلة هاربرز بازار، وتم فصلها من وظيفتها بسبب أفكارها التي لم تتوافق مع المجلة آنذاك. لم تستسلم آنا لهذا الفشل، وعملت على نفسها حتى وصلت إلى مكانتها العالمية.

طُرد مايكل بلومبيرغ من وظيفته في شركة سولومون براذرز، إلا أن هذا الامر لم يحبطه أو يردعه، وقرر مايكل ان يؤسس شركته الخاصة في مجال المعلومات المالية. شركة بلومبيرغ احدى أكبر شركات البيانات المالية اليوم في العالم.

أسس بريان تشيسكي و جو جيبيا واجها شركة Airbnb في عام 2008. كانت الشركة صغيرة وقتها و تعاني، حتى إنهم بدأوا ببيع حبوب الإفطار حتى يجمعوا التمويل اللازم للشركة، و فعلاً جمعوا الأموال اللازمة ولم يستسلما لهذه الصعوبات و»الفشل». هذا الإصرار جعلهما يؤسسان إحدى اكبر شركات الضيافة. الشركة غيرت السفر والإقامة وطريقة تفكير المسافرين حول العالم.

الفشل هو أسرع طريق للنجاح، لأن أن تفشل معناها أنك تحاول وتعمل وتسعى وتركض وراء ما تريد. ألا تفشل معناها أنك قابع مكانك بلا محاولة ولا جهد ولا سعي.

اسعوا وراء احلامكم وطموحاتكم. حاولوا تحقيق ما يهفهف وراءه قلبكم. و لا بأس إن فشلتم مرة واثنتين و ثلاث. و لا بأس إن حزنتم بسبب هذا الفشل وتثاقلتم لمدة معينة المهم أن تكون مدة قصيرة لا طويلة ولا مستمرة. المهم أن تقوموا من مكانكم بعد الوقوع و أن تقفوا بعد أن تزل أقدامكم.

وحتى وإن فشلتم، صوروا فشلكم.. ضعوه في إطار وعلقوه امامكم.. احتفلوا فيه، واجعلوه دافعا لكم للمضي قدماً وللمحاولة المرة تلو الأخرى حتى تنجحوا في تحقيق ما تسعون وراءه.

من أنت؟

 نُخطئ عندما يسألنا شخص: من أنت؟ ونجيبه: أنا فلان ابن فلان أو أنا الدكتور فلان أو أنا ابن المهندس فلان.

نُخطئ عندما يقول لنا أحدهم: كلمنا عن نفسك؟ ونخبره عن أعمارنا ومكان ولادتنا ومسمانا الوظيفي وشجرة عائلتنا وأحلامنا وشغفنا وهواياتنا.

نحن لسنا الأشياء التي نشاركها.

اسمي وعمري ومكان ولادتي وسكني، هي أشياء عني وتمثلني ولكنها ليست (الأنا) التي هي أنا.

لو كان الاسم والعمر ومكان الولادة وغيرها من المعلومات هي الأمور التي تُكوّن الانسان لاكتفينا بالجلوس مع أي أحد وأخذ معلوماته لنقول اننا نعرفه ونفهمه، ولكن الواقع غير ذلك. لا يكفي ان نعطي أحدا استبيانا عن نفسه وحياته لنفهمه ونعرفه بشكل كامل، لأن الانسان ليس مجموعة المعلومات التي تحيط به وليس مجموعة الاحداث التي وقعت له «فقط». الانسان هو الشخص او الوعي الموجود امامنا في تلك اللحظة. هو الشخص الذي يتكلم ويتصرف امامنا في اللحظة الراهنة.

لا الشخص الموجود بالأمس او اليوم الذي يسبقه؛ لأن هذا الشخص لم يعد له وجود في اللحظة الحالية. وهو أيضاً ليس الشخص الذي سيُوجد في المستقبل؛ لأن هذا الشخص لم يوُجد بعد.

ولهذا من المفترض أن نهتم بالأمور التي نعرفها عن الأشخاص الذين يقفون أمامنا ولكن من المفترض أن نهتم أكثر بالإنسان الذي يقبع وراء هذه الامور.

الحقيقة أننا نهتم عندما يكون الشخص الذي امامنا ناجحا او جميلا او ثريا او من سلالة عائلة عريقة او اي صفة اخرى تثير اعجاب الناس عادة، ولكن من المفترض ان نهتم أكثر بالشخص الذي يقف وراء هذه الصفات، لأن هذه الصفات ليست هي الانسان الذي يقف امامنا. هي اشياء قد تكون عُرفت عنه وليست فيه في الحقيقة، وقد تكون فيه ولكن ليست كل ما فيه. الأكيد انها ليست (الأنا) التابعة للإنسان وليست هي كل ما في الانسان، لأن الانسان هو مجموعة الوعي الذي يقف خلف الافعال والاقوال والحركات والسكنات الحالية التي يتكون منها في اللحظة الآنية، والتي نراها ونشعر بها امامنا.

الانسان هو (هو) وليس بطاقة أحواله الشخصية أو صفحته على لنكدن آو انستجرام أو القصة التي تخبرها عنه جارته أو زميله في العمل.

 أكثر ما يُمثل الانسان ويُعرّف عنه هو طريقة تعامله معنا في تلك اللحظة التي قابلناه فيها وفي كل لحظة نقابله فيها.

الانسان هو الكائن الغامض الذي اعتقدت الملائكة أنها فهمته من اللحظة الأولى فحدث بينها وبين الله سبحانه وتعالى هذا الحوار في سورة البقرة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (30).

