الخميس، 19 يونيو 2014

مأساة المسلسلات العربية

(مشهد)
بالنسبة لي، المسلسلات الأميركية ككأس عصير بارد في ظهر يوم حار، يجبرك على الوقوف أو الجلوس وأنت تشربه، لتتشربه!


(ما بين grey›s anatomy ومسلسل عربي آخر سيكون تحت طي النسيان)
الرضا هو ما أشعر به عندما أشاهد مسلسلات مثل friends و suits و grey›s anatomy، جرعة دراما تخالط جرعات من الكوميديا والواقعية الآنية. لا تطغى جرعة على جرعة في الصنع، ولا يتسيد الطعم جرعة واحدة.
شاهدت الأسبوع الماضي الموسم العاشر لمسلسل grey›s anatomy كاملاً في أقل من أسبوع، ولا أذكر أنني قد فعلت الشيء نفسه مع مسلسل عربي، مع أنني كنت قد فعلتها سابقاً، ولكن مع مسلسلات أجنبية أخرى لا عربية. ولا عجب، فمستويات الاثنين لا تُقارن، ولا أقصد ذلك من الناحية المادية أو الفنية -رغم تطور الصناعة العربية في هذا الشأن مؤخراً- بل أقصد من ناحية قصة المسلسل وحبكته والقيم التي يذهب إليها ويبتعد عنها، والمبادئ التي يدعو إليها والتي ينأ عنها في المسلسلات الأجنبية، وسأتحدث عن grey›s anatomy كمثال، تدور القصة حول المبادئ والقيم والأفعال الخيرة والشريرة، ويهتم المسلسل بتوضيح جوانب فعل الخير وأهمية الصداقة والبحث العلمي، والإحاطة بمعاني جميلة مثل رضا الفوز، وكيف أن حياة إنسان واحد تساوي كل شيء، ولدينا في الكفة الدنيا مسلسلات تزخر بالمؤامرات الدولية وقصص الزواج الفاشلة، وحكايات السرقات العائلية وغير العائلية - منذ أول حلقة وإلى الحلقة ما قبل الأخيرة كسوف ونكد وأفعال سوداء! - ، وقد يكون في الحلقة الأخيرة بصيص أمل ونور.
بعيداً عن الاستثناءات، تفتقر المسلسلات العربية إلى القيم والمبادئ والأخلاق الحميدة والمشرفة، والتي يفترض بها إبرازها، لأنها رسالة الفن التي يتشدق بها الفنانون والممثلون.
للأمانة يبين هذا الموضوع أكثر في معظم الأفلام العربية، فالرسالة والبصمتان موجودتان، ولكن هذه الصناعة ضعيفة مقارنة بالصناعة الغزيرة للمسلسلات، ولذلك هذا هو ما يجب التركيز عليه من قبل المنتجين، ولربما عندها سيتمكنون من إنتاج أكثر من جزء للمسلسل الواحد!

(آخر حلقة)
تواجه المسلسلات العربية الكثير من الانتقادات، أكثرها أهمية في نظري هي تلك المتعلقة حول القصة والسيناريو، يجب معالجة هذا الموضوع من قبل المنتجين قبل الكتاب، لأن بعض الكتاب سيكتب ما يريده المنتج أو الجمهور، دون أي اعتبار للصواب والحق. قصص المسلسلات يُفترض أنها تعالج الواقع والمستقبل، بحديث عن السيئ والجيد، دون اختزال ثقافة كاملة في جعبة ما هو سيئ فقط أو في ما هو جيد وحسب. الحقيقة والخيال، الصحيح والخاطئ، الفضيلة والرذيلة، كلها يجب أن تؤخذ في عين الاعتبار في المسلسل، دون اعتبار أحدها بلا صحبة الآخر.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

