السبت، 8 ديسمبر 2018

لا تقاوم

(ل)
عن التنفس عميقاً، عن الاستلقاء الأخير بعد الدوران طويلاً، عن أول لحظة بعد العثور على التوأم الروحي، عن ثواني الوفاء آخر العمر، عن الجلوس على كرسي الطائرة وسط غيوم الخوف، عن إعطاء ابتسامة طال انتظارها، عن تقبل الحزن، وتقبل الفرح، وتقبل الحب، وتقبل الغضب، وتقبل الانتظار، والسعادة، والخوف، والحيرة.
عن الوقوع في حضن اللحظة الحالية دون تأوه أو صراخ.. عن الاستسلام.

(ا)
نجاهد كل يوم حتى لا نستسلم. نعمل ونتعب حتى لا يقول أحدهم عنا بأننا استسلمنا أو سلمنا أمرنا للغير. وفي أكثر الحالات، يكون الاستسلام هو الطريق الوحيد للنجاة في هذه الحياة.

(ت)
أقصد بالاستسلام، عدم مقاومة الحياة. أخذ فعل كل لحظة كما تجيء دون شغل التفكير بالماضي أو المستقبل. متابعة الحاضر، وحسب. إعطاء كل ثانية حقها دون اللهث لما ورائها أو الركض إلى ما يتبعها. كل ما نعيشه حقاً هو اللحظة الراهنة.. وما غيرها، هو نتاج تفكيرنا وخيالنا. وهذا يجعل كل ما نفكر به كماضٍ ومستقبل، بلا فائدة حقيقية إن أعدمنا استثمارنا في الحاضر.

(ق)
لماذا الحاضر وحسب؟ لأننا نتذكر الماضي كما صنعناه نحن، لا كما حصل، ولأننا نبني المستقبل كما نراه، بعين واحدة أو بعينين على الأكثر، بينما قد توجد في الكون آلاف الاحتمالات التي قد لا ندرك ربعها.

(ا)
ما العيب في الماضي والمستقبل؟ لا عيب ولا علة ولا خطأ. الخطأ في استرسالنا بالتفكير بالماضي، وشغله حياتنا وأفكارنا دون تعلمنا منه والمضي قدماً.
لا عيب في التخطيط للمستقبل، الخطأ في أخذه مساحة منا في كل خطوة نخطيها، وإن لم تكن لها علاقة بالمستقبل الذي خططنا له! بناء المستقبل من المفترض أن يكون طريقاً نرسمه، ثم نتركه لنمشيه في اللحظة الحالية، لا لنفكر به في كل لحظة من حياتنا! وإن كنا سنفعل ذلك، هل يكون عندها طريق، أم سجن، خلقناه بأفكارنا؟ 

(و)
قرأت أكثر عن كيفية الاستفادة من اللحظة الراهنة، والعيش بهدوء في كتاب ايكهارت تولي "قوة الحاضر" (The Power Of Now)، وقد أخذ بعض التعاليم في كتابه من البوذية والمسيحية. ووجدت أن الاسلام لا يختلف عن هذه التعاليم في الدعوة إلى ملازمة الحاضر، وعدم ترك الأمور لماضٍ كان أو مستقبل سيكون (إن شاء الله). أولم ترتبط قراءة القرآن الكريم بالتدبر والفهم العميق؟ ألا يكون ذلك من أقصى صور الاستسلام للحظة الراهنة، والعيش في فعل يطرد التفكير في أي شيء آخر؟

(م)
استسلموا. لا تقاوموا حاضركم بإزعاج أنفسكم بماضٍ ولده تفكيركم أو مستقبل قد لا تدركونه. كونوا مؤمنين كمن قال: "أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد". فالله هو الوحيد الذي يعرف ماضيكم الحقيقي ومستقبلكم الآتي.



جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
بتاريخ ٢٦/٧/٢٠١٨


الأحد، 22 يوليو 2018

أن تكون وحيداً

(الجزء الأول)
الوحدة هي أن تنظر حولك، ولا ترى قلباً يفهمك.
الخيبة هي ألا تجد من يسعفك.
اليأس يتسلل بين شروخ الوحدة والخيبة، ويُولّد مادة لزجة كثيفة تُسمى الحزن.
الحزن يكبر مع الأيام، حتى يصبح محيطاً من الكآبة.
روبن ويلياميز فهم ذلك جيداً، ولذلك قال: «كنت أظن أن أسوأ شيء في الحياة هو أن تكون وحيداً لكن أسوأ شيء في الحياة هو أن ينتهي بك الأمر مع أشخاص تشعر معهم بالوحدة».

(الجزء الثاني)
في فيلم «Wanderland»، يعيش أليكس في المدينة الكبيرة، حيث لا أحد يرفع رأسه عن الموبايل أو الكمبيوتر أو أي لوح إلكتروني. لا أحد يحاول بناء جسر إنساني للآخر.
يذهب أليكس في رحلة بعيداً عن المدينة. وبقرب الشاطئ تحدث مع امرأة لمدة لا تزيد عن خمس دقائق. كانت بالنسبة له أطول اتصال إنساني منذ شهور. حتى محادثته هذه، هرب منها ليبحث عن شاحن هواتف، يسعف به بطارية هاتفه المغلق.
أنا أليكس، وأنت عزيزي القارئ أليكس آخر. من منا لا يجلس في بيته مع عائلته وعائلته الأخرى من الهواتف؟ من منا لا يخرج لمطعم أو مقهى ما مع أصدقائه، لينتهي بهم المطاف كمجموعة رؤوس مصوبة على الهواتف في الطاولة؟
أصبح شاحن الهاتف أهم إكسسوار في هذه الحياة، والاتصال الرقمي هو ما نفضله على أي اتصال واقعي جسدي.

(الجزء الثالث)
شاهدت مؤخراً تجربة على الإنترنت، حيث صوّر جوزيف لندو تجربته في الوحدة لمدة أسبوع. طوال هذه المدة لم يخرج من شقته، ولم يستعمل الإنترنت، حيث كان هدفه من هذه التجربة نشر التوعية حول الكثير من المسنين الوحيدين في بريطانيا، الذين تمر عليهم أيام طويلة دون أن يتحدثوا فيها مع أحد.
في بداية تجربته، كانت الأمور تسري على ما يرام. نام طويلاً وشاهد التلفاز وبدأ في حل الأحجيات، ولكن ذلك لم يستمر طويلاً. بعد اليوم الثالث دخل في مراحل الإحباط والملل. وأصبحت الأشياء التي تبعد تفكيره عن بقائه وحيداً، متعبة.
يقول عن تجربته هذه: «الوحدة تجردك من الثقة بالنفس، وإن كنت وحيداً فذلك سيجعلك أكثر عرضة للأمراض العقلية، كما أنه سيكون من الصعب عليك أن تجد نفسك بين الناس مرة أخرى».

(الجزء الأخير)
يجب أن نتذكر في النهاية أن الإنسان اخترع كل أنواع وطرق ووسائل التواصل، كي يتواصل مع نظيره الإنسان، وأن مسألة أن تكون وحيداً ليست بخطورة أن تشعر بأنك وحيد.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

