الأربعاء، 4 أغسطس 2021

حان وقت إنعاش السياحة!

  

أزمة فيروس كورونا العالمية أرجعت إلى السطح أمور كثيرة كنا قد دفعناها تحت البساط لفترة طويلة، منها وضع السياحة داخل قطر.

هل توجد لدينا سياحة حقيقية ترفيهية نشطة في قطر، بخلاف الأسواق و المقاهي و المطاعم؟ و إن كان يمكن الإطلاق على هذه "سياحة"، فلماذا إذاً اعتمد المواطنين و المقيمين خلال أزمة فيروس كورونا على التخييم و الإقامة في الشاليهات و المنتجعات التي تضاعفت أسعارها في هذا الوقت؟! لماذا يسارع القطريون إلى السفر إلى الخارج اليوم، رغم القيود التي لا تزال تفرضها الكثير من الدول بسبب أزمة فيروس كورونا؟!

يجب علينا الاعتراف بأن وضع السياحة في قطر لا يسر، و يحتاج إلى التطوير اليوم، لا الغد أو بعد الغد، و بالتأكيد ليس بعد عام ٢٠٢٢، فنحن لا نريد للناس التي تزور قطر خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم في ٢٠٢٢، أن يلقوا نظرة واحدة على قطر، و لا يعودوا مجدداً!

أول خطوة في التغيير، هو الاعتراف بالمشكلة. بدءاً من النظر في جهاز السياحة، و أدواره و مهامه، و مدى تناسب وضعه الحالي مع مكانة قطر العالمية.

ثاني خطوة هي تعزيز التفاهم و التواصل مع الجهات المختلفة في الدولة لتنشيط السياحة الداخلية، فيد واحدة لا تصفق، مثل التعاون مع كتارا التي لديها إمكانيات كبيرة لإقامة مسرحيات و عروض ضخمة جاذبة للسياح، و الاتفاق مع هيئة المتاحف لإقامة معارض فنية مصاحبة للمهرجانات و الكرنفالات.

ثالث خطوة، تكون في تسهيل إنشاء الشركات السياحية في قطر و التشجيع على الاستثمار فيها، بالإضافة إلى تيسير إعطاء تراخيص إقامة فعاليات ترفيهية.

أخيراً وليس آخراً، توسيع دور جهاز السياحة ليشمل تجهيز شواطئ عامة جديدة في الدولة مجهزة بالكامل مثل شاطئ بحر سميسمة، و إنشاء مدن ألعاب ترفيهية مناسبة لجميع الأعمار، فمدينة ألعاب واحدة لا تكفي.

هذه بعض الخطوات الذي يستطيع جهاز السياحة البدء فيها، و ليست كلها. و كما هو واضح، ليس لدينا في قطر شح في الأفكار، و لكن لدينا نقص في المخيلة. و هذا ما أتمنى تغيره في الوقت القريب، فلا يجوز إهمال قطاع كبير مثل قطاع السياحة، الذي قد يساعدنا في الأعوام المقبلة، على تخفيف اعتمادنا الكامل على قطاع النفط و الغاز. بل، و حث المستثمرين على الاستثمار في قطر، باعتبارها رائدة أيضاً في مجال الرياضة و المواصلات و الثقافة!

 

جواهر محمد آل ثاني

الخميس، 22 يوليو 2021

متى سنهتم بالكاتب القطري؟

  

 

اختارت منظمة العالم الإسلامي للتربية و العلوم و الثقافة "إيسيسكو"، الدوحة لتكون عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام ٢٠٢١. و قبلها بأكثر من عشر سنوات، تم اختيار الدوحة لتكون عاصمة للثقافة العربية. منذ ذلك الوقت و حتى الآن، قفزت قطر قفزات كبيرة في مجالات الفن و الرياضة و الهندسة المعمارية، و غيرها، و لكن بقي الدرب طويلاً و مختلفاً بالنسبة للكتاب و الأدباء القطريين. ما زلنا بحاجة إلى تطوير الأدب القطري، فالمشهد الأدبي اليوم لا يرقى إلى المستوى المطلوب. ما زلنا بحاجة إلى الالتفات إلى الأدب باعتباره جزء من الإرث الإنساني لقطر، و الاهتمام به أكثر. لا تكفي حفلات تدشين الكتب، و لا الأمسيات و الندوات الأدبية المتفرقة، فهذه الفعاليات لا تطور الكاتب كثيراً و لا تخرجه من محليته، و نحن نريد وصوله إلى الإقليمية، بل و إلى العالمية! فما المانع إذاً، من التطوير؟