جيل الكَم

عندما طلب مني رئيس تحرير صحيفة «العرب» الأستاذ أحمد الرميحي أن أكتب للصحيفة، سألني عندها أهم سؤال على أي كاتب تُنشر مقالاته أن يطرحه على نفسه قبل أن يفعل غيره: «هل تريدين أن تكتبين بشكل يومي أم أسبوعي أم شهري؟». تذكرت سؤاله وجوابي، وأنا أقرأ نقاشاً بين كاتب وقارئ يدافع فيه الأول عن مقاله الذي يصف فيه بنات بلده بالغبيات والقبيحات، بسؤاله للثاني: «هل تعرف كاتباً ذا عمود يومي يحافظ على مستواه في الكتابة على الدوام؟». لم يكن في قول الكاتب الشاب أي دفاع عن النفس، بل تأكيد لخطئه فقط فيما خصص له مقال كامل، وهذا ما قد يقع فيه أي كاتب أو حتى أي عامل في أي مجال عندما يربط الكيف بالكم والكم بالكيف دون أن يهتم بمزاج «الكيف» أكثر.
مع تطور التكنولوجيا من حولنا من أجهزة وتطبيقات وبرامج، تسندها شبكة إنترنت واسعة أصبحت في متناول الجميع تقريباً، أصبح الجميع، وخاصة الشباب منهم، ينشر يومياته وصوره وتعليقاته وكتاباته دقيقة بدقيقة على مواقع كالإنستغرام وتويتر والفيس بوك، وغيرها من مواقع وبرامج تبرز يومياً. هذه العوامل لم تولد جيلاً يهدف إلى توثيق كل ما به وما يحصل حوله فقط، بل جعلته أيضاً يسعى إلى إبراز نفسه عبر هذه القنوات وبين أقرانه. تدني سوق مبيعات الكتب أدى أيضاً إلى زيادة حركة النشر المكتوبة للشباب، بسبب ركض الناشرين وراءهم في محاولة لتعويض خسائر السوق. كل ذلك، وأكثر وصل بنا إلى حركة مجنونة من النشر الورقي والإلكتروني من قبل الجيل الشاب في محاولة لإبراز الذات وإثبات النفس في مجالات عدة كالتصوير والإخراج والكتابة، وخاصة في الإطارات السردية كالمذكرات والقصص والمقالات، وهذا ما لا يعيبه شيء إلا عندما تغلب فكرة الكم على الكيف، وعندما ينقلب هم الكاتب من كتابة مقالة أسبوعية أو شهرية متميزة ومبدعة إلى كتابة مقالة عادية يومية.
أحرص على القراءة للكتاب من ذوي الأعمدة الأسبوعية والشهرية في الصحف والمجلات أكثر من غيرهم من ذوي الأعمدة اليومية -مع وجود بعض الاستثناءات- لأني أعرف أنهم يخصصون بعضاً من يومهم للكتابة والأكثر منه للبحث والقراءة في مختلف المجالات، ويكفيني وإن لم يحصلوا على جرعتهم من البحث والقراءة، خبرة أسبوع أو شهر كامل من المواقف والنقاشات التي خاضوها خلال تلك المدة.
سألني رئيس التحرير الأستاذ أحمد الرميحي مرة أخرى بعد أكثر من سنة على كتابتي لهذه الصحيفة بشكل أسبوعي إن كنت أريد أن أكتب مقالتين في الأسبوع، فأجبته بنفس إجابتي الأولى، بأنني سأكتفي بمقالة أسبوعية، لأنني عرفت بأن انشغالي بأعمال أخرى، سيجعلني أظلم نفسي قبل قرائي بكتابة عمود، يضيع وقتهم بلا فائدة، وذلك هو مقبرة أي قلم.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