الاثنين، 16 يوليو 2018

كل شيء لن يكون على ما يرام

ستأتي أيام شاحبة، بلا ألوان، وأيام بلا طعم، وأيام بأنفاس سلبية، كشريط أخبار لا يتوقف. وذلك أمر لا مفر.
وستحل أيام مشمسة وطازجة، مليئة بالضحكات والبالونات، وأيام مصحوبة بأكواب الأصدقاء وأغاني الجدات المريحة، وأيام تسند بها رأسك إلى كتف من تحب دون أن تسمع أصوات القلق أو الخوف أو الإجهاد أو الغضب. وهذه الأيام نادرة، ولا تحدث لحظاتها للجميع، فالبعض يقتلها بالتفكير وبدونه.
أوقاتنا السيئة مثل أوقاتنا الجيدة. هي ملكنا. نحن من يتحكم بها. إن أردنا أن يصبح كل شيء على ما يرام، فذلك بيدنا وحدنا لا بيد الوقت ومن حولنا. طريقة نظرنا إلى ما يحصل لنا هو ما يحدد مصيرنا ومصير سعادتنا. وأكبر دليل على ذلك، عندما يحصل شيء سيء لنا، يتبعه شيء جيد. عندها لن يكون كل شيء على ما يرام، إن كنا لا نزال نفكر ونقيم الأمر السيء. ولن يعني الأمر الجيد أي شيء لنا.
سيكون كل شيء على ما يرام، عندما نتقبل كل ما يحصل لنا في حياتنا، ولا أعني هنا أن نخضع لأحداث حياتنا، بل أن نخضعها لنا عن طريق تقبلها، ومن ثم التعامل معها كما ينبغي. إن كان حدثاً جيداً، نقبله ونستحقه ونحمد الرب عليه، وإن كان سيئاً أو مؤلماً، نقبله ونستسلم لمشاعرنا الوقتية، لنخرج بعدها بحلول تساعدنا على المضي قدماً، دون جعل هذا الحدث محور حاضرنا أو مستقبلنا.
كل شيء سيكون على ما يرام، عندما نستيقظ من غفلة التفكير الدائم، الذي يمنعنا عن النوم أحياناً. عندما لا نغرق في دوامة التيه العميقة. عندما لا نسلم الراية لعقلنا طوال اليوم. ونمنح مشاعرنا فرصة التعبير عن أنفسنا لأنفسنا في أوقاتنا السيئة قبل الجيدة.
كل شيء سيكون على ما يرام، عندما نؤمن ونتقبل أن كل شيء لن يكون على ما يرام طوال الوقت أو حتى في النهاية.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية



جيل التكنولوجيا

(١)
التكنولوجيا امتصت بطريقة أو أخرى الجيل الجديد، ابتداءً بالأطفال الذين لم يعد اهتمامهم ينصب سوى على الألعاب الإلكترونية، أو مشاهدة التلفاز، أو اليوتيوب. هذا هو الواقع الذي أكدته شركة الألعاب الشهيرة «Toys R Us» التي أغلقت هذا الشهر جميع فروعها في الولايات المتحدة الأميركية، كي تضع حداً لخساراتها المتتالية التي أدت إلى وقوعها في ديون تبلغ أكثر من 5 بلايين دولار أميركي. والوضع لا يختلف كثيراً بالنسبة لمواليد 2000 ومن قبلهم المسمين بجيل الألفية، أو جيل «الواي فاي». هذه الأجيال تعامل معلومات الويكيبيديا أمراً مسلماً به، تقارع من يحاججهم بها. وهذا الانغماس في التكنولوجيا يترك أثره على المعلم خاصة، الذي يشعر بأن دوره تم تقليصه إلى حد كبير نتيجة وسائل إلكترونية وذكية، قد يقدرها طلابه أكثر منه.

(٢)
في الماضي، كانت أسوأ كوابيس المعلم الطالب المشاغب. اليوم، أسوأ كابوس يمر على المعلم هو الطالب المشاغب الملوّح بهاتفه الذكي في الفصل.