نستطيع القول، بأن الكتاب و الأدباء هم من أقل الفئات المبدعة التي تلقى اهتماماً في قطر. و هذا ما يجب أن يتغير، فالكاتب بقدر أهمية الفنان و المهندس و الرياضي، و يبقى الكاتب الأقل تقديراً من بينهم. و لذلك أقترح عدة اقتراحات لدفع المشهد الأدبي في قطر إلى الأمام.

أولاً، توفير مساحة ابداع للكُتاب على غرار (مطافي مقر الفنانين)، ليستطيعوا العمل على كتاباتهم في مكاتب مخصصة لهم. و تكون المساحة مصحوبة بمرافق متكاملة كمقهى و مكتبة و مساحة عمل مشتركة، يلتقي بها الكُتاب ببعضهم البعض أو الغير أو ليقيموا فيها أمسيات و ندوات أو ورش عمل.

ثانياً، إقامة وزارة الثقافة و الرياضة مسابقات للكتاب و الأدباء، يتم على أثرها فوز الأعمال بفرصة تبنيها من قبل تلفزيون قطر إن كان سيناريو، أو صوت الخليج إن كان قصيدة، و يتم غنائها من قبل فنان قطري أو فوز العمل الروائي و غير الروائي بعقد مع دور نشر محلية مع إمكانية ترجمة العمل إلى لغة أو لغات أخرى.

ثالثاً، تعاقد و تفاهم وزارة الثقافة مع المجلات و الصحف و المواقع الإخبارية في قطر، حول تبني الكتاب و الأدباء القطريين.

رابعاً، تطوير الملتقى القطري للمؤلفين حتى نصل عبره إلى تدشين جمعية الكتاب و الأدباء القطريين.

أخيراً، أمامنا واجب تطوير الأدب القطري، و الوقوف صفاً بصف مع الكُتاب و الأدباء القطريين حتى يتطوروا و يكبروا و ينضجوا. فهم لا يعبرون عن أنفسهم وحسب، هم أصواتهم و أصوات مجتمعهم و بيئتهم. فالكاتب ليس حالة فردية، هو حالة جمعية بسببها أصبح كاتباً، يعبر عما يخالجه و عما يراه. و في النهاية، الناس لن تراه ككاتب فقط، بل ستراه على أنه الكاتب الذي خرج من بين أولئك الناس و من قلب ذلك المجتمع، و تلك الدولة. و شئنا أم أبينا، سيُسمع صوته و تُقرأ كلماته، فلنحرص إذاً على أن نساعده على أن يخرج أفضل ما فيه!

 

جواهر محمد آل ثاني

 

 

الاثنين، 28 يونيو 2021

عن العودة.. أخيراً

 

 

النوستالجيا هي الحنين إلى الماضي، و هي كلمة أصبحت مستخدمة كثيراً في الدول العربية. هذه الكلمة مكونة من كلمتين من اللغة اليونانية، الأولى هي (نوتوس) و التي تعني العودة إلى الوطن، و الثانية هي (ألقوس) أي الألم. و قد جمعهما في القرن السابع عشر طالب طب كان يشخص بها القلق الذي يشعر به المرتزقة السويسريين و هم يحاربون بعيداً عن الوطن. كانت تُوصف النوستالجيا على أنها حالة طبية، و الآن يتم الحديث عنها و كأنها حالة طبيعية يشعر بها الجميع على الأقل مرة واحدة في حياتهم.

كم شخص شعر بالنوستالجيا حال عودته لمنزل الطفولة؟ خاصة و أنه إحساس عادة ما يُذكر مع الأوقات الفرحة لا العصيبة. أليست معظم أفلام الرجوع إلى الوطن سعيدة و خفيفة مثل Sweet Home Alabama  و This is Where I Leave You؟ ما الذي يجعل شعور العودة إلى الوطن-الذي تتوجه النوستالجيا-مميزاً إلى هذا الحد؟