صباح الخير

معظم التحايا تأتي متأخرة، أو تتقدم على بعضها بثوان وأحياناً دقائق. قلما تتزامن وأقل من ذلك، تطابقها، فإما تكون إحداها أحر من الأخرى، أو الثانية أبرد من الأولى. المهم أن يحيي الشخص غيره، وإن كان ذلك بتحية متأخرة، وكما يُقال في الغرب: «من الأفضل لك أن تتأخر، على أن لا تصل أبداً!»، وما أحسن أن تكون تلك التحية حارة كوهج بركان ثائر!
حي من تحب قبل أن يفارقك، بكل ما يحبه. اذكره عند غيابه، وافعل أفضل مما كان يتوقعه منك.
حي من يحب أن يفارقك، بأخلاقك وقيمك وثقافتك لا بأفعاله وأقواله، وحاول أن تبني جسوراً بينك وبينه كالجسور التي تبنيها عند مقابلتك لشخص جديد.
حي نفسك المفَارِقة، بتوسيع آفاقها، وإغراقها في محيطات من العلم والحلم، ونيران من الشك وكثير من نور اليقين.
حي الأشياء من حولك، والمفارقة أنها ستحييك بنفس التحية، فهي مثلنا مواد تستقبل مثلما نعطي، وتعطينا كيفما نستقبل.
حي من وما حولك بتحية لتغير من نفسك بهذه التحية، ولا بأس أن تكون متأخرة ما دامت قد وصلت حارة كالبهارات الهندية، لا بأس ما دمت أتحت لنفسك الفرصة على شكر والدك على كل ما أعطاه لك، لا بأس ما دمت قد أمسكت يد جدتك قبل سفرها، لا بأس ما دمت قد أظهرت امتنانك في كل مرة أخذك فيها عمك إلى المشفى عند مرضك، لا بأس.
قبل خسارتك لهم، حيّهم، وبعد خسارتك لهم حيهم، في الحالة الأولى أظهر لهم حبهم وحبك، وفي الثانية أبرز لهم خوفهم وخوفك، ولا تقبل من أي أحد سوى أن يبادلك التحية أو بأفضل منها، فالشخص يُعرف من التحية الملقاة عليه، ويُفهم من ردة فعله وجوابه عليها.
صباح الخير لأننا نتمنى أن يتبع كل كلامنا وأفعالنا الصواب والحب، ومساء الخير لأننا أملنا أن يكون كل ما سبقها نوراً وراحة، وكما تقول إحدى شخصيات جيم كيري، «ترومان» في فيلم the truman show: «صباح الخير! وإن لم أرك بعدها فمساء الخير وتصبح على خير!».
أدرك تحيتك قبل أن لا تصل، وحي العالم كله قبل أن تنسى.



جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

عن نصف الدنيا

(1)
أجمل الأغاني تلك التي نعشق بسببها الفتاة التي يعنيها الشاعر، وأجمل القصائد تلك التي يغنيها معنا الشاعر، فنكون كلنا في الدور الرئيسي لا ككومبارس.
أجمل اللوحات، هي المركونة في جانب قصي، لا يلاحظها سوى من نظر في الغرفة فعلاً.
أجمل المسرحيات أقلها كلاماً ورقصاً، فكل حركة وكلمة تُحفظ، إلا التعابير والمشاعر، لا تُفعل، بل تكون فقط.
أجمل الروايات أكثرها تحليلاً للواقع وتوقعاً له، لأنها تكثر فيما يختصره الشعر، وتوضح الطريق عندما يضيع عنه النثر.
أجمل التماثيل هي ما خرج من صخرها وجليدها المجسم بولادة طبيعية لا قيصرية، وكما أوضح مايكل أنجلو هي من وظيفة النحات أن يكتشف التمثال من داخل الصخر.
أجمل الأفلام ما يدهشك بفكرة أو إحساس لم يكن ليخطر على بالك لولاها.
كثيرة هي الأشياء الجميلة حولنا، علينا فقط أن نتذكر أثر العلوم الإنسانية عليها، ولمسة الفنون الجميلة فيها، فالفنون تفعل وتغير في العالم مثلما يغير الطبيب والمهندس والمحامي في ما حوله وما يتصل به لأسباب عمله، وربما أكثر. فجراح العظام مثلاً هو نحات يعالج اللحم والعظم، والمهندس بلا مثلث وفرجار عامل بناء يعمل بعشوائية، والمحامي المفتقر لأي حس فني هو محام يعمل بحسب النص فقط، بلا الروح التي تسكن القانون.