(٣)
التكنولوجيا -مع حفظ مزاياها ومآثرها- تشتت الطالب. ومع وجود المعلومات الهائلة على الإنترنت حول أصغر وأكبر الأمور، من كيفية تبديل إطار سيارة، وحتى معرفة اسم ثاني شخص مشى على سطح القمر، قد يعتقد الطالب بأنه في غنى عن المعلم ودروسه. وفي رأيي هذا ما يكبر دور المعلم لا ما يصغره، فالطالب في حاجة إلى من يرشده في زحام المعلومات وصراخ نقاشات الإنترنت التي غالباً لا يسمع فيها الأشخاص بعضهم البعض. الطلبة لا يزالون في حاجة إلى المعلم، لا الدروس الإلكترونية في الدورات السريعة Crash Courses التي قد يبقى منها في الذاكرة ما قلّ ودلّ، ويُمحى منها ما كثر في المعنى والكم. ما زلنا في حاجة إلى المعلمين الذين نقدر على مناقشتهم والتفاعل مع ردة فعلهم، المعلمين القادرين على تصويب أخطائنا، والتراجع عن أخطائهم، إن وُجدت.

(٤)
التكنولوجيا لم تكن يوماً سيئة، ولكننا نحن من فهمها واستخدمها بشكل سيء، كي تخدم رؤيتنا وأهدافنا. هدفنا في الوصول السريع إلى مبتغانا، وإن كان بالخروج من المدرسة أو الجامعة، رغم قلة العلم والخبرة، فظن الكثير بأن الخبرة تعلمها الحياة، والعلم يؤخذ من التكنولوجيا وأدواتها، والحقيقة أن الشخص إن لم يمتلك إحدى الاثنين (العلم أو الخبرة) سيسقط لا محالة في اختبار الحياة. ولا يكفي الاستشهاد بستيف جوبز أو بيل غيتس، فكلاهما تركا الجامعة، وابتدآ مشوارهما بخبرة تعادل خبرات من تخرج في الجامعة قبلهما.

(٥)
الكِبر والتعجرف، هو أسوأ ما يواجهه هذا الجيل، لا الروبوتات والتكنولوجيا، كما يظن إيلون مسك.


جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


السبت، 30 يونيو 2018

قليلاً من التروي..

ذكر دايف تروت في كتابه «واحد زائد واحد يساوي ثلاثة»، قصة تحطّم طائرة صغيرة كانت مسافرة من الكونغو إلى بلدة اسمها باندوندو، هذه الطائرة رغم حداثتها وخلوّها من العيوب، ورغم تمكّن قائد الطائرة ومساعده وخبرتهما الجيدة، ورغم حالة الطقس الممتازة؛ تحطّمت وهي تحاول الهبوط، وقُتل جميع ركابها العشرين ما عدا راكب واحد.
تم سؤال الناجي الوحيد الذي كان يتعافى في المستشفى عن الحادثة، فقصّ عليهم ما لم يكن بالحسبان.
قال إنه عندما بدأ قائد الطائرة بالهبوط، خرج من مؤخرة الطائرة تمساح صغير، كان قد هرّبه أحد ركاب الطائرة بشكل غير قانوني في حقيبته. وما إن رأت مضيفة الطيران التمساح، حتى أصابها الهلع وركضت إلى قائد الطائرة لتخبره عنه. باقي الركاب أصابهم الهلع أيضاً عندما رأوا المضيفة تركض، فركضوا وراءها إلى مقدمة الطائرة. ومن تلك النقطة، وبسبب اختلال الوزن في الطائرة لكفة المقدمة، وكون الطائرة أصلاً في وضعية هبوط، أصبحت الطائرة في وضع عمودي لا أفقي.
حاول قائد الطائرة رفعها، وحث الركاب إلى الرجوع إلى مقاعدهم، ولكن استعصي عليهم الرجوع بسبب الوضعية العمودية للطائرة؛ مما جعلها تصطدم فوراً بمقدمتها بالأرض..
نجا راكب واحد، ونجا التمساح الصغير، حتى رآه أحد السكان المحليين ثم قتله. لم يعرف بأنه أتى من الطائرة.
طرح تروت هذه القصة في معرض حديثه عن عقلية القطيع أو تفكير القطيع. ويُقصد بعقلية القطيع، الأفراد الذين يلحقون بالمجموعة فيفكرون أو يفعلون أو يقولون ما تقول به الجماعة من دون تفكير، لأسباب عديدة أهمها الخوف والجهل وعدم التفكير أو محاولة البحث عن الحقيقة. ونرى أمثلة كثيرة لعقلية القطيع في عالمنا العربي، خاصة هذه الأيام مع انتشار الأخبار والقصص الكاذبة. فترى أحدهم يصدّق ويؤمن بشيء بشكل أعمى لمجرد أن فلاناً نشر حوله «تغريدة»! وتجد آخر يدافع بشراسة عن رأي مسؤول ما حتى لا يكون «مغرداً» خارج السرب!
أحد أهم أسباب «عقلية القطيع» هو كراهية الاختلاف.. لا أحد يريد أن يكون مختلفاً عن الجماعة؛ لأن ذلك يعني -في العالم العربي خاصة- النبذ من قِبل الجماعة. ولكن هل ذلك يبرر «الجري» وراء الجماعة، وإن كان ذلك خطأ «قاتلاً»؟
حتى الجماعة تحتاج إلى تصويب في بعض الأحيان، فمن سيفعل ذلك إن كان الكل يوافقها في صوابها وخطئها؟
المطلوب من أجل التخلص من هذه العقلية، هو التروّي والبحث عن الحقيقة، وإعمال الفكر، وتقبّل الاختلاف إن حدث، فلا أحد يتمنى مصير ركاب الطائرة. الأكيد أن جميعنا نتمنى النجاة من عقلية القطيع.. ولكن ليس على طريقة التمساح.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الأربعاء، 27 يونيو 2018