العودة إلى الوطن حالة استثنائية أثيرية لا يمكن الوصول إليها إلا عبر تردد معين.. التردد إلى النفس. لا يمكن الشعور بها إلا بعد استحضار جميع الحواس في الوطن، و العودة إلى رائحة القهوة التي كان يشربها أبوك في الصباح.. و النظر إلى كتب أمك التي لم يأكلها الزمن بعد، و إن أفقدها لونها الأبيض.. و سماع الأغنية التي كنت تغنيها في صغرك ما إن تدخل الحمام للاستحمام.. و تمرير يدك على كل ألعابك القديمة التي كنت تتشاجر بسببها مع أخيك.. و بعد كل ذلك، الخروج من المنزل لتبحث عن الكعك الذي أكلته مع عمك يوماً ما أمام الشاطئ. هي كل ذلك و أكثر لأنها تجبر الانسان على استرجاع أحلامه التي نساها أو تناساها.. أحلامه التي كانت ممكنة في يوم ما و لم تعد كذلك. العودة إلى الوطن تجعل الانسان يفكر فيما تغير فيه و وما لم يتغير. هل مضى قدماً أم رجع إلى الوراء؟ هل رحيله-القسري أو الاختياري-عن وطنه جعله أسوأ أم أفضل؟ هل سامح نفسه أو قسى عليها؟ هل نسى أم تناسى؟

النوستالجيا هي بعض من شعور العودة إلى الوطن.. هي الجزء الطيب منه. هي الشاي الدافئ الذي تشربه قبل أن تصل إلى مرارة أوراق الشاي في نهاية الكوب. قبل أن تتذكر لماذا رحلت، و لماذا بقيت، و من عاتبت، و إن كنت سامحت نفسك و البيئة التي كبرت عليها أو كبرت عليك أم لا..

هنالك طبقات كثيرة و معقدة من مشاعر العودة إلى الوطن، لأنها تحمل في طياتها فصلاً كاملاً من حياتك، فيه عرفت نفسك و من ثم غيرتها.. فيها ضللت و اهتديت، و أحببت و كرهت، و ساعدت و انتقمت، و كل ذلك لترحل، و من ثم لترجع إلى وطنك و تواجه نفسك فيه.

 

 

جواهر محمد آل ثاني

الثلاثاء، 4 مايو 2021

أن تسأل.. أو لا تسأل!

  

ما قبيلتك؟ ما مذهبك؟ هل أنت متزوج؟ متى سنفرح فيك؟ كم وزنك؟ هل تملك سيارة؟ هذه أسئلة من الطبيعي سماعها من شخص تعرفه معرفة سطحية في عالمنا العربي. قد تكون في الشارع وقت السؤال أو في عرس ابن خالتك. قد تكون المرة الأولى التي يراك فيها السائل و قد يكون لا يعرف سوى اسمك. دوافع هذه الأسئلة تختلف، قد تكون فضول أو أذية أو انتقاد أو ببساطة، بدء محادثة، و لكن أياً كانت دوافع الأسئلة الشخصية من شخص بالكاد تعرفه، يجب أن يكون هناك احترام للحدود الاجتماعية. و هذه هي المشكلة الكبيرة هنا.. الحدود. البعض لا يعرف متى تبدأ و متى تنتهي، بل إن البعض لا يعي بأن هناك حدود في الأساس، فتجده يحادثك و كأنه صديق قديم مطالباً بتقديمك الإجابات!

مشكلة الحدود الاجتماعية العربية ليست جديدة، هي بعمر الحدود الجغرافية العربية، بل و قد تكون أقدم! و قد يرجع ذلك إلى طبع العربي في الترحال و التعارف على الناس من جميع الأعراق و الألوان المتحدثين بشتى أنواع اللغات. أضف إلى ذلك الزيارات الاجتماعية الكثيرة للقريب و البعيد و العوائل المتداخلة و حقوق الجار و الضيف. العربي كائن اجتماعي إلى أبعد حد، لكن البعض يذهب إلى السؤال عن كل شيء.. ما يعنيه و مالا يعنيه دون أي اعتبار لخصوصية الفرد! مثلما توجد مسافة جسدية يجب على الآخرين احترامها و عدم التعدي عليها دون موافقة الطرف المعني، توجد مسافة شخصية معنوية للناس، يجب احترامها و عدم التعدي عليها. كيف يمكن التعدي عليها؟ يتم التعدي عليها بالأسئلة و التعليقات الشخصية و المحرجة. قد يناقش أحدهم، بأن حل هذه المشكلة يكمن في عدم الرد على هذه التعليقات و الأسئلة الشخصية، و قد يكون هذا الحل ناجعاً في بعض المرات، و لكن ماذا لو كنت ستقابل هذا الشخص كثيراً في حياتك، هل ستتحمل توتر العلاقة و تبعات ذلك؟ ماذا لو أثر فيك السؤال أو التعليق الجارح، فهل ستقدر وقتها على كبح ردة فعلك؟ ماذا لو كنت تعرف بأن الهدف من السؤال هو الإيذاء، هل كنت لتقدم له صمتك الذهبي على طبق من ذهب؟ الحل لن يكون دائماً في عدم الرد. الحل يكمن في التفكير و مراجعة السائل لنفسه قبل السؤال.. ماذا سأستفيد لو قلت لأحدهم: كنتِ ضعيفة، ماذا حدث لك؟!

