الخميس، 4 ديسمبر 2014

اعترافات كاتب أسبوعي

تخصصي في القانون يجعلني أحلل كل كلمة، وكل «أل» شمسية وقمرية، وكل آل يبدأ فيها الاسم وغير الاسم، وكون الكتابة جزءاً من هويتي التي أعرف نفسي بها ويفهمني غيري عبرها، تزيد عملية التحليل بي، وأرجو ألا يكون ذلك مملاً لمن يقرأ ويحاول على الأقل أن يعبر إلى ما قبل آخر كلمة أنهي بها مقالي، لأنها ستأخذه عنوة إلى الكلمة الأخيرة.
ما سأدلي به اعترافات لأني سأدلقها من وعاء «قلبي القارئ» قبل أن يكون «كاتباً»، ولأن التشدد في اختيار الكلمات والأفكار عند البدء بالكتابة يتحول مع الوقت إلى علاقة احترام تجاه القلم والورق، فتتكسر بعض الحواجز، ويبقى بعضها الآخر، وما سأقوله هي سيول تعدت عدداً من هذه الحواجز.
إذاً فهذه اعترافات كاتب أسبوعي لا يكتب يومياً بل مرة أو مرتين أو أكثر بقليل في الأسبوع، ودائماً بعقل مليء قبل أن يتوافر الحبر، وإلا فلا حبر ولا مقال، وهذا أول اعترافاتي.
أعترف أيضاً، بأني أعامل نفسي بيني وبيني كقارئ ومتلق، وسأظل أقرأ عن الكتابة وأصولها كأي علم أو فن آخر ولو بعد ثلاثين عاماً، لأن الإنسان أياً كان عمله كتلة متغيرة، وأن نختار كيفية تغيرنا أفضل من أن نُجبر عليه.
أعترف أني عندما أكتب أكثر من مقال في أسبوع واحد أقرر أن أترك أحدها أو بعضها بحسب الحال لأيام أخرى على طريقة مقالك الأبيض ليومك الأسود، أي الأسبوع الذي لا يزورني فيه الإلهام على شكل أغنية أو فيلم أو شخص أو نقاش عقيم أو عبارة ترويجية لمنتج لن أشتريه أبداً أو أي شيء آخر، ولكن عندما يأتي ذاك الأسبوع المشؤوم أحبط وأشعر بأني مزيفة، فلا أرسل المقال القديم وأشرع في كتابة مقال في نفس يوم التسليم، كيلا أشعر بزيفي أمام نفسي قبل من يقرؤني. أنتهي من المقال الجديد فأشعر بتعب شديد، ولكنه أهون من شعوري بالزيف، فالزيف مقبرة المبدع وإن كانت ذات زينة، ولو رجعنا لتاريخ الكتاب العظماء لرأيناهم يحكون عن تجاربهم وعلاقاتهم ومشاكلهم ونجاحاتهم، وكان ذلك فعلاً ما صنعهم، أي حقيقتهم التي بهرجت النفس الإنسانية التواقة إلى الفن والإبداع.
أعترف بأنني لا أكتب دوماً ما أعنيه بشكل واضح، وهذا في محاولة مني لإثارة القارئ الذي قد يفهم أكثر من فكرة يكرهها جميعها أو يحبها كلها أو يتقلب بينها، كما يتسلق القارئ نزولاً أبيات قصيدة. أعترف بذلك إلا أنني أكتب دائماً ما أؤمن به وإن كان مختلفاً أو مخجلاً أو غير متوقع لأنها الحقيقة دائماً، والحقيقة أمّ كل شيء إلا أنها ابنة الكاتب الذي يجب عليه ألا يتخلى عنها، فيهذبها ويخرجها في أحلى صورة، صورتها التي يعرفها الله بها.
أعترف بأن الوصول في الكتابة يعني عدم الوصول، فلا يسهل شيء مع الوقت إلا اعتياد الكتابة كما يعتاد الطبيب السماعة التي يضعها حول رقبته، ويبقى ما عدا ذلك صعباً، كالتشخيص وسؤال المريض ووصف العلاج، فمرة يسهل اختيار عنوان المقال، ومرة يصعب إيجاد مضمون يشد القارئ، ومرة يخرج الاثنان بولادة عسيرة، ومرات محظوظات ينزل الاثنان كسيل جارف يعرف من أين يخرج وأين يتوقف.
إن شعرتم بأن الاعتراف لمن لا يعرفونكم شخصياً سهل، ستتأكدون بأنني كتبت مقالي هذا في ساعة، وإن ظننتم بأنه صعب ستعرفون بأنني استغرقت أكثر من يومين وترددت أيضاً عند تسليم المقال، ولكنني ككل كاتب أسبوعي، فاتني الوقت ولم أرد أن أخدعكم ولا أن أخرج لكم خالية الوفاض.



جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية 



القارئ: الجندي المجهول

عندما قلب الروائي الياباني هاروكي موراكامي نمط حياته كي يصبح الكاتب الكبير الذي هو عليه اليوم، قال إنه خسر بعض الناس وأغضب الكثير منهم، نتيجة التغييرات التي قام بها إخلاصاً لقلمه، وأنه فضل قولاً وفعلاً علاقته بالقراء على أي علاقة أخرى في حياته، فخصص الصباح للكتابة وما بعد ذلك لأي نشاط آخر يشغل تفكيره عن التفكير، كالقراءة أو الركض أو التنزه وحده، لينهي يومه بالنوم مبكراً. حرصه على الكتابة وعلى علاقته بقرائه جعله يتغاضى عن المناسبات الاجتماعية وينسى أو يتناسى الرد على من يحاول الاتصال به، إخلاصاً لمن يحاول هو نفسه أن يتصل بهم عبر كلماته.
ما أكثر المبدعين الشبيهين بموراكامي، فهناك تولستوي الذي اعتزل حياة المدينة وحياته الاجتماعية المزدحمة، وحتى عائلته في أحيان كثيرة، منصرفاً إلى الريف بين الزرع والمزارعين ليفكر ويكتب. أفهم أهمية ما يفعلونه لأنفسهم ولقرائهم، وأعترف بأني لا أملك ربع شجاعة موراكامي ولا نصف شجاعة تولستوي في التضحية واعتزال الناس من أجل الناس، وأن كل ما أملكه هو بعض أوقات في الأسبوع أقضيها في الكتابة عن مواضيع قد تهم قراء كثراً في أسابيع وأقل منهم في أسابيع أخرى، ولكن كل لحظات توتر تسليم المقال في الوقت المناسب، وفي القالب المميز والمضمون الممتاز تمر عند وصول رد واحد فقط من أي قارئ، سواء أكان برد إيجابي أو تعليق ينتقد فيه فكرة ما، سواء أكان مسؤولاً يعارض ما كتبته، مثل أكبر الباكر في مقال له رد فيه على ما كتبته من انتقادات للخطوط الجوية القطرية، أو مسؤولاً يوضح ويزيد على ما وصفته، مثل أحد مسؤولي الشفلح الذي وضح بأن لديهم مجموعات دعم كتلك التي وصفتها في أحد مقالاتي. كل فكرة تعارض أو تؤيد أخرى مهمة، سواء أكانت لي أو لغيري، وكل رد يغير، فيبني أو يهدم لأن الكاتب وإن كان يكتب لنفسه أولاً يكتب لغيره ثانياً وثالثاً ورابعاً وأخيراً، لأن فيه من الناس وفي الناس الكثير منه، وإن لم يرغب بالاعتراف بذلك.
تحية لكل القراء، تحية إلى أرقى أنواع الجنود المجهولين الذين يجعلون من الكتاب من هو مشهور ومعروف ومسموع ومؤثر، لعائلة أبقى ولمجتمع أفضل ولدولة أقوى ولعالم أكثر إنسانية. شكراً لكل قارئ جعل من الحرب سلاماً، ومن الخلاف اختلافاً، ومن الحب ديناً، ومن الألم حكمة، ومن القلم سلاحاً يستشهدون به عند القدرة، هذا المقال لكم وإن كان بلساني.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