ماذا لو...

تدور أحداث مسلسل Sense 8 حول مجموعة رجال ونساء ينتمون إلى فصيلة أخرى من الجنس البشري. ولأنهم يرجعون إلى فصيلة تختلف عن Homo sapiens أو الإنسان العاقل، فهم يمكنهم الشعور ببعضهم البعض، من ناحية الأفكار والأحاسيس، وإن اختلفت أماكنهم ولغاتهم. وواحدة من الأفكار التي شدتني في المسلسل، هي فكرة أن ليس لأحد منهم أن يؤذي إنساناً آخر، وهو سيشعر بالألم الذي قد يحل به هذا «الآخر».
ماذا لو عشنا التجربة نفسها؟ ماذا لو كان هناك شيء لا يفرحنا أو لا يحزننا أو لا يؤلمنا، ولكننا شعرنا بهذا الشعور أو ذاك، لأن شخصاً آخر عاشه ومر به؟ ماذا لو انتقل إحساسه إلينا رغماً عن إرادتنا ورغم اختلاف شعورنا؟
لو حدث ذلك، لكان العالم، أفضل بالتأكيد، ولكننا لا نعيش في مسلسل خيالي ذي سيناريو رائع.
الواقع أننا نعيش في عالم يقدس الكينونة الفردية مع انقضاء كل يوم.. أصبح الإنسان لا يفكر إلا بنفسه ونجاحه وحياته، وضعفت العلاقات الاجتماعية رغم ظهور الإنترنت وسهولة التواصل وقلة تكلفة السفر.
ابتعد الناس عن الناس.. أصبحنا غير قادرين على التعاطف.. ما نشعر به عند مشاهدة الأخبار وأعداد القتلى حول العالم لأسباب مختلفة كالحروب والمجاعة وغيرها، هو نفسه ما نشعر به عند القيام بعزاء أحدهم لفقدانه لقريب له، حتى قمنا بتسميته «لواجب العزاء»، أي أننا مجبرين عليه، ولا نقوم به من طيب خاطر وعلى أساس المواساة والتعاطف.
ومع كل هذا، لا يزال هناك أمل في البشر.. يكمن أملنا في التواصل مع بعضنا البعض.. في حرصنا على علاقاتنا القائمة وسؤالنا عن العائلة والأصدقاء، وبناء علاقات جديدة، يُفضل أن تكون مع أشخاص مختلفين عنا في الفكر أو الدين أو اللون أو الجنس أو أي ناحية أخرى تهمنا وتؤثر فينا. هذا النوع من التواصل، قد يقرّب وجهات النظر، ولكن الأهم من ذلك، هو إمكانيته في رفع الجهل والخوف الذي قد نشعر به تجاه الناس، وخلق التعاطف كبديل عنهم.
لنحمي أنفسنا والعالم عبر التواصل ومحاولة فهمنا لبعضنا البعض، سواء أكنت أنا الآخر أم أنت. لنتعاطف أكثر، ولنسقط الجهل والخوف من الآخر!