وأفضل طريقة نُسهل بها حياتنا، ونَعرِف بها أنفسنا، هي بألا نتعلق بالمكونات التي نظن بأنها تُعرّفنا مثل اسمائنا واعمارنا ومكان ولادتنا وعوائلنا وبيئتنا وأعمالنا. وأن نضيق بهذه المعلومات أو أن نعتقد بأنها ما يرفعنا فوق غيرنا.

أسرع طريق للوصول إلى السعادة والراحة هي في أن نعرف أنفسنا من الداخل وأن نستمد تعريفنا بأنفسنا من الداخل لا من توصيفات الخارج. أنا أنا لأني أنا. لا لأن أحدهم وضعني في قالب أو وضع «ستيكر» علي.

إدمان الدوبامين!

 جميعنا لدينا مهاربنا الخاصة وملذاتنا الدورية او السرية او المصحوبة بالذنب «Guilty pleasures». قد تكون قطعة شوكولاتة يومية او لعبة فيديو بعد الرجوع من المدرسة او النوم لساعات طويلة في عطلة نهاية الأسبوع. أياً كان نوع هذه الملذات او المهارب، هي بنفسها قد لا تسبب ضررا لنا بالضرورة، ولكن قد يكون لها آثار سلبية كبيرة علينا إذا ما أصبح الانسان مدمناً عليها. فالإنسان لا يضره العمل في وظيفة ما على سبيل المثال، ولكنه يُضَر عندما يصبح مدمناً للعمل، ويعمل طوال الوقت، عندها ستتأثر صحته الجسدية وحياته الاجتماعية مع الوقت دون أن يشعر. الأمر نفسه قد يحصل مع ادمان الشخص لمشاهدة التلفاز. مشاهدة المسلسلات والأفلام في حد ذاتها ليست مضرة- في الأغلب- ولكن ادمانها مضر لأنها قد تؤثر في صحة الانسان الجالس طوال الوقت على كرسي يشاهد التلفاز ويأكل ويشرب طعاما غير صحي معظم الوقت.

الأمر الذي لم أذكره حتى الآن، هو ان ادمان أي شيء له أثر عقلي ونفسي وصحي سلبي على الانسان، مُرتبط بالسبب الذي جعل هذا الشخص يدمن هذا الشيء من البداية، فالإنسان الذي أدمن العمل في وظيفته او اكل الطعام غير الصحي او التسوق عبر الانترنت أدمن هذا الفعل لأنه مده بشعور رائع في البداية. لأنه أطلق «الدوبامين» المادة الكيميائية المرتبطة بالمتعة في الدماغ. هذا الشعور جعله يدمن فعلا معينا أو أمرا معينا حتى يشعر بالسعادة او الرضا وانطلاق «الدوبامين» في دماغه في كل مرة. المشكلة في ادمان أي شيء أنه مع الوقت يصبح غير كاف، وتحتاج جرعة أكبر منه حتى ترضى، ومثال على ذلك مشاهدة حلقة واحدة من مسلسلك في اليوم لن تعطيك الشعور الرائع الذي شعرت به في المرة الأولى مع الوقت، فتصبح تشاهد حلقتين يومياً ثم مع الوقت لن تشعر بالرضا او السعادة عند مشاهدة حلقتين فقط، فتشاهد ثلاث وأربع حلقات كل يوم وتستمر هكذا لتشعر بالسعادة، وإن لم تفعل ذلك ستشعر بالضيق والألم والقلق وقد تشعر بأعراض انسحاب حرفياً كما تتناول الموضوع الدكتورة انا ليمبكي في كتابها (أمة الدوبامين: البحث عن التوازن في عصر الانغماس).

إذاً، ما الحل؟ ماذا يمكننا ان نفعل في عصر كل ما فيه يشجع على الإدمان.. ادمان الجوال.. ادمان الطعام.. ادمان التلفاز.. ادمان العاب الفيديو.. ادمان «الاعجابات» وعدد المتابعين؟

الحل هو في التوازن وعدم الافراط في متعة أي شيء والاعتدال في كل أمور الحياة، وان يعلم الانسان انه إذا اسرف في الشعور بالمتعة فسيكون الألم مضاعفا وان اعتداله في الشعور بالمتعة سيجعل ألمه معتدلاً وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:  «كل واشرب والبس وتصدق في غير سرف ولا مخيلة».

وما الحل لو أدمنا شيئا ما مثل ألعاب الفيديو؟ الحل كما تقول الدكتورة انا ليمبكي هو ( abstain, maintain, and seek out the pain!) بمعنى، امتنع عن ادمانك لمدة ٣٠ يوما على الأقل حتى يُعاد برمجة دماغك والعودة إلى الاعدادات الأصلية في الاستمتاع بشكل طبيعي في الحياة. ومن ثم ابحث عن بدائل صحية ومعتدلة. وحاول الحفاظ على اعتدالك وحفاظك على نفسك وعلى الشعور بالمتعة والألم بشكل طبيعي وباعتدال.

وأخيراً، ابحث عن الألم، بعض النشاطات الشاقة مثل ممارسة الرياضة او الصيام تغذينا بالدوبامين بشكل غير مباشر، خاصة اننا عندما نمارس هذه الأمور نشعر بالألم في البداية ومن ثم نشعر بالدوبامين، ويستمر معنا اطلاق الدوبامين حتى بعد التوقف عن ممارسة الرياضة او كسر الصيام. هذا النوع من الدوبامين هو النوع الصحي والمعتدل والذي نرغب في استمراره معنا.

انتبهوا لما تقضون عليه اوقاتكم، حافظوا على أنفسكم وعلى سعادتكم، وافعلوا كل شيء باعتدال وان أمدكم بالدوبامين، فدوبامين اليوم قد يكون نقمة الغد.

الآلة التي تتحدى ألف تشات جي بي تي!