أخيراً، قبل أن تسأل: تدبر! أعد حساباتك! هل أنت متأكد بأنك تريد أن تسأل شخص لا تعرفه هذا "السؤال"-أياً كان-؟ تخيل ظهور زر تأكيد أمامك قبل أن تفتح فمك، و لكن لا تنقر عليه "موافقاً" فوراً بدون تفكير و بلا اهتمام كما نفعل مع شروط الخصوصية في برامج التواصل الاجتماعي.. فهذه هي حياة الناس و شروط خصوصيتهم!


جواهر محمد آل ثاني

الأحد، 28 مارس 2021

ماذا حدث للصحف القطرية؟

نشرت منذ فترة، امرأة قصة التحرش بطفلتها على الانستجرام. روت فيها ماذا حدث لابنتها الصغيرة في الحضانة، و كيف أنها-أي الأم-حاولت أن توقف العاملة المتحرشة عن العمل دون جدوى. تفاعل المجتمع القطري في انستجرام مع القصة بالتعليقات الداعمة و بنشر القصة في كل مكان لتأخذ الأم حق طفلتها، حتى أنهم قاموا بإرسال القصة لعدد من الجهات في الدولة مثل مركز أمان و وزارة الداخلية لفتح تحقيق حول الموضوع. و تم ذلك و لله الحمد، و لكن أكثر ما لفت انتباهي، بأن الكثير من المهتمين بالقصة، أرسلوها لموقع Doha News  (أخبار الدوحة) الإخباري الناطق باللغة الإنجليزية لنشر الخبر و التحقيق فيه. و فعلاً، قام موقع أخبار الدوحة بنشر الخبر بعدها بأيام. و من ثم نشر بعد الخبر مقالة مطولة عن كيفية تحدث الآباء لأطفالهم عن التحرش الجنسي. مقالي هذا ليس دعاية لأخبار الدوحة، فأنا لا أتفق مع كل ما ينشرونه، و لكن يُحسب لهم أسبقيتهم و تميزهم في نقل الخبر و نشر التحقيقات في قطر. و من هنا يُطرح السؤال عن الصحافة القطرية الورقية. أين هم و ماذا حصل لهم؟

الحقيقة بأن لا أحد-وأنا منهم-فكر بإرسال خبر التحرش بالطفلة لصحيفة قطرية. ما السبب؟ ما العلة وراء تراجع الصحف القطرية في السنوات الماضية؟ الطرح لم يعد كما كان. الأخبار في الصحف القطرية أصبحت متشابهة، و الفرق بينهم في العناوين وحسب. التحقيقات المحلية قليلة و أغلبها بلا فائدة تذكر. و المقالات أصبحت ضعيفة، و لا تثير القارئ كما كان يحدث بالسابق. و فوق هذا كله، المواقع الإلكترونية للصحف باهتة و بطيئة، وغير مواكبة لوقتنا هذا!

أسباب تراجع حال الصحف القطرية متعددة، منها هجرة كتاب المقالات عالم الصحافة التقليدي إلى العالم الافتراضي الرحب غير المقيد بزمان أو مكان أو رقيب! و ضعف مؤهلات المسؤولين عن الأخبار و التحقيقات و الموقع الإلكتروني و عواميد الرأي. بل و قد تكون المشكلة إدارية بحتة! الأكيد بأن على المسؤولين في الصحف القطرية مراجعة أنفسهم و صحفهم لتحديد مواطن المشكلة و من ثم علاجها. فبعد أن كانت الصحف القطرية منافسة لبعضها البعض وفي محيطها، أصبحت نسخاً مكررة لا يميزها سوى رسوم الكاريكاتير لفنانين رائعين أمثال محمد عبداللطيف و عبدالله السبيعي!