(2)
كتبت كمبرلي باين: «إلى فناني العالم: إنكم تنقذون البشر أيضاً!»، وقد صدقت. بعيداً عن أجمل لوحة وأجمل أغنية، هل لك أن تتصور عالماً يفتقر لتمثال أو فيلم واحد؟ سيكون هناك عالم بدون فن عندها، ولكنه سيكون جامداً بارداً قاسياً، وغير مريح، مثل كمبيوترات آبل القديمة قبل أن يضيف إليها ستيف جوبز الواجهة الملونة ذات الأيقونات المختلفة.
يظن الكثير بأن العلوم الإنسانية والفنون الجميلة هي أقل من التخصصات العلمية الأخرى، وأكبر مثال على هؤلاء هم الآباء والأمهات في الدول العربية المختلفة والذين يضغطون في الكثير من الأحيان على أبنائهم كي يلاحقوا مهناً معينة كالمحاسبة أو الهندسة أو الطب، والحقيقة أن كلها تخصصات متساوية في الأهمية، وأن هذه الفكرة السائدة في المجتمعات العربية هي ما يقتل الإبداع فيها، إلى جانب قدم وجمود مناهج الفنون في الجامعات العربية.

(3)
نهضة الدول تكون بيُسرى العلم ويُمنى الفن، والخيال نصف العلم، والفن أبو الخيال وعراب كل الأشياء الجميلة، ابتداء من أحدث الاختراعات إلى الأفلام المستقلة ذات الميزانية الصغيرة.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

الثلاثاء، 20 مايو 2014

ارفع رأسك!

شاهدت قبل أيام مضت فيلماً قصيراً يتحدث فيه شاب عن الأجيال الحالية، وكيف أنها تركت الحياة الحقيقية وانتقلت إلى الحياة الافتراضية بكل صورها وأفلامها وحتى أصدقائها! تحدث أيضاً عن الأجيال القديمة التي عاشت حياتها بطولها وعرضها، وعن الأجيال الجديدة التي تلبس النظارة الطبية من المهد وتحمل الآي باد، بدلاً من الألعاب التقليدية، إلى كل مكان، حتى سكتت الحدائق عن أصوات الأطفال.
أثرت في رسالة الفيلم بمعناها «انظر إلى أعلى، واترك هاتفك ولا تدع الحياة تفوتك!». كانت هنالك إشارة إلى أصدقاء مواقع التواصل الاجتماعي الذين نعتقد أنهم أصدقاء -مع احتفاظ كل قاعدة باستثناءاتها- وعلامة تعجب كبيرة إلى جانب الفرص التي تفوت الإنسان يومياً لمجرد أنه يبدي اهتماماً بهاتفه وأجهزته الإلكترونية أكثر من اهتمامه بما يجري من حوله.
الفيلم لم يتجاوز العشر دقائق، لكنه حمل رسائل أطول من هذه الدقائق، وبرأيي يجب أن تُدرس أفكاره في المدارس منذ سن صغيرة أو في البيوت على الأقل من قبل الأهالي، فلا يكفي نهر الأب لابنه بأن يترك الهاتف النقال على طاولة الغداء مثلاً، أو استياء الأم من تصوير ابنتها لكل تفصيل من تفاصيل حياتها ووضعها على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يجب توعيتهم لآثار ما يفعلونه على حياتهم وشخصياتهم وخصوصيتهم، وما يفوتهم بسبب أفعالهم أو امتناعهم عن أفعال أخرى، لانغماسهم في العوالم الافتراضية. فمواقع التواصل الاجتماعي، ككل شيء، لها جانبان، سلبي وإيجابي، تركها يعني خسارة توعية واطلاع ومعرفة، وإدمانها يعني تغييب الحياة الحقيقية من أجل الافتراضية، وهو ما سيندم عليه أي شخص عندما يدرك كم الفرص التي فاتته وعدد الأيام التي مضت دون أن يعيشها بأحداثها.
أصدقاؤك الافتراضيين، ليسوا بأصدقاء حقيقين ما لم تربطهم بواقعك، سواء أكان ذلك بلقاء أو بمكالمة أو بإحساس حقيقي، وصورك وفيديوهاتك على مواقع التواصل الاجتماعي بجانب كلماتك، كلها افتراضية ما لم تظهر جانباً حقيقياً من جوانبك، لا جوانب مزيفة من زوايا مغرية، أو لوحات مضافاً إليها ألواناً تجميلية، فكلها تخالف الحقيقة ما دامت لا تعبر عنك، وما يعبر عنك هو كل الحقيقة، وهو ما يساعدك على التقدم والنمو، وكيف تتقدم وتنمو إن لم تترك هاتفك وتنظر إلى أعلى من حين لآخر؟ لن تفعل! ولذلك، عليك أن ترفع رأسك إلى عيون العالم اليقظة!