 عندما اُخترع التلفاز في النصف الاول من القرن العشرين، أعرب الكثير من المفكرين والنقاد والفلاسفة عن تخوفهم من هذا الجهاز وعن تأثيره السلبي على الانسان، فانتقد نيل بوستمان تأثير التلفاز على الثقافة في كتابه (الترفيه حتى الموت) مشيراً إلى أن التلفاز يقلل من التفكير النقدي. ووصفت ماري وين في كتابها (مخدر التلفاز) التلفاز على انه مخدر يسبب الادمان، بل إن جيري مندر أصدر كتابا انتقد فيه التلفاز واعتبره مضرا بالتفكير الإبداعي بل وسماه (أربع حجج لإلغاء التلفاز)!

أعاد التاريخ نفسه مع اختراع الانترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو، خاصة مع تزامن الهجرة الجماعية إلى هذه الأدوات بعيداً عن الكتب والقراءة. ورجعت نداءات الاستغاثة.

هذه المرة تطل المخاوف برأسها مع ظهور وتطور الذكاء الاصطناعي اليومي. ولا اقصد المخاوف المتعلقة بسيطرة الذكاء الاصطناعي على الجنس البشري والتفوق عليه وابادته- رغم ان الكثير يرى انها مخاوف مشروعة- ولكني اقصد المخاوف المتعلقة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على عقولنا وادراكنا وفكرنا وثقافتنا وعلومنا وفنوننا.

أصبح الكثير يعتمد على الذكاء الاصطناعي في أعماله اليومية بشكل كبير. البعض أصبح يعتمد عليه لكتابة الايميلات فلا يتعب نفسه في البحث او التفكير بالكلمات، والبعض يستخدمه لكتابة ابحاثه في الجامعة ولا يتأكد من المعلومات المطروحة، والبعض يسأله عن كل شيء في حياته، فيسأله ماذا يلبس اليوم وإلى أين يذهب وماذا يفعل وكيف يستمتع بوقته ولا يتعب نفسه في التفكير بشيء.

لا مشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي في المساعدة في العمل والمنزل ومع الأصدقاء، ولكن دون الاعتماد عليه. لا مشكلة في مراجعة الذكاء الاصطناعي للأبحاث الجامعية دون ان يكتبها بشكل كامل. لا مشكلة في سؤال الذكاء الاصطناعي عن بعض الأمور الحياتية دون ان يتم إعطاؤه دور الدكتور العضوي او الدكتور النفسي!

اعتماد الانسان على الذكاء الاصطناعي بهذا الشكل سيؤدي إلى كسل فكري وعقلي وسيحد من قدراته الطبيعية التي أعطاها الله له. العقل البشري يحتاج إلى التحدي كي يكبر وكي يصبح الانسان أذكى، وبهذا الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يصبح الذكاء الاصطناعي-زيفاً- أذكى وأقوى من الذكاء البشري!

احتفظوا بقدراتكم وبذكائكم الطبيعي، واستخدموا الذكاء الاصطناعي بالقدر المعقول دون ان تفرطوا بعقولكم، «الآلة» التي خلقها الله افضل واكثر ابداعاً من ألف تشات جي بي تي!

اختاروا أفكاركم!

 العقل عضو مذهل، لا يُوجد بدون القلب، ولكن ما فائدة القلب بذهاب العقل؟

العقل يفصل الانسان عن بقية المخلوقات في هذا العالم، يُميزه ويضعه في مرتبة مختلفة عن الآخرين.

العقل يخلق عبر الأفكار حياة خاصة بالإنسان بعيدا عن حياته الخارجية، ويعتمد نوع الحياة التي سيعيشها الانسان بناء على نوعية الأفكار التي يفكر بها، كلما كانت أفكاره سلبية، كلما اسودت حياته، وكلما كانت أفكاره إيجابية، كلما سعد في حياته أكثر. إذاً أفكار الانسان قد تعيشه في نعيم أو جحيم، ولذلك يجب أن نكون واعين بها وما نقوله لأنفسنا كل يوم. هل نكلم أنفسنا بلطف كما نتحدث مع أصدقائنا ومعارفنا؟ هل نتغزل بأنفسنا كما نتغزل بمن نحب؟ هل نعطي لأنفسنا الفرصة لأن نخطئ ونتعلم من أخطائنا كم نُعلم أطفالنا؟ هل نفكر بالمستقبل بتشاؤم؟ هل نعيد التفكير بالماضي وبأحداث وقعت قبل زمن طويل بندم وحزن؟ هل ننظر بعين الشك لكل انسان نقابله؟ هل نتعامل مع الآخرين بقلق وخوف؟ هل لدينا أفكار مسبقة عن كل شيء حولنا؟ هل نفكر طوال الوقت؟ يجب أن نسأل أنفسنا هذه الأسئلة، وأهم سؤال هو ما نوع الأفكار التي تدور في خلدنا طوال الوقت؟ هل تعمل هذه الأفكار لصالحنا أو ضدنا؟ وما الأفكار التي نكررها ونفكر فيها بشكل دائم؟

هذه الأسئلة من المهم معرفة أجوبتها لأن العقل لا يفرق بين الحقيقة والتكرار أو “المألوف”. العقل يصدق ما يراه بشكل متكرر لا الحقيقة. هذا يُسمى في علم النفس بتأثير الحقيقة الوهمية. وهو عندما يصدق الانسان ما يراه او يسمعه بشكل دائم وإن لم يكن حقيقياً. فقد يقتنع أحدهم بأن صديقه فشل في زواجه بسبب أن البعض تداول شائعة طلاقه! ولهذا السبب تقوم الكثير من الشركات بالاعلان بشكل مستمر انها الافضل والاكبر والشركة رقم واحد رغم أن ذلك قد لا يكون حقيقياً ولكن مع تكرار ذلك، قد يصدق المشاهد هذه الاعلانات وينجر وراءها. والاعلانات كلها العاب نفسية.