واقع الصحافة القطرية بشكل عام، لا يسر، و لكن عندما نقارن الصحافة الورقية بالتلفزيونية، نجد بأن التلفزيونية أفضل بكثير من نظيرتها، ففيها على الأقل، محاولات للتغيير و للتطوير كما حدث على سبيل المثال في تلفزيون قطر عبر برنامج الحقيقة، و كما يحدث باستمرار في قنوات الكأس و الريان في محاولاتهم لاستقطاب الشباب القطريين و تشجيعهم. بقي لنا أن ننتظر ثورة الصحف القطرية. متى ستحدث هذه الثورة و كيف؟ متى ستلتفت الصحف إلى قضايا المجتمع و تنقل الواقع؟ هذا ما سيكشفه الوقت لنا. كل ما أتمناه هو حدوث ذلك قبل هجرة القراء التامة للصحف القطرية.

 

 

جواهر محمد آل ثاني

الاثنين، 22 مارس 2021

حان وقت التعافي!

 

٢٠٢٠ كانت سنة عصيبة على العالم أجمع. الجميع خسر شيئاً ما، إما عمله أو ماله أو صحته أو قريب له! كوفيدـ١٩، كان و لا يزال السبب وراء كل ذلك. ففي نفس هذا الوقت من العام المنصرم، المطارات و المقاهي و المحلات التجارية أُغلقت. العائلات و الأصدقاء تفرقوا. الاقتصاد العالمي تدهور. تملك الناس الرعب و الهلع، كل ذلك و غيره، كان له أثره الباقي في صحة الانسان النفسية و الجسدية. و علة الجسد، قد يكون تشخصيها و تطبيبها متاح و سهل، و لكن علة العقل و النفس و العاطفة هي المعضلة الحقيقية. و برأيي هذه العلل النفسية هي أبرز مخلفات كوفيدـ١٩ حول العالم.

في دراسة تم القيام بها في شهر يونيو من العام المنصرم، تم الإفصاح بأن ٤٠٪ من الأفراد البالغين يعانون من اضطراب نفسي أو مشكلة تعاطي مواد مخدرة. و أن شخص من بين كل ٦ أشخاص ما بين الأعمار ٦ و حتى ١٧ سنة سيعاني من اضطراب نفسي كل سنة. تم عمل هذه الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية فقط، فكيف لو أنها شملت الدول التي كابدت إغلاقات كورونا بالإضافة إلى الحرب و المجاعة و الفقر؟! الأكيد بأن الإحصائيات ستكون مختلفة و أكثر إزعاجاً. و من هنا أشدد على أهمية الصحة النفسية. فإن استقرت النفس، وجد الجسد توازنه و مركزه. و أخص بالذكر الاضطرابات النفسية مثل القلق و التوتر و الاكتئاب و الرهاب الاجتماعي و الوسواس القهري، الذي أظهره كوفيدـ١٩ على السطح بعد الاغلاقات العالمية و التباعد الاجتماعي و الإجراءات الاحترازية. فلا يجب التهاون أبداً مع هذه الاضطرابات التي تؤثر على سلوك الفرد و تفكيره بشكل سلبي، بل و قد تتطور إلى رغبة في الانتحار أو إيذاء النفس أو الغير أو أن تؤدي إلى أمراض عقلية لا سمح الله في حال تجاهلها أو التأخر في علاجها.

الصحة النفسية مهمة بقدر الصحة الجسدية أو ربما أكثر. و هذا ما يجب أن يتأصل في ذهن العقلية العربية التي لا تزال ترى أن سبب الاضطرابات النفسية (الرئيس) هو "البعد عن الله و التخلي عن العبادات". فكم من شخص مكتئب، قيل له: "صلْ، و اقرأ سورة أو سورتين من القرآن، لتبعد عنك الأفكار السوداء!". كم من شخص قلق قيل له:" تعوذ من ابليس و كل وجبة خفيفة تطفأ بها دوار رأسك و برودة أطرافك!". هذه العقلية الخائفة حتى الموت من الاضطرابات النفسية، هي ما تساهم في تكاثر الاضطرابات النفسية و نموها.