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

الخميس، 8 مايو 2014

في اختصار الحياة

(1)
الحياة بكل اختصار جولة، تختار طريقها ومسافتها ومن تصاحب وتعادي فيها.
جولة عبارة عن خطوة تبدأ بألف ميل، من الفهم والتعايش والعلم والصبر والحب والغيرة وتقبّل المستحيل، واستحالة المقبول، في أحيان كثيرة.
جولة لن ترقى إلى منزلة النزهة، ولن تتسارع إلى خط سباق، لأنه من الأسلم لها أن تعيش في المابين، وسط الطريق، ما بين الصحراء والجنة، حيث السكن الأبدي في أي منهما ضياع، والتجول في برزخهما حلم وعلم في صورة حياة.
(2)
الحياة بكل اختصار بسيطة، ولهذا كل ما تحتاج أن تفعله فيها هو ألا تناقض نفسك، فلا تقول ما لا تفعل، ولا تفعل ما لا تقول!
أفخر بزملائي من الكتاب عندما أراهم يكتبون ما يعتقدونه، ويبتعدون عن إملاء غير ما يفعلونه على الناس، وأتمنى عند قراءتي لكلماتهم أن أكون مثلهم، بلا زيف أو تناقض أو نفاق، لأن الحياة السعيدة تُعاش هكذا، والحياة المتعبة تُعاش بتكلف ونفاق.
وحدهم الشعراء من نتقبل منهم أن يقولوا ما لا يفعلون، لأنهم بقولهم يفعلون أكثر مما يظنون بخيالنا ومداركنا، فيوسعون ما كان ضيقاً ويضيقون ما كان واسعاً، ويجعلون الخطوط المتوازية تتقاطع والخطوط المتقاطعة، تتوازى، وكل هذا وهم يقولون ما لا يفعلون، فكيف لو فعلوا؟
(3)
الحياة بكل اختصار، ما تشعره وتحس به، سواء أكان تفاؤلاً يوقظك كل يوم من نومك، أو إحباطاً لا يجعلك تغادر غرفتك. ما تشعر به يعبر عنك، وعن الحياة بالنسبة إليك.
الحياة ليست أكبر من مشاعرك وأحاسيسك، بل هي ما يمثلها بالضبط، فالإنسان بدون عواطفه، إيجابية كانت أم سلبية، عبارة عن كتلة صماء، صالحة لأي شيء إلا الحياة، وغير قادرة إلا على الموت.
ولا حياة معتبرة إلا بإحساس جميل، تجاه الأشياء، لأنه ما يخلق فيها الجمال لا العكس، الأشياء مهما علت قيمتها وبَعُد مصدرها لا تخلق في الإنسان إحساساً دافئاً ودائماً، بل هو ما يبث فيها إحساسه، سواء أكان جميلاً أو قبيحاً، ولأن الأحاسيس كالعدوى المرضية -مع فارق التشبيه- تعود إلينا لتنتشر مرة أخرى في حياتنا، إحساساً منا وإلينا، مالئاً فراغ الحياة من حولنا، باللون الذي نختاره.
(4)
الحياة باختصار، الفلسفة التي يتعلمها الإنسان كل يوم، والتي آمل أن أكون قد خلقت جزءاً منها فيكم، اليوم.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