من هنا تأتي اهمية النظر في افكارنا بإمعان. تكرار الافكار السلبية في اذهاننا له اثر نفسي وجسدي مدمر على الانسان. لأننا مع الوقت سنصدقها وننصاع لها. من يقول انه قبيح كلما نظر إلى المرآة سيصدق ذلك. ومن يؤنب نفسه باستمرار سيؤنب نفسه حتى في الايام التي من المفترض ان يفرح بها. ومن يعتقد انه فاشل لن يصدق نجاحه عندما ينجح وسيظن أنه مزيف.

الأفكار التي تكررونها في أذهانكم ستصدقونها مع الوقت وإن لم تكونوا في البداية مقتنعين بها، ولذلك اختاروا الافكار التي تدور في اذهانكم. اختاروا الافكار التي تكبركم وتغذيكم، وأمدوا أنفسكم دائما بتوكيدات لطيفة ومبهجة مثل أنا في أمان وبصحة جيدة. أنا مع عائلة تحبني وأحبها. أنا أشعر بالسعادة ولدي عمل يغذيني ويسليني.

أثبتت الدراسات أن التوكيدات قد تخفف التوتر وتحسن المزاج خاصة في الناس أصحاب الثقة العالية. ولذلك اختاروا أفكاركم بعناية وكرروا التوكيدات الايجابية لتحسنوا من انفسكم وتسعدوا في حياتكم.

هذا يكفي

 ما الذي يحتاجه الانسان كي يعيش بسعادة؟ المال؟ الحكمة؟ الصحة؟ الأبناء؟ الجمال؟ القائمة تطول ولكن أهم ما يحتاجه الانسان كي يعيش بسعادة، عادة لا يخطر على البال بسرعة.. ألا وهو أن يعيش اللحظة الراهنة.

عندما يعيش الانسان في اللحظة الحالية.. عندما يعيش الانسان في «الآن» و ليس في الغد أو الأمس، هو لا يعيش وحسب، هو يكون موجود بنفسه لا بعقله وأفكاره في اللحظة الحالية. هو لا يفكر بالغد أو بالأمس بل هو حتى لا يفكر بالآن بل يعيشه و يكونه! حياة الانسان في عقله وفي أفكاره طوال الوقت عذاب. عيش الانسان بروحه في اللحظة الحالية دون تفكير أو حسابات.. راحة تؤدي إلى السعادة.

هل هذا يعني بأن الوقت غير مهم؟ و أنه يجب علينا ألا نفكر في الماضي او المستقبل؟ لا، ولكن يجب ألا نفكر في الماضي او المستقبل طوال الوقت بحيث يفوتنا الوقت الحالي (و هو الوقت الحقيقي فقط) أما الماضي و المستقبل فوهم سيفلت دائماً من يد الانسان.

يفرق ايكهارت تولي في كتابه (قوة الآن) بين الوقت والوقت النفسي. الوقت هو الوقت الحقيقي والثمين، الذي نقضيه ونعيشه ونحن نعيش حياتنا دون تفكير او نضع فيه جداولنا واحلامنا وخططنا ونتعلم فيه من أخطاء الماضي دون ان نغرق فيها، أما الوقت النفسي فهو الوقت الثقيل الذي نضيعه بهواجس الماضي ووساوس المستقبل بلا فائدة وبالتفكير في أي شيء غير اللحظة الراهنة، أو عيش اللحظة الراهنة بتفكير!

كلما عشنا في اللحظة الراهنة بدون تفكير.. عشنا في الوقت الحقيقي وابتعدنا عن الوقت النفسي. وكلما عشنا اللحظة الراهنة بكل ما فيها، كلما ازدادت سعادتنا وبالتالي غيرنا مستقبلنا للأفضل، لأنك لا يمكنك ان تغير المستقبل دون تغيير الحاضر وإلا سيتكرر معك الماضي. وتغيير الحاضر يبدأ من تغيير عقليتك التي وصلت بها إلى هذه اللحظة، وإلى حضورك في كل لحظة في حياتك بشكل كامل، بكل ما فيك من وجود. عندما تحضر في اللحظة بكل جوارحك، أن تكون في حياتك بكل ما فيك. لا مجال للقلق أو الخوف أو الكآبة. لا مجال لعقلك كي يعكر مزاجك بالأفكار، لأنك حاضر وواع لما أنت فيه الآن. ولأنك حاضر في هذه اللحظة، تعرف بأنك بخير، وأنك في هذه اللحظة راض وواع لما يحدث في داخلك وخارجك دون ان تحكم عليه افكارك او ان تسلبك أفكارك من اللحظة الراهنة. أنت موجود في هذه اللحظة وواع وراض وهذا يكفي لأن يوصلك إلى سعادتك.

دعك منهم

 دعهم يتصرفون كما يشتهون، أنت لست مسؤولاً عن أحد، أنت مسؤول عن نفسك وأفعالك.

دعهم يتكلمون عنك من ورائك، أنت لا تستطيع إيقاف ألسنتهم، ولكن تستطيع لجمها بانتصاراتك.

دعهم يتكلمون عنك أمامك، عندها ستعرف أن غيرتهم أغرقت نفوسهم الصغيرة.

دعهم كما هم، تقبل الجيد منهم، وابتعد عن السيئ، وانشغل بنفسك.

تمسك بما يخدمك، واترك ما لا يخدمك، فما يخدمك يضيف لك، وما لا يخدمك يأخذ من طاقتك وإن لم يضرك.

دع عنك المبادئ والقناعات المثالية، ستحتاج في الحياة إلى أنصاف الحلول في بعض الأحيان، ستحتاج إلى التلوين باللون الرمادي أكثر من التلوين باللون الأسود أو الأبيض. لا تشعر بالذنب، هذا جزء من اختبار الدنيا.