جواهر بنت محمد بن عبدالرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الثلاثاء، 19 يونيو 2018

مدخل إلى الهوية اللغوية

شاهدت مؤخراً «Manhunt: Unabomber»، وهو مسلسل مبنٍ على أحداث حقيقية. وتمحورت القصة حول محاولة مكتب التحقيقات الفيدرالية في الولايات المتحدة الأميركية (FBI)، الإمساك بأحد أكبر المجرمين الذي أرهبوا الولايات المتحدة الأميركية في أواخر القرن الماضي، حيث كان يقوم هذا المجرم «تيد كازينسكي» بإرسال طرود تحوي متفجرات إلى الجامعات وشركات الطيران، وإلى غيرهم من الضحايا. وفشلت السلطات الأميركية لأكثر من عقد من الزمان في القبض على كازينسكي، حتى نالوا منه في النهاية عن طريق رسائله، حيث استخدموا لغته ولهجته وطريقته في الكتابة في معرفة صفات شخصيته، ومكان ولادته، وعمره، مما دلهم في الأخير على اسمه، وهويته الشخصية.
ربما تبدو اليوم هذه القصة عادية، لكثرة حديث العلماء والأدباء والفنانين عن قوة الكلمة وأفعالها، إلا أن ذلك في وقتها كان حديث جنون، خاصة لمن يقدسون الأدلة الجنائية المادية، إذ كيف يمكن لكلمة الشخص أن تتسبب بالقبض على صاحبها بدون آثار مادية جانبية؟
نحن الكتاب، نعشق الأحاديث المجنونة، وكما أنه لنا كلماتنا وأسلوبنا الخاص، لكل شخص أيضاً كلماته وحروفه وأسلوبه ومخارج حروفه الخاصة، وأكبر دليل على ذلك أنه يمكن لأحد محبي الشعر العربي الحديث أن يقرأ نصاً ما ويعرف -دون أن يخبره أحد- ما إذا كانت هذه قصيدة لنزار قباني، أو فاروق جويدة.
على هذه الأرض لدينا العديد من اللغات المعروفة وغير المعروفة، ولهجات متفرعة من هذه اللغات، ولهجات متفرعة عن اللهجات الرئيسية، وفي ضوء ذلك كله، يولد أشخاص في هذه البيئات المختلفة، فكيف لنا في خضم كل هذا أن نقول إنه ليس لكل شخص منا هوية لغوية مختلفة عن الآخر، كما له هوية صورية (خلقية)، وهوية وظيفية، وهوية عائلية خاصة به؟

الهوية اللغوية مثل «DNA» تختلف من شخص لآخر، وحتى بين التوائم. والحمد لله على ذلك، فلا أتخيل عالماً مُضْجراً أكثر من عالم يتكلم فيه الناس بالأسلوب والطريقة نفسها.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


تأملات امرأة

    المرأة في حالة ترقب دائمة حتى قبل أن تُولد. هل سيتقبلها الأهل الذين كانوا يتمنون ولداً سراً أو جهراً و ظهرت إلى الدنيا بدلاً عنه فتاة؟ ه...