يجب علينا أن نتقبل وجود الأمراض النفسية في المجتمع العربي، و أن نجعلها أمرأً عادياً بتعاملنا معها كما نعامل الأمراض الجسدية، عبر الذهاب إلى الأطباء المختصين، و أن نتحدث عنها بشكل طبيعي في جلساتنا اليومية و الاجتماعية. لا عيب في المكتئب الذي يحاول التخلص من اكتئابه، العيب كل العيب في من يرى في الذهاب إلى الطبيب النفسي أمراً يدعو إلى السخرية و التنمر!

الحديث عن الصحة النفسية و خاصة في وقتنا الحاضر يطول، خاصة مع حالة التباعد الاجتماعي الذي أُجبرنا عليه، و لكن هنالك خطوات صغيرة يمكننا التمسك بها حفاظاً على صحتنا النفسية و العاطفية، أبرزها التمسك بعلاقاتنا الاجتماعية و إن كانت "عن بعد" في أيامنا هذه. فالعلاقات الاجتماعية الناجحة أو "المحبة" وفقاً لدراسة شهيرة أعدتها جامعة هارفرد هي أهم سر لسعادة الانسان. و في النهاية، علاقاتنا الاجتماعية هي ما قد يساعدنا للحفاظ على صحتنا النفسية و النجاة بها في زمن الكورونا و ما بعدها.

 

جواهر محمد آل ثاني

الأحد، 31 مايو 2020

معنى أن تكون كاتب


أن تكون أي شيء في أي وقت، هو أمر صعب. و لكني سأكتب عما أعرفه، و هو أن تكون كاتب على وجه الخصوص.. ذلك أمر صعب للغاية. أن تكون كاتب يعني أن تكتب و تنتج. هل يمكن أن نطلق وصف الكاتب على من لا يكتب؟ و هنا تطرأ المعضلة في وقتنا هذا، الذي يتحدى الجميع في أعمالهم و انتاجهم. كيف للكاتب أن ينتج في ظل كل ما يلهيه و من المفترض ألا يلهيه؟ كيف له أن يكتب في زمن الكورونا المستجد و خلال ثورة برامج التواصل الاجتماعي؟ كيف له أن يحافظ على تركيزه وسط معمعة أفكار نهاية العالم، و دعوات المحافظة على الرياضة و الصحة الجسدية و النفسية و العلاقات الاجتماعية؟ كيف له أن يكتب و هو يفكر بحال حياته و مستقبل عمله و مصير الاقتصاد؟ تساؤلاتي هذه لها أساسها قبل وجود فيروس كورونا المستجد، و لم يقم هذا الفيروس سوى بمفاقمة الوضع، فقد كتبت مثلاً أحلام مستغانمي في كتابها (شهياً كفراق)، عن مرور سنوات دون أن تشعر بها أو تكتب فيها. شغلتها الحياة.. و الفيس بوك. و الآن أمامنا فوضى الحياة، و كورونا، و مائة ألف شيء يلوح في الأفق!
لا يوجد أسهل من الصياح و النصاحة: اكتب! و حسب. بلا أعذار أو تخفي وراء المشاغل و المشاكل!”. و الحقيقة أن النصحاء معهم حق، إلا أننا في زمن المشاغل و المشاكل! و أن نتوارى وراء مشاغلنا و مشاكلنا هو كل ما بقي أن نفعله كيلا نكتئب أكثر من فكرة بأننا نقضي هذه الفترة بدون أن نخط حرفاً. و نزيد من جرعة المرارة الحالية عندما نتذكر بأن كل هذا كان يمكن تلافيه لو كتبنا كلمة واحدة، تحمل عنا بعض ألم و ضغط عيش الحياة اليومية. فالكتابة بالنسبة للكاتب، مضاد حيوي لالتهابات الحياة.. الكتابة رياضة بالنسبة للكاتب كرياضة المشي.. تخفف التوتر، تزيل الشكوك و الضغوط، تصفي الذهن، و تنظم ضربات القلب.
الكتابة هي أصعب و أسهل شيء يمكن للكاتب فعله، و لذلك، من السهل على الكاتب أن يكتب، و لكن من الصعب جداً أن يكون كاتباً. فما بالك أن يكون كاتباً جيداً؟

جواهر بنت محمد آل ثاني

حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...