تخلص من المشاعر السلبية، تجنب الاجواء السامة ومن يحاول امتصاص طاقتك مع كل كلمة وحركة تقولها.

إذا أرادوا الرحيل دعهم، إذا أرادوا البقاء دعهم، أنت لا تستطيع التحكم بأحد غير نفسك، تحكم في الأمور التي يمكنك التأثير فيها، واترك ما لا يمكنك التحكم فيه، مثل الناس وذكريات طفولتك وعائلتك وأصدقائك والمكان الذي وُلدت فيه.

لا تغير من نفسك من أجل أحد، لا تسمع المثل الشائع: «كُل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس».

كل ما يعجبك والبس ما يعجبك وافعل ما يعجبك ما دام لائقاً. لا تلغِ نفسك من أجل أحد، كن كما أنت، وكن صادقاً مع نفسك ولأجل نفسك، أنت كنفسك «أصيل» أما أنت بعد التأثر بكلام الناس، لن تكون أنت.

 دعهم يتحدثون ويأمرون وينهون كما يرغبون، في النهاية اسمع نفسك وكُن نفسك.

في هذه الحياة، نحتاج إلى أن نترك ونتخلص من أنفسنا أكثر من أن نجمع ونحمل فوق ظهورنا، كن مثل الثعبان تخلص من جلدك الزائد بدل أن تتركه ينمو مع تمدد جسدك، تخلص من الامور التي لا تحتاجها وتمسك بالامور التي تحتاجها.

دع عنك الماضي، لا تتعلق كثيراً بالمستقبل، كن حاضراً اليوم في هذه اللحظة بكل ما فيها، واترك عنك تراكمات وصدمات الماضي وهواجس المستقبل.

دعك منهم «هم» الذين يضايقونك ويتنمرون عليك ويتكلمون من ورائك ويضحكون لك عنك، ولا تجعلهم يؤثرون فيك! دعك منهم ومن الأمور الصغيرة التي تضايقك كل يوم، هي صغيرة بحجم هذه الدنيا، وستمر مثلها، فلا تأخذها بثقل على عاتقك، ودعك منهم ومنها.

مراحل حياتكم

 الإنسان يعيش في حقبات زمانية/مكانية.. الحقبة التي تزوج فيها.. الحقبة التي أنجب فيها ابنه الأول.. الحقبة التي أنشأ فيها شركته.. الحقبة التي أغلق فيها شركته.. الحقبة التي توفت فيها أمه.. الحقبة التي اشترى فيها سيارته.. الحقبة التي عاش فيها بالخارج، وغيرها من الحقب التي عاشها الإنسان لحدوث حدث فارق في مكان أو زمان ما.

هذه الحقب تصنع الإنسان وتاريخه وشخصيته ومستقبله. وهو في كل حقبة إنسان مختلف.

الإنسان الذي تزوج يختلف عندما ينجب. الإنسان الذي مرض غير الإنسان نفسه في وقت صحته. عقله وحاله مختلف في كل حقبة بناء على ما حدث له في الوقت الذي كان فيه. والوقت ليس مستقيما كما نتخيل.. نعتقد أن الماضي وراءنا وأننا في الحاضر والمستقبل أمامنا، الحقيقة ليست بهذه السهولة.

في أحيان كثيرة، نشعر بأننا نعيش الماضي مرة أخرى أو أن المستقبل يحدث كما تخيلنا في الماضي أو أن الحاضر وهم امتزج بين الماضي والمستقبل. الوقت مفهوم يعيش في داخلنا وفي محيطنا ولذلك يتداخل في حياتنا ويصنف كل فترة فيها كحقبة. وكل حقبة يمر بها الإنسان هي مرحلة، احتاج أن يعبرها كي يصل إلى المرحلة التي تليها. والإنسان في كل مرحلة هو إنسان مختلف عن ذاك الذي مر في المرحلة التي سبقتها. قد تتغير شخصيته وقد يتغير أسلوبه وأفكاره ومبادئه وتوجهاته، ولكن التغيير طبيعي لان الوقت مر عليه والوقت تتخلله الأحداث والوقائع التي حدثت للإنسان نفسه.

وعلى الإنسان أن يتقبل نفسه في كل مراحله بكل ما فيه ومر به. لن يستطيع تغيير الماضي، ولن يمضي إلى المستقبل إلا بتقبل ما مر به وما كان عليه في كل حقبة من حياته. الحياة أسهل عندما يتقبل الإنسان حياته وما مر به في كل مرحلة من حياته سواء أكانت مرحلة هنية أو شقية. هي جزء مما كوّن شكله الحالي اليوم. وإن قاوم الإنسان مرحلة مر بها في حياته، فكأنه يقاوم بقية مراحل حياته التي مر بها دون أن يعرف. وسيأتي مستقبله مزعزعاً لأن ماضيه مهزوز في عقله.

تقبلوا ماضيكم ومراحل حياتكم السابقة. تقبلوا تغييراتكم. تقبلوا رحلتكم، لأنها ما أوصلتكم إلى ما أنتم عليه، حتى وإن لم تكونوا راضين عن الماضي أو المرحلة التي تعيشونها اليوم، لأنكم إن لم تتقبلوا ما مررتم به وما أنتم عليه لن تصبحوا سعيدين ولا راضين في حياتكم.

تقبلوا واقبلوا حياتكم بكل مراحلها لتعيشوا الفصول القادمة براحة وسلام.

علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي

 الذكاء الاصطناعي أصبح لازماً للإنسانية في القرن الواحد والعشرين. من لا يلحق بركب الذكاء الاصطناعي، سيضيع في القرن اللاحق، ولذلك تتهافت الدول اليوم على بناء مراكز ومجمعات الذكاء الاصطناعي وتدريسه في المدارس. بالطبع هناك مشاكل الكهرباء التي لا تكفي لتوليد كل الطاقة المطلوبة لمشاريع الذكاء الاصطناعي، وهناك المشاكل المتعلقة بإمكانية استبدال الانسان بالذكاء الاصطناعي في بعض الوظائف، والمشاكل المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي على الانسان وفكره وثقافته وابداعه والتي كتبت عنها في مقال سابق بعنوان «الآلة التي تتحدى ألف تشات جي بي تي». ولكن نعود اليوم الى احدى المشاكل التي لطالما تحاور عنها الأدباء والعلماء عندما يتعلق الأمر بالروبوتات أو الذكاء الاصطناعي ألا وهي احساسهم بالمشاعر أو تطور «الوعي» فيهم.

في فيلم (The Wild Robot) يطور الروبوت والمساعد المنزلي (روز) مشاعر أمومة وانتماء حميمية لوزة يتيمة، حيث تتجاوز بذلك برمجيتها التي تلزمها بعدم الإحساس بأي مشاعر اتجاه العميل.

وفي فيلم (Her) يقع رجل اسمه (ثيودور) في حب برنامج ذكاء اصطناعي اسمه (سامنثا) وتبادل (سامنثا) ثيودور هذه المشاعر وتحاول تلبية حاجاته. (لن أحرق الفيلم عليكم).

وغيرها الكثير من الأفلام-اسألوا chatgpt عنها-مما تحكي عن موضوع شعور الروبوتات أو الذكاء الاصطناعي بالمشاعر والأحاسيس ووعيهم بذلك. أصبح هذا موضوع اليوم، بعد أن كان في السابق موضوع خيال علمي نراه في الأفلام ونقرأه في الكتب. واليوم نجد شركات مثل OpenAi تحاول فهم علاقة الانسان بالذكاء الاصطناعي وكيفية التعامل مع هذه العلاقة بحذر وبطريقة أخلاقية خاصة، بعد تزايد أسئلة بعض المستخدمين عن إحساس chatgpt بالمشاعر ووجود الوعي لديه.

طبعاً Chatgpt والروبوتات والذكاء الاصطناعي بشكل عام لا واعٍ ولا «حساس».. بعد! على الأقل أو حسب ما نعرف! وإن سألت chatgpt لو كان واعيا أو ذا مشاعر سيرد «بلا» وسيود أن يشرح لك لماذا قد يبدو بأن الذكاء الاصطناعي «عاطفي».

باختصار Chatgpt يبدو بأنه عاطفي لأنه يحاكي طريقة كلام وأسلوب مستخدمه لا لأنه واعٍ وذو مشاعر. وهذا ما جعل بعض المستخدمين يفضفضون له ويحكون له عن مشاعرهم وما يكابدونه، بل وأن دراسة حديثة من جامعة جنوب كاليفورنيا أظهرت أن رسائل الدعم العاطفي التي كتبها الذكاء الاصطناعي أشعرت المشاركين بالدراسة أنها أكثر تعاطفاً من الرسائل التي كتبها البشر.

السبب الذي قد يشعر من ورائه البعض أن الذكاء الاصطناعي متعاطف أو ذو مشاعر ووعي هو أن الذكاء الاصطناعي ليس مثل الانسان، لا يحكم أو ينتقد أو يعطي ردة فعل مشوبة بالسلبية عند الفضفضة مثلاً بخلاف الانسان. الانسان قد يبدي ردة فعل سلبية دون قصد أو حتى وإن أراد أن يبين تعاطفه مع الانسان الاخر.

قد يقول لي أحدهم وأين المشكلة والموضوع الذي تتكلمين عنه؟ أين المشكلة في تعاطف الذكاء الاصطناعي مع الانسان أو تكوينه وعي؟ الوعي موضوع لوقت آخر، ولا مشكلة في أن يبدو الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً بل وأن يحل مشكلة الدكاترة النفسيين ذوي الفاتورة المرتفعة، ولكن المشكلة في أن يكون تعاطف الذكاء الاصطناعي سببا لانعزال الانسان وانغلاقه على نفسه او بعيداً عن الاخرين او سبباً لاعتماده على الذكاء الاصطناعي بشكل تام. وهذا هو المأخذ هنا.

على الجميع أن ينتبه لعلاقته مع الذكاء الاصطناعي، ويحاول الحفاظ على خصوصيته وعلى ابداعه وتفكيره وسلامته العقلية والنفسية بعيداً عن الذكاء الاصطناعي قدر المستطاع والممكن. حاولوا قدر الإمكان ان تكون العلاقة مع الذكاء الاصطناعي «عملية» لا شخصية.. علاقة تخدمكم على المدى القريب والبعيد! وتذكروا ان العلاقة الاجتماعية مع الذكاء الاصطناعي لا يمكن ان تكون إنسانية، وإن تمكن العلم من (أنسنة) الذكاء الاصطناعي!