الجمعة، 21 نوفمبر 2014

لماذا نفعل كل ما نفعله؟

تخيل نفسك في أربعينيات أو خمسينيات القرن الماضي وأنت تجلس في مقعدك في حفلة لعبدالحليم أو أم كلثوم منتظراً أن يطربوك بأغان لم تسمعها من قبل، ولكنك تعرف بأنها ستصبح أغانيك المفضلة لعمر كامل.
تخيل نفسك تشاهد فيلماً عرفت من دعايته بأنه سيجعلك تتأثر، ومع ذلك ومن أجل ذلك دخلته باختيارك ومع من تحب. تخيل نفسك مُقدراً أو بين العائلة والأصدقاء أو بعافية وصحة أو ذا مال وجاه أو عاشقاً ومعشوقاً، أياً كان ما تطمح إليه، تخيل شعورك لحظة وصولك إليه. هل تخيلت؟ الآن كل ما عليك أن تفعله هو أن تنسى اللحظة وتتذكر هذا الشعور جيداً لأنه سيكون غايتك الجديدة وكل ما عدا ذلك هو وسيلة، سواء أكان صديقاً يشد على يديك عند حاجتك له، أو صلاة تبكي في سجودها وتمسح دموعك في ركوعها أو رواية تبعثك مؤمناً متأملاً أو سقوطاً تعود لتقف بعده كالنخلة وسط صحراء ضاعت فيها واحة أو أكثر.
والآن بعد أن تخيلت وعرفت ما سيكون لو شئت، ابدأ بوضع نفسك في مواقف تجعلك تصل إلى تلك الحالة الكبرى من السعادة والقناعة والسلام مع النفس والغير بعد الرضا والابتهاج. اجمع من حولك من تحب ومن يحبك ومن يرفعك ومن يدفعك ويساعدك، وبعثر داخلك الخوف والتوتر والإحساس بالدونية واختر الثقة والكبرياء والاندفاع والشجاعة وحب نفسك ثم حب الغير. اجعل طريقك معبداً بهذه المشاعر ووجهتك هو ذاك الشعور الأسمى الذي يجعل من الإنسان كائناً خارقاً استطاع أن يصل إلى أعلى طاقاته وأقوى ضرباته وأطول أوقاته. الطريق مهم والوجهة مهمة وكل يستند إلى الثاني في رحلة الإنسان الطويلة لتحقيق ذاته كي يصل إلى شعور يصنعه من أول ومن جديد.
«لقد تعلمت أن الناس قد تنسى ما قلته لهم أو فعلته بهم ولكنهم لن ينسوا أبداً ما جعلتهم يشعرون به!». هذه الكلمات القوية كانت للشاعرة مايا أنجلو التي لم توصلها أفعالها وإيمانها بقضايا سامية ومصيرية إلى ذاك الشعور الغني والعميق، بل جعلتها تشعر أيضاً بأهمية الشعور الذي يخلقه الناس فينا سواء أكان مؤذياً أو مصلحاً، بانياً أو هادماً، صاخباً أو هادئاً، جامداً أو ليناً، ساقطاً أو راقياً، فخماً أو متسولاً، أي إحساس وأي شعور يُفرح أو يبكي بحسب الموقف وبحسب أشخاص الموقف. أي إحساس مهم ولكن الأهم هو أن يكون شعوراً في سبيل الرضا والمحبة والسلام والدفء والجمال، أي ذاك الملاذ الأخير.


