الخميس، 9 مايو 2013

الحياة أخلاق!

(١)
من أهم الأمور التي يلزم على كل شخص تعلمها هي مكارم الأخلاق وآداب الحياة، والسبب الذي جعلني أغفل وضع "العلوم" في المرتبة الأولى، فهو أن الأخلاق علم من العلوم، ولأن بقية العلوم -رغم أهميتها- يمكن لأي راغب ومهتم أن يتعلمها عبر بحثه عن كتاب أو أستاذ يشفي غليله في ذاك الحقل، أما الأخلاق فلا يمكن أن يتم ذلك معها، بالإضافة إلى أن العلم الحقيقي يُبنى على قاعدة الأخلاق كهرم، لا العكس.
(٢)
يمضي الكثير حياتهم وينتهون منها وهم لا يعرفون لا طعم ولا رائحة ولا جمال الأخلاق. البعض يظن أنها عائق في طرق الحياة، خاصة في مجال العمل، والبعض يظن بأنه وُلد وهو مكتسب كل مكارم الأخلاق، وأن بقية الناس عكسه، والبعض -وهم العملة النادرة- لا يفعلون ولا يقولون شيئاً إلا ويراجعونه تائبين: "هل أخطأنا في حق فلان عندها؟ هل كان يلزم أن نقول ما قلناه؟ هل يجب علينا أن نعتذر؟ هل شكرنا فلاناً؟ هل قصرنا معه؟ هل ساعدناه؟"... ويستمرون هكذا في حياتهم.
(٣)
الحياة عبارة عن وعاء للخبرات، والخبرات التي لا تجر أخلاقاً وراءها لا خير فيها، فالأخلاق كعلم، لها مصدر وأثر ونتائج ومظاهر، وبسبب ذلك كله يجب برأيي تدريسها كمادة علمية عملية منذ الصفوف المبكرة في المدرسة للطفل، وبطرق تعليمية مبتكرة تشد الطالب نحو هذا العلم، مثل القصص والمسلسلات الكرتونية والصور والوسائل المحببة التي تزرع ثقافة الأخلاق في وعيه، دون إحساسه مثلاً بثقل عمل الخير والصواب.

كلمة أخيرة
ساعدوا، ابتسموا، اخدموا، اعملوا، واشربوا من الحياة ألذ رحيق فيها، الأخلاق، ثم تخلصوا من الندم والقلق بعد الكأس الأول.


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.

الخميس، 2 مايو 2013

قليلاً من السلام!

الإنسان وفق نظرية داروين ببساطة، مر بعدة مراحل، كان في بدايتها حيواناً إلى أن وصل إلى ما هو عليه اليوم. كلما مر الوقت علا صدى هذه النظرية في أذني.. وكلما قلبت هذه النظرية في رأسي قلت -قبل أن أتعوذ من الشيطان- ربما كنا بالفعل حيوانات في بداية حياتنا على الأرض، وإننا تطورنا مع الوقت ولكن إلى الأسوأ، حتى ارتبط تطورنا بالقسوة والوحشية، وبأفعال ما كانت حتى الحيوانات لتفعلها بنظيراتها.


تاريخياً، يُعد وقتنا هذا من أكثر الأوقات استقراراً وسلماً على الأرض بين الدول والأمم، ولكن رغم ذلك نرى صعوداً للوحشية والقسوة وازدياداً في تنكيل الإنسان بأخيه الإنسان والحيوان وحتى النبات!

يستشهد البعض بجريمة قابيل وبأوقات العصور الوسطى وعهد جنكيز خان وغيره من الحكام الدمويين، دلالة على أن وحشية الإنسان موجودة مذ بداية الخلق، وأنها لم تزدد في الآونة الأخيرة، وإن كان قد ازداد الإحساس بها نتيجة انتشار وسائل التوثيق بين الناس، من كتب وصور وأفلام وأخبار وغيرها من الوسائل الأخرى.

لست مقتنعة كثيراً بالحجة السابقة، لأن الجرائم الجماعية والتفجيرات الإرهابية لم تكثر إلا في عصرنا، والصمت الدولي والإنساني لم يكن أعلى في وقت من الأوقات أكثر من عصرنا.