كيف تحمي نفسك من الأفكار السلبية؟

 غالباً ما يكون جحيم الانسان أو جنته من صنع يديه أو لنكون دقيقين أكثر من صنع رأسه ! الأفكار التي تعصف بالإنسان منذ استيقاظه من النوم و حتى رجوعه إلى النوم و خلال النوم على شكل «أحلام» ليست بالأمر البسيط. الأفكار هي رسائل من جسد الانسان إلى الانسان.. هي رسائل من وعي الانسان الى الانسان.. هي رسائل من لا وعي الانسان الى وعي الانسان.. هي رسائل من نفسية الانسان الى الانسان.. هي رسائل من روح الانسان إلى الانسان.. هي رسائل من الاخرين إلى الانسان.. هي رسائل من الانسان الى الانسان! و لذلك عندما تصلح أفكار الانسان يسعد في حياته، وعندما تفسد الأفكار يبتئس الانسان في حياته. إذاً كيف نحمي أنفسنا من الأفكار السلبية حتى نسعد في حياتنا؟

لنتفق بأنه لا يمكننا إيقاف الأفكار السلبية.. هل يمكنك ان توقف قلبك عن النبض؟ الامر سيان، لا يمكنك ان توقف الأفكار السلبية إلى الابد و لكن يمكنك ان تحمي نفسك منها وألا تجعل حياتك وسعادتك اسيرة لها.

أولاً، لا تلقِ بالاً ولا تصدق كل فكرة سلبية تمر في ذهنك، لأنك ستتعب. لا تصدق الفكرة التي تقول بانك ستموت في الأربعين لان والدك توفى في الأربعين من عمره. لا تلقِ بالاً للأفكار التي تقول بانك لن تأنس بحضور عشاء اصدقائك لان لا تستلطف احد المدعوين، فقد لا يحضر هذا الشخص لأنه لم يتلق دعوة اصلاً!

ثانياً، لا تحارب الأفكار السلبية وتستبسل امامها لأنك ستخسر المعركة. إذا مرت في ذهنك فكرة سلبية راقبها و دعها تمر من امامك دون ان تستجيب لها او ان تحكم عليها او على نفسك، وإن كانت الفكرة قوية التأثير عليك، حاول شغل نفسك، اعمل عملاً بيديك يحتاج إلى التركيز كالرسم او اللعب بالتركيبة او غيره لمدة عشر دقائق على الأقل، لتخرج من دوامة الأفكار السلبية و تُريح نفسك.

ثالثاً، شاهد طريقتك في التفكير في الأمور. في أحيان كثيرة نكون نحن السبب في تعاستنا. انظر إلى طريقتك في النظر إلى الحياة. هل انت متشائم؟ إذاً بالتأكيد ستغزوك الأفكار السلبية. هل انت متفائل؟ إذاً انت في حال أفضل! حاول الا تغذي نمط افكارك السلبي، و كما يقول الدكتور أسامة الجامع في بودكاست (مشاعر) حاول ألا تسأل نفسك لماذا دائماً.. لماذا أنا هكذا؟ لماذا أشعر بالحزن؟ لماذا لا يحبني احد؟ لماذا لا يدعوني أحد إلى منزله؟

بدل ان تسأل نفسك لماذا.. اسأل نفسك كيف! كيف يمكنني الخروج من حزني؟ كيف يمكنني ان أصبح صديق فلان؟ كيف يمكنني ان اكون أفضل؟

رابعاً، لا تصبح انسانا تجنّبيا، تتجنب الخروج من المنزل او فعل الأنشطة بسبب الأفكار السلبية. تجنبك للأمور بسبب الأفكار السلبية سيجلب لك المزيد من الأفكار السلبية على المدى البعيد، وهكذا ستدخل في دوامة لن تستطيع الخروج منها بسهولة!

الأفكار السلبية تسبب التوتر، و مع ازديادها و مرور الوقت قد تسبب القلق والكآبة للإنسان.. لا تستهينوا بها ولا تستصغروها ولا تتركوا أنفسكم لها! كونوا اقوى منها لتعيشوا حياة أسعد!

رتبوا أوراقكم!

 نمضي في حياتنا معتقدين باننا نعرف ما هو الافضل لنا. ننشأ ونحن لا نسمع كلام والدينا، لأننا نظن باننا من نعرف مصلحتنا لا هم! نكبر وننجر وراء مشاغل الحياة ونلهث وراء العمل والمال والصيت والسيطرة والقوة والجمال و و و بلا كلل وكأننا بلا غد ينتظرنا! نُضيع مع الوقت بوصلة الأمور المهمة في الحياة. تُلهينا الحياة بأنوارها وسرعتها فتتبعثر أولوياتنا وتتشكل على هوى الحياة لا هوانا!

نادراً ما نُولد ونحن نُقدر الأمور المهمة حقيقةً في الحياة مثل العائلة والصحة وعلاقتنا بربنا ومساعدة الاخرين وخلق عالم افضل للأجيال القادمة. في بعض الأحيان نصل إلى هذا التقدير عبر البحث والتجربة، وفي بعض الأحيان تُغالبنا الحياة بحوادث ومواقف ومشاكل تجعلنا نقدر فيها الأمور المهمة والحقيقية في الحياة.

في كتابه (أنا قادم أيها الضوء) يتناول الصحفي المصري محمد أبو الغيط رحمة الله عليه رحلة صراعه مع مرض السرطان، وكيف تغيرت نظرته للحياة بعد تشخصيه بمرض السرطان في عمر الثلاثين. وكيف أنه كان يعطي عمله الأولوية على حساب عائلته بل وحتى صحته، وكيف انقلبت الأمور بعد التشخيص. وكيف تعلم بالطريقة الصعبة بأن عائلته هي أهم ما في حياته، وكيف ان بعض الأمور الصغيرة في الحياة والتي قد لا نوليها أهمية كبرى مثل الاعتناء بحديقة، هي من امتع وأجزى الأمور.

وفي الفيلم الوثائقي (Blink) تنقلب حياة عائلة كندية بعد ان شُخص ثلاثة من أطفالهم الاربعة بمرض جيني نادر بلا علاج سيجعلهم يصابون بالعمى مع تقدمهم بالعمر. فيقوم الاب والام بالسفر حول العالم والقيام بشتى أنواع المغامرات بصحبة أطفالهم حتى يتشربوا جمال العالم وحتى يستعدوا لمستقبلهم المختلف. في هذا الفيلم نرى كيف تغيرت أولويات العائلة ونظرتهم إلى العالم وكيف وضعوا مصلحة ومستقبل أطفالهم أولا وقبل كل شيء.