جواهر بنت محمد آل ثاني 
صحيفة العرب القطرية
المصدر

الخميس، 13 نوفمبر 2014

مقال غير توجيهي

تدور قصة فيلم «مقبول» أو accepted حول مجموعة من الشباب لم يتم قبولهم في أي جامعة قدموا طلبات تسجيلهم فيها. تبدأ القصة مع إنشائهم لجامعة وهمية كيلا يخيبوا ظن آبائهم، ولكن الوضع يتطور ليجدوا أنفسهم أمام مجموعة كبيرة من «المرفوضين» أمثالهم، وهم يطلبون الدخول إلى الجامعة التي أنشأها الطلاب. رغم أن مشكلة رفض الطلبة من دخول الجامعات لأسباب عدة موجودة في كل مكان ومهمة ويجب التعرض لها، إلا أن معرض حديثي سأتناوله من جانب مختلف، ومختلف هو ما يجب أن أكون.
سأبدأ من حيث انتهى الفيلم، من مشهد يقول فيه الدكتور للطلبة في يوم التوجيه «orientation day»: «اليوم ليس يوم التوجيه orientation بل هو يوم عدم توجيهكم «disorientation day» لقد تم توجيهكم طوال حياتكم، والآن حان الوقت ليتغير ذلك». بهذه العبارة التي قالها الدكتور ضاحكاً مع الطلبة انتهى الفيلم الكوميدي، ولكنها لم تكن بالمزحة ولا بالسخافة، بل فلسفة يتم طرحها وتعلمها في كليات الفلسفة تحت أسماء الشك وعدم الإيمان ومرات كثيرة تحت مسمى الإيمان نفسه، لأن ضياع المرء وإيجاده طريقه بنفسه أفضل مائة مرة من أن يدربه أحد على الطريق فيحفظه وهو مغمض عينيه عن كل ما سواه، في الحالة الأولى سيصل مؤمناً، أما في الثانية سيصل بعد أن تم تلقينه إيمان غيره.
نعيش خطأ لا يتعلم ولا يتحمل الصحة، منذ بداية حياتنا يتم توجيهنا من الإجبار على المشي والكلام إلى دخول المدرسة وتعلم الرياضات أو العزف على آلة موسيقية أو تعلم لغة أخرى، وفي حالات كثيرة لا تكون الاختيارات خاطئة، ولكنها غير مناسبة للشخص نفسه، لأن ميوله مختلفة ويجبر على ميول غيره لأسباب نفسية أو اقتصادية أو لاعتبارات اجتماعية أو سياسية. يعلموننا ماذا نحب وماذا نكره. من نحب ومن نكره. ماذا نريد وماذا سنتجنب. ما نقتنع به وما نرفض الاستماع إليه. يعلموننا ويوجهوننا ويسيروننا على ما يشتهون وما يريده المجتمع وما عرفه الآباء والأجداد، بدل أن يعلمونا كيف نحب، ولماذا نحب، ولماذا نكره، وكيف نتعلم بأنفسنا وبأدواتنا وأساليبنا، ولماذا سنتجنب، ولماذا سنقتنع، وكيف سنستمع لما نكره أو غير ما نألفه، وكيف سنتقبل ونتفهم، ولماذا نفعل كل ذلك.
هذه الفلسفة ليست مقتصرة على الفلاسفة ولا المثقفين الواعين حيث يتحدث عنها -وإن لم يكن بشكل مباشر في بعض الأحيان- فقهاء الإسلام المعتدلون الذين يحضون على إعمال العقل وزحزحة الفكر وعدم الخضوع لأي مبدأ أو فتوى بلا سابق اعتبار واعتمادها بـ «آمين»! هذا ما نحتاج البدء منه والرجوع عليه، خاصة في عالم انتشرت فيه الدواعش في الهشيم!

ملاحظة:
بغض النظر عن عنوان المقال، أقول لكم إن الهدف منه هو توجيهكم إلى عدم التوجيه.



جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

عشاق التاريخ

لا أقصد روميو وجولييت ولا قيس وليلى ولن أتحدث عنهم، ولكني قد أعرج عليهم، وأنا أتكلم عن عشاق من نوع آخر. عشاق رُزقوا حب الورق والقلم، أو أجبروا عليه لحب أو مال أو شهرة أو سلطة أو جاه أو خوف ممن أجبرهم على الكتابة. عشاق يحملون في قلوبهم حباً مزدوجاً، الأول ثابت وهو للكتابة سواء أكان باختيارهم ومن طابع فطرتهم أم لم يكن، والثاني حبٌ يتملكهم باختلاف كل كاتب وذائقته ومدى سماحه له بالتأثير عليه، فمنهم من كان عاشقاً لنفسه، فصاحب كبار الشأن في المجتمع والمشاهير ليكتب أولاً عن نفسه وحياته والمواقف التي تصادفه أكثر من كتابته عنهم، ومنهم من عشق التاريخ، فسرد في كل ما كتبه جزءاً من التاريخ ليجعل ما يكتبه جزءاً من التاريخ، ومنهم من عشق الحب، فبدا جل كلامه خرافياً جميلاً أدبياً، وينتهي أغلب هؤلاء الكتاب إلى مرتبة الشعراء، ومن لم يفعل منهم حاول أن يتشاعر! ومنهم من عشق الألم حتى ظن بأنه لن يكتب إلا به، فقام باستنزاله على نفسه! ومنهم من عشق الكتابة من عشقه للعمل الذي يمارسه سواء أكان محامياً أو مهندساً أو موظفاً عاماً اكتشف القلم والورقة بالمصادفة في وقت فراغه، ومنهم من عشق غيره بشغف جعله يضيع في الكتابة ليوصل ما يريد قوله أو ما يريد نسيانه، ومنهم من هام بالحياة أو الموت -كلهم على نفس درجة التأثير- فكتب ليصل بسرعة إلى ما يحب أن يخشاه.
كليوباترا وأنطونيوس وروميو وجولييت ليسوا أكثر أهمية ممن كتب عنهم، بل العكس من كتب عنهم هو العاشق الحقيقي الذي سيتذكره التاريخ. ورغم اختلاف كل كاتب هوى وذائقة عن الآخر، إلا أنهم جميعهم يعشقون الفن ويعيشونه وإن لم تنضح كلماتهم به، فالفن هو سر العشق الأبدي لأنه يبعد الضجر عن ظاهر الأشياء.
كل ما يسعني أن أختم به هو ما قاله الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن آل سعود في قصيدة المراية: «كلنا عشاق لكن كل واحد له حكاية..».

جواهر بنت محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

الخميس، 30 أكتوبر 2014

هل تقدر على الإبحار؟

الناس أنواع.. هناك من يختار العوم في كل اتجاه جنوباً مرة وشمالاً مرة، وهناك من يقصد أن يسبح عكس التيار في كل حين ليثبت شيئاً لنفسه أو لغيره أو لكليهما، وهناك من يترك نفسه لهوى التيار كالسمكة الميتة. أسوأ الأنواع هو من لا يسبح أساساً لخوفه من الماء أو الغرق أو المجهول، فيبقى على اليابس ممضياً عمره بين كثبان رملية قاسية بعلة الأمان والسلامة والاحتياط، رغم أنه لو جرب حظه وقفز في الماء لوجد نفسه سباحاً هائلاً. هذا النوع من الناس لا تبعدهم المسافة عن البحر بل الخوف، نسوا أن أجدادهم وأجداد أجدادهم عاشوا فيه وتربوا فيه وأكلوا من خيراته، وشربوا من الأماكن التي أوصلهم إليها. نسي هؤلاء صبر وجلد أجدادهم أيام عيشهم في مدن بلا ماء، حارة الجو، جافة الأرض، تقسو فيها الحياة ويضرب فيها الممات. نسوا أنهم خلف من لفظ الخوف لكي يعيشوا، تركوا الخوف وراءهم في السلم والحرب، عند التجارة ووقت العبادة، أيام الجوع وأوقات الأمن. فما بال هؤلاء يخافون أن يعيشوا كي لا تقال كلمة من الناس أو لأنهم يألفون ما هم فيه أو لكسل وعجز فيهم؟ ما بالهم يختارون أن يكونوا سمكاً صغيراً، بينما في وسعهم أن يكونوا قروشاً سريعة ومتأهبة وفتاكة؟ ما بالهم يرفضون أن يعيشوا والوجود بحد ذاته مجازفة ومخاطرة؟ ألا يعرفون أن مذاق الحياة اللذيذ يكمن في أن يفعلوا كل شيء بشكل كبير وإن كان صغيراً؟
لا يختار البحر أصدقاءه ولا عشاقه، ولكنه يختار ضحاياه، تارة لأنه يشعر بخوفهم وتارة لأن الصدف جاءت بهم إلى جوفه وحيدين ومستسلمين، الحياة تفعل بمن تقابله الشيء نفسه، من ينظر إليها بعين خائفة ترد عليه بعين شامتة، والعكس صحيح كما كتب نجيب محفوظ: «من يحتقر الحياة تحترمه».
ألا يزال خوفك يشغل تفكيرك، ويشعل شعرك ويأكل أظافرك؟
لا تخف إذا كانت الحياة اختيارك.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