العنف الذي نسمعه ونراه في فلسطين وسوريا والعراق وإيران وكوريا الشمالية مهمته التصاعد، وبقية الدول واقفة على مسرح العالم بلا حراك وفي صمت مخز.

قليلاً من الإنسانية رجاء، لو بقي من مسماها معنى! قليلاً من الرحمة والمودة والأخوة! قليلاً من الحب والغناء والسلام!

يغني جون لينين في رائعته «تخيل»:

«تخيل أن كل الناس يعيشون في سلام..

**

بإمكانك أن تقول إني حالم،

ولكني لست الوحيد..

آمَل أن تنضم إلينا يوماً

وسيصبح العالم كشخص واحد

**

تخيل أن ليس هناك أملاك..

أتساءل إن كنت تستطيع!

لا حاجة للطمع أو الجوع

فقط أخوّة الإنسان..

تخيل أن كل الناس يتقاسمون العالم....»

تخيل! هل لك أن تتخيل؟  


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
 المصدر

المدن تتعلم أيضاً

يعبر عن المدن أبناؤها ويعبر عن أبنائها ما يفعلون بها. الأرض لا تتكلم لكنها تفعل ذلك بألسنة مواطنيها، والأرض هي من تتحمل، لكن مواطنيها هم من يتجملون.


مدن اليابان مثال على تلك المدن المثالية البناء والمواطنين، فكل قاعدة بنيت بإخلاص، وجل الإخلاص وُلد من بطن المعاناة والمأساة، من زلزال ١٩٢٣، إلى خراب الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى زلزال ٢٠١١، الذي أعقبه التسونامي المدمر. هذه دولة لا تنتهي الكوارث فيها، بل تبتدئ منها وتنتهي إليها، ورغم كل ذلك يعمل ويعمر مواطنوها كل يوم جزءاً منها، فلا هم يهربون ولا هم يتهربون.

اليابان دولة لا ترى فيها سلات القمامة في الشارع، ورغم ذلك لا ترى أيضاً أية قاذورات هنالك. هي دولة يتعلم فيها الطباخ المتخصص في السوشي لمدة تصل إلى عشر سنوات كي لا يصيب أحداً بالتسمم. هي دولة يعطي أفرادها %١١٠ من طاقاتهم لها لاعتقادهم بأنها ليست هي من تمثلهم فقط بل هم من يمثلونها أيضاً. اليابان دولة فازت وتفوز وستفوز، فازت على أميركا في الحرب العالمية الثانية بعد أن تغيرت وتطورت وتعلمت من مأساتها وأخطائها، وتفوز في يومنا الحاضر بتكنولوجيتها العالية وحركتها التي لا تهدأ في مجالات، كمجالات الصناعة والاقتصاد والتجارة، وستفوز بنظرتها للمستقبل، وبطموح وعمل من يدفعون بها إلى الأمام.

دولة لا تتعلم من مأساتها وأخطائها لن تفوز لا في سباقها مع نفسها ولا في سباقها مع غيرها، ودولة كهذه ستخسر بسبب مواطنيها الذين لم يعملوا لها بقدر ما كانوا يعملون لأنفسهم. اليابان تعلمت من كوارثها الكثير حتى أصبحت مثال الدولة المتقدمة والمتطورة، وما جعلني أعطيها هذه الأوصاف هو ظني، مطابقتها لمعيار الدول المتقدمة الذي أعتقده، وهو إجراءات السلامة في الدول، فكلما اهتمت الدولة بسلامة أفرادها في الخارج والداخل، وفي الحاضر والمستقبل، تقدمت الدولة. هذا ما تعلمته اليابان، وهذا هو ما علمها النجاح.  