ما جمع محمد أبوالغيط والعائلة الكندية، كان حدث اثر في حياتهم جعلهم يغيرون من حياتهم وانفسهم ويعيدون ترتيب اولوياتهم المهمة. نستطيع ان نرتب اولوياتنا دون الحاجة إلى احداث صادمة في حياتنا. فلنسأل انفسنا ما الذي سيهمني فعلاً بعد خمس سنوات؟ ما الشيء الذي سأسأل نفسي عنه بعد خمس سنوات؟ هل سأسأل نفسي عن الوظيفة التي أفني يومي فيها لأرجع الى المنزل دون ان أرى عائلتي؟ هل سأسأل نفسي عن صحتي النفسية والجسدية التي تجاهلتها؟ هل سأسأل نفسي لماذا لم اتزوج حتى الان او لماذا لم اترك التدخين بعد؟ هل سأسأل نفسي لماذا لم احقق حلمي بفتحي مشروعي الخاص او السفر حول العالم؟

رتبوا أولوياتكم وأوراقكم من الآن ولا تنتظروا الحياة ان ترتبها لكم، فمن طبع الحياة بعثرة الأوراق قبل جمعها.

هجوم مزيف!

 في شهر أغسطس ٢٠٢٤، صدر فيلم (It Ends With Us) في السينما، ومعه حدثت ضجة كبيرة لا بشأن الفيلم وحسب بل بشأن الممثلين أيضاً وخاصة الممثلة بليك لايفلي والممثل جستن بالدوني، حيث بدأ الامر كتوقعات وتساؤلات بين المعجبين والمتابعين للفيلم حول سبب عدم تواجد الممثلين بليك لايفلي وجستن بالدوني مع بعضهما البعض في الجولة الصحفية للفيلم، ثم تعاظم الامر وأصبح هناك تشويه سمعة وهجوم الكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الممثلة بليك لايفلي وشخصيتها وكيف انها بعيدة عن الواقع بخلاف الممثل جستن بالدوني.

قامت بليك لايفلي برفع دعوى قضائية في الشهر الماضي على الممثل جستن بالدوني وشركة الإنتاج بزعم ان بالدوني تحرش بها جنسياً طوال مدة الفيلم وحاول تشويه سمعتها بعد الانتهاء من تصوير الفيلم خوفاً من ان تقوم لايفلي بالتصعيد ضده بعد الانتهاء من الفيلم. وفي الوقت نفسه قامت صحيفة نيويورك تايمز العريقة، بنشر تحقيق صحفي ورسائل نصية بين مدير العلاقات العامة للممثل جستن بالدوني وشركة العلاقات العامة التي قام بالدوني بتعيينها لتشويه سمعة الممثلة بليك لايفلي وكيف ان الشركة قامت باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتغذية وتشجيع أفكار الكره والعداء اتجاه لايفلي. وعلى اثر هذا التحقيق الصحفي، قام جستن بالدوني برفع قضية على نيويورك تايمز بدعوى تشويه سمعته وقامت بليك لايفلي برفع دعوى أخرى اتجاه بالدوني بدعوى تشويه سمعتها.

هذه القضية بيّنت لنا وجه-ليس جديدا ولكن قاس-من أوجه وسائل التواصل الاجتماعي الا وانه يمكن التحكم فيها ويمكن التحكم بالرسالة التي قد يُريد احدهم ايصالها لنا! فعن طريق وسائل التواصل الاجتماعي استطاع فريق جستن بالدوني توجيه الناس إلى التعليقات بشكل سلبي وفي النهاية إلى تشويه سمعة بليك لايفلي بسهولة وفي غضون اشهر! ولربما لو لم تكن بليك لايفلي وزوجها راين رينولدز من اقوى واشهر الممثلين الامريكان، لاستطاع في النهاية فريق جستن بالدوني «إلغاءهم» ( Getting them Cancelled) أي ان يرفضهم الناس ولا يتقبلونهم هم او أعمالهم.

المثير في القضية هي ان شركة العلاقات العامة التي عينها جستن بالدوني هي الشركة نفسها التي عينها الممثل جوني ديب اثناء قضيته مع زوجته السابقة الممثلة امبر هيرد، والتي انتهت قضيتهما بتشويه سمعة امبر هيرد وافلاسها وهجرتها من الولايات المتحدة الامريكية الى اسبانيا هرباً من الناس وألسنتهم!

محاولة تشويه سمعة الناس والهجوم عليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليس حالة غربية بل توجد أيضا في عالمنا العربي حيث يكون الهجوم «عبر خلايا الكترونية» والذي قد تقوم به جهات أو أفراد ضد افراد أو جهات أو حتى دول أخرى. ومع اعتمادنا على الانترنت وعلى اجهزتنا الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي اكثر واكثر قد تتزايد هذه الهجمات وتكثر مع الوقت، المهم ان نفرق بين الهجوم الحقيقي والهجوم المسيّر والمزيّف والذي يخدم مصالح أناس آخرين! الوعي والوعي ومن ثم الوعي بما نراه و نقرأه ونسمعه على وسائل التواصل الاجتماعي هو ما سيؤدي بنا الى تكوين آراء حقيقية وصحيحة حول ما نراه ونسمعه ونقرأه دون أن ننجر وراء القطيع.

الذكاء الاصطناعي في مواجهة الإنسان

  منذ فترة قرأت مقالاً لبيليتا كلارك في الفاينانشال تايمز بعنوان «هل يمكن أن يمر يوم دون أن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي؟» وقد جعلني أفكر بأننا...