الأحد، 26 أكتوبر 2014

هكذا يجب أن تكون الحرب على داعش



لا يختلف اثنان على دموية ما يسمى بتنظيم الدولة الاسلامية في العراق و الشام أو كما يختصره البعض بداعش. يظهر داعش لمنتسبيه كتنظيم-أو على الأقل يتوهمون على أنه كذلك-اما خارج هذه المنظومة باستثناء الجهات التي انشأت داعش، يُنظر اليه و كانه غول ات لاكل الاخضر و اليابس او شبح لا يظهر الا عندما يدير الناس ظهورهم ليأخذ عمرهم، و لا عجب ان يظن الناس بداعش هكذا عندما يسرق اعمار ابنائهم بتجنيدهم في حرب لا تعرف مع من او ضد من و عندما لا ينشر هذا التنظيم سوى مقاطع فيديو لمرتزقة يهددون دول و شعوب آمنة و طائفيين يذبحون ناس بريئة بابشع الطرق بسبب طائفتهم او ديانتهم.
يجب علينا ان نعرف الوحش الذي نواجهه ممثلا بالارهاب و ذيله داعش كي نعرف كيفية التخلص منه بقطع الرأس لا الذيل، و لكي نحل المشكلة لا يجب علينا ان نعترف بوجودها فقط رغم اهميه هذه الخطوة بل يجب ان نعرف اسبابها كي نحل المشكلة من جذورها فلا يظهر لنا في المستقبل تنظيم جديد يشبه داعش و لكن باسم اخر.
الحقيقة ان داعش لم تخرج من الظلام مثل الغول-على الاقل حرفيا-و لم يُولد من بطن جنية، بل ظهر نتيجة اخطاء متراكمة في الإقليم، تجاهلناها لمدة طويلة حتى عادت لتصيبنا في مقتل. داعش كانت سبب فراغات امنية في العراق و سوريا و لبنان و تخاذل في مواجهتها ليس من قبل حكومات هذه الدول وحدها رغم خصوصية وضع كل دولة على حدى بل من حكومات العالم عامة و حكومات الدول الاسلامية و العربية خاصة التي يختلط في بعضها البعض و يختلف و يتشابه فيها النسيج الديني و الطائفي و الاجتماعي، و لهذا السبب تماما و بسبب هجوم جماعات طائفية على بريئين و عدم قيام السلطات المختصة بحمايتهم، برز افراد يرغبون بالانتقام و يستجيبون لخطابات تحريضية يتم القائها للاسف في الاغلب من على منابر المساجد. سبب اخر مرتبط بمنشأ داعش و السبب السابق، هو تراخي الحكومات العربية و الاسلامية بشكل عام في تعاملهم مع المتطرفين، فمنابر المساجد و حتى الجامعات يساء استخدامها لتجنيد الشباب الابرياء و استدراجهم من كل مكان حتى وصل الحال الى قيام اهالي بعض المدن بالتصدي لهؤلاء المحرضين و المتطرفين كما حدث في الاردن و تمير السعودية.
الحرب على داعش لا يجب أن تكون محصورة على قصف المناطق التي تفيد الإستخبارات وجوده فيها، لأن حتى ذلك قد ينشأ عنه خطأ و بالتالي يتم قصف الأبرياء كما يحدث في باكستان و اليمن، الحرب على داعش يجب أن تبدأ بقتل جذور هذا التنظيم المسخ و سيساعد على ذلك الإسراع في تكوين المركز الدولي لمكافحة الإرهاب الذي اقترحته سابقاً السعودية، و مشاركة الدول العربية و الإسلامية فيه، و خاصة الدول المشاركة في إجتماع جدة اليوم. هكذا يجب أن تكون الحرب على داعش حتى لا ينتشر هذا التنظيم في المستقبل أو تنظيمات مشابه له في الفراغات المتساقطة من ليبيا إلى اليمن.


جواهر بنت محمد آل ثاني

في تاريخ ١١ سبتمبر ٢٠١٤


تأملات امرأة

    المرأة في حالة ترقب دائمة حتى قبل أن تُولد. هل سيتقبلها الأهل الذين كانوا يتمنون ولداً سراً أو جهراً و ظهرت إلى الدنيا بدلاً عنه فتاة؟ ه...