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
 المصدر

من أنا؟

(1)


الحياة ليست إلا مستودعاً، يبحث فيها الإنسان عن نفسه. يبدأ رحلته من الباب الأمامي، وسرعان ما يجد نفسه خارج المستودع، يبحث عن ساعته التي أضاعها في الداخل، فلماذا يبحث عن نفسه؟ ولماذا تنتهي حياته وهو ليس متأكداً مما وجد؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها كل إنسان بعد أن يسأل نفسه: من أنا؟ وإلى أي حد قد أذهب كي أكتشف نفسي؟ وحده الناجح يعرف جواب هذه الأسئلة، أما بقية الناس فقد يستدلون بالأفلام والكتب والواقع والخرافات والموسيقى، وقد يصلون بعدها إلى حل معضلة «من أنا» أو لا يصلون، لكنهم بالتأكيد يحاولون قبل أن يصل اليأس إلى قلوبهم، ومن ثم إلى حياتهم.

(2)

من أنا؟
أنا فكرة، أنا خطوة، أنا كلمة، أنا حية، أنا شعور، أنا قبيلة، أنا سفينة، أنا كل شيء، ولا شيء، ولذلك أتعوذ من كلمة أنا!
هذه إجابة نموذجية، لسؤال من أنا، لكنها إجابة لا تحل السؤال، بل تعقده أكثر، فتضع من بين ثناياه أسئلة، تُولد أسئلة أخرى، فإن كنت أنا فكرة، فما هي الفكرة التي أعبر عنها؟ وإن كنتُ خطوة، فنحو أي اتجاه أنا ذاهبة؟ وإن كنتُ كلمة، فما هو المعنى الذي قُصد بي؟ وإن كنتُ حية، فما هو الشيء الذي يعطيني تلك الصفة؟ وإن كنتُ شعوراً، فما هو الشعور الذي يميزني عن غيري؟ وإن كنتُ قبيلة، فإلى أي أرض سألجأ؟ وإن كنتُ سفينة، فعند أي ميناء سأرسو؟ وإن كنتُ كل شيء، ولا شيء، فلماذا إذاً لا أشعر بالتوازن والكمال؟


(3)
ميلاد الإنسان يبدأ بسؤال من أنا، هذا هو أهم سؤال، وإجابته أخطر إجابة؛ لأنه بحسبها يحدد الإنسان اتجاه حياته وخطواته وخطته، بحسب الإجابة يبدأ مشوار الإنسان في تحقيق ذاته بعد أن عرف أولوياته، ومهمته، واهتماماته، بحسب الإجابة يمكن للإنسان استشراف مستقبله، حسنه وسيئه، طوله وقصره، استمراره وانقطاعه، والإنسان وحده هو من يملك تفتيت مستقبله، فيفعل ذلك بخطة خاسرة يلعبها بقطع شطرنج الحياة بعد أن يفشل في معرفة نفسه.
لا نقرأ كتب التاريخ على سبيل اللهو، ولم توجد القاعدة الأبدية «التاريخ يعيد نفسه»، من باب المفارقة إن حدث فعلاً وكرر نفسه، بل نقرؤه كي نعرف من كنا، لنعرف بعدها من نحن، ومن سنكون في المستقبل، ولكي نعرف، إن كانت نسختنا المستقبلية أفضل أم لا، فلنحرص إذاً على استشراف المستقبل جيداً، والعمل عليه بعد العثور على المفتاح الذهبي «الأنا». 


 جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
 المصدر  

الخميس، 11 أبريل 2013

كلمات

(1)‬
أقوى الأدوات في هذه الحياة كلمة، فماذا إذاً يمكن لكلمات أن تفعل؟ الكلمات يمكن أن تطرب الإنسان وتعبر عنه، وتلهيه، وتشده لمقعده ليواجه كل خلية حية في جسمه وكأنها مع نفسه في حالة حرب، ويمكن أن تضجر الإنسان، وتغضبه وتجعله يزمجر كالأسد الجائع، ويمكن أن تستعطفه، وتغويه وتفسده وتصلحه، وتحرضه، أو أن تجعله على الحياد. ويمكن لكلمة أن تفعل كل هذا ولا تفعله، فالحياة -كما يقول الحكماء- كلمة! ولا أحد في الحقيقة -لا أحد- يعرف قيمة الكلمة أكثر من السياسيين والكُتاب والحكماء!
(2)
أطربتنا ماجدة الرومي في عام ٩١، فغنت:
يُسمعني.. حينَ يراقصُني
كلماتٍ ليست كالكلمات
يأخذني من تحتِ ذراعي
يزرعني في إحدى الغيمات
ما الفرق بين هذه الكلمات عندما تُقرأ، وعندما تغنى؟ هي تبقى كلمات، ولكنها تخلق حالتين مختلفتين يعيشهما الإنسان، فعندما تغنى، تكون الكلمات وكأنها زهرة يمكن للإنسان رؤيتها والاقتراب منها وشمّها، وعندما تقرأ تكون تلك الزهرة خيالية، لا يستطيع الإنسان إمساكها ولا شمها، وكل ما يستطيع فعله هو محاولة تصورها في رأسه. هذا هو سحر الكلمات، لنا قدرة استخدامها كما نشاء، ولها القدرة على سحرنا كيفما تشاء!
(3)
تضمن فيلم أميركي عنوانه «كلمات»، إشارات كثيرة إلى أهمية الكلمة -بطبيعة الحال-، وإلى أهمية الكلمة الصادقة بشكل خاص، فبطل الفيلم مثلاً الذي حاول كثيراً أن يكتب من أعماقه، وأن يستخدم كل الكلمات الصادقة التي تعبر عنه وعن حياته، لم ينجح ككاتب، وما استطاع أن ينجح إلا بعد أن سرق كلمات غيره، أي بعد أن اختار كلمات «كاذبة» لا تعبر عنه بل عن كاتب آخر. في نهاية الفيلم، يشير البطل إلى أن الكلمات هي كل ما يهم في الحياة، وأننا نحيا بسببها، ومن أجلها، وهذا ما جعلني أكتب عن الكلمات، لأننا نمر بجانبها كل يوم ولا نلتفت إليها ولا ننظر في دواخلها ونياتها، فنفوت القصد منها، ونخسرها قبل أن تخسرنا.
الكلمات -كغيرها من وسائل الاتصال والتعبير- أبدية، لأنها وُجدت لتصدق ولتنصر ولتعبر عن الحالة التي وُجدت من أجلها، والتي أحاطت بها أو حاولت ذلك، وهو من المهم أن تكون الكلمة صادقة لأنها هي الباقية، أما الكاذبة ففانية، مهما حدث، وإن وصلت بصاحبها إلى المكان الذي يريده، وهو من المهم أيضاً أن نبدأ بالنظر إلى الكلمات بعمق، ونهتم بها، أي تلك التي نقرؤها ونسمعها ونكتبها ونقولها، كما نهتم بملابسنا ومظهرنا، لأنه عندها فقط، سنسمو فوق السطحية التي تعشعش فوق رؤوسنا، وستصبح كلماتنا التي تترجم أفكارنا «كلمات ليست كالكلمات».


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 4 أبريل 2013

لا تنس روحك

أسوأ أمر ممكن أن يحدث لإنسان هو أن تترهل روحه. سيسأل البعض، ألروح تترهل؟ نعم تترهل الروح كما يترهل الجسد تماماً، تصيبها التجاعيد والأمراض والإشعاعات أيضاً، كما أن ضرر الروح أشد وآلامها أقوى من آلام الجسد الفانية إما بالدواء أو الموت.
تترهل الروح عندما ينسى الإنسان تغذيتها بالدين والعلم والأخلاق والنور الذي يسكن الطبيعة. تترهل الروح عندما يغفل الإنسان عن إعطائها لحظات من دقائق حياته، بالتسبيح أو بالغناء أو بالقراءة، وهو في طريقه لاجتماع عمل، أو وهو في انتظار صديق في حديقة عامة، أو وهو بصحبة الليل والأرق. فكل ما تحتاجه الروح هو لحظات من حياة الإنسان يعطيها إياها لتغذيتها لا لإشباعها، لأن الروح المشبعة تثقل على الإنسان حياته، وتجعله بليداً، بعيداً عن السعادة والحياة.
الروح تحتاج إلى قليل من الجوع، كي تجذب الإنسان إليها وإلى الحياة، وتبقيه على موعد حب معها وموعد شوق إلى الحياة، لأن الروح إن وُجدت تُوجد الحياة، فإذا كانت الروح جميلة كان الفن، وإذا كانت الروح راقصة كانت الموسيقى، وإذا كانت الروح مبذرة كان الأدب، وإذا كانت الروح حية كانت الدنيا.
الروح تحمل تلك الساعة التي تمنع الإنسان من مضي حياته دون الشعور بها، تنبهه في كل حين حتى لا يستيقظ بعد عشرين أو ثلاثين سنة، متسائلاً فيم أفنى عمره؟ فالحياة مثل الساعة، لا ترجع إلى الوراء، والإنسان يشيخ بشكل أسرع لا عبر مضي أيامه، بل عبر استيقاظه في يوم من الأيام على وسادة بلا ذكريات، أو على ذكريات نسي المكان الذي وضعها فيه.
يقول الروائي والشاعر الإنجليزي ديفيد هربرت لورانس: «الحياة ملكنا لننفقها لا لنحافظ عليها». الله لم ينفخ في سيدنا آدم الروح، ليشابه الإنسان غيره من المخلوقات في قعودها وقيامها وعملها، بل كان قصده أعظم من ذلك، حتى قال علام الغيوب للملائكة «إني أعلم ما لا تعلمون». والحياة بين أيدينا لا لنتشبث بها دون أن نعيشها، بل لنعيشها من أجل أن نتشبث بها وتتشبث بنا، فلا نجعل حياتنا تكراراً لحياة من قبلنا، أو من يعاصرنا، ولا نجعل أرواحنا أيضاً مكررة، تاريخ انتهائها يكون عند الموت، إلا أنها تفقد صلاحيتها قبل ذلك بكثير.