المرأة ليست قطعة أثاث

انتقل المثقفون في كواكب أخرى من مناقشة وتحليل وإقرار حقوق الفرد الأساسية في الحياة والتنقل والتعبير إلى دراسة «حق» كل فرد في الحصول على الإنترنت، وحق الفرد في النسيان والموت وغيره! فيما لا يزال «مثقفو» «الأرض القريبة» يتشاتمون حول حرية التعبير، والمشكلة ليست هنا، بل تبدأ في استكثارهم مشاركة المرأة لهم، وغيظهم عند تصدرها للمشهد!
فإن كان الرجل في هذا الكوكب ليس مسموحاً له بالتفوه ببعض الأمور السياسية أو الاجتماعية خوفاً من أي جهة، فالمرأة يجب أن تخاف أكثر، فلائحة الأشياء التي تُمنع عنها أطول وأكبر!
المرأة ليست قطعة أثاث يا سادة، فهي تُفكر وتُحلل وتتكلم وتحلم وتحب! وأياً كان سبب منعها عن التعبير، سواء كان من المجتمع لأنه «عيب»، أو من العائلة كي لا «تحرجهم»، أو من جهة أخرى لأنه ممنوع، فهذا سيمنعها من الكلام فقط، أما الأفعال الأخرى فلا تزال في يدها.
المرأة ليست قطعة أثاث يا سادة، فلا يمكنكم أن تحبسوها وتحببوا لها سجنها وإن كان ذلك في أجمل غرفة في العالم!
المرأة ليست قطعة أثاث يا سادة، وهي بحسب مفهومكم «جوهرة» وكل ما تفعلونه، تفعلونه للمحافظة عليها وعلى العادات والتقاليد وأحكام الدين! ولا أدري كيف تتجرؤون في ادعائكم بأن ما تفعلونه من عاداتنا وتقاليدنا وديننا الشريف! ففي عاداتنا وتقاليدنا وتاريخنا المرأة هي من تكرم ضيوفها من الرجال إن لم يُوجد أحد غيرها في البيت، وهي من تبتاع حاجياته من السوق، وهي من تحرس القرية إذا ذهب الرجال للحرب أو التجارة، وفي ديننا الحنيف ما أكرم المرأة فجعل لها شأناً وعملاً وعادل بينها وبين الرجل، فما فضل الرجل عليها في شيء، رغم قول البعض إن الرجال تم تفضيلهم في مسائل الميراث، وأقول لهم حتى في هذه لم يكن هناك أي تفضيل، لأن الرجل هو المنفق على المرأة، سواء أكان ذلك في بيتها أو في بيت زوجها، والمرأة كل مالها لها!
إن كنتم تريدون المحافظة على المرأة، فعلموها وأدبوها، واجعلوها تواجه العالم أمام أعينكم، لا من ورائكم ولا من خلال فيلم أو عبر كتاب، لا تحولوها إلى كائن خائف بل إلى شخص قوي، يعلم ما سيواجه مقدماً في الحياة، وفي يده كل الأدوات المناسبة.
المرأة ليست قطعة أثاث يا سادة، وإن أصررتم على ذلك، فالأكيد أنها ليست قطعة أوروبية ولا تركية، بل هي من نوع آخر!


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

تأملات امرأة

    المرأة في حالة ترقب دائمة حتى قبل أن تُولد. هل سيتقبلها الأهل الذين كانوا يتمنون ولداً سراً أو جهراً و ظهرت إلى الدنيا بدلاً عنه فتاة؟ ه...