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 28 مارس 2013

قطر من الداخل

يرد اسم قطر كثيراً في الصحف، ومعظم تلك المقالات التي تحوي اسم قطر، إن لم تكن كلها، تُكتب من قبل أشخاص ليسوا بقطريين، ولم يزوروا قطر، أو أنهم لم يزوروها حديثاً، وكانت آخر زيارة لهم قبل عشر سنوات أو أكثر، والأمْرُ الأمَرّ، أن تكون معظم تلك المقالات والكتابات الصحافية سلبية، وبلا أدلة وبراهين، فتكون أشبه بالملابس المبللة التي تسقط من حبل الغسيل في أول دفعة لها من الريح، ولكن يبقى الاستثناء لكل قاعدة، والأكيد بأنه يوجد من كتب بشكل موضوعي عن قطر بشأن ناحية من النواحي السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية إلا أن الخارج يختلف عن الداخل، وما يعكسه المظهر يغاير بشكل أو بآخر ما يحتويه المضمون. قطر في نظر الخارج، ليست نفسها من منظر الداخل، فلو كتب أو تكلم مواطن قطري عن قطر، فإنه سيفعل ذلك بشكل مختلف عمن يراها من الخارج كحلم أو خيال يراوده إذا ما أراد أن يعطي كتاباته أهمية أو أن يُنجح خبطة صحافية.
لو تكلم المواطن القطري عن قطر فإنه سيقول إنه يتذوق أطعمة وفنون الشعوب في كتارا، وإن مسرح قطر الوطني ليس مسرحاً قطرياً في الحقيقة، ولا حتى خليجي، بل مسرح عالمي، مفتوح للجميع. المواطن القطري كان ليقول إن قطر حاضنة لهموم العرب والإسلام، وإنها تدفع وتدافع بحلول وأفعال عاجلة، لا بأقوال ومسكنات فقط كمعظم الدول الأخرى. المواطن القطري كان ليقول إن دخله هو من أعلى الدخول في العالم، وإن دولته الغنية أعطته ما يستحقه منها، لكن ذلك لا يعني تصوير الإعلام العالمي له بالغبي ذي الجيوب المليئة والعقل الفارغ. المواطن القطري كان ليقول إنه يصحو وينام تاركاً باب بيته مفتوحاً بلا خوف أو قلق، مضيفاً أن القانون في قطر يطبق على الجميع، كائناً من كان، ذاكراً بكل فخر بأنه في نهاية هذا العام سينتخب بإذن الله ممثليه في مجلس الشورى ليعاونوا الأمير ووزراءه على إدارة شؤون الدولة.
العيون التي تراقب قطر من الداخل تلاحظ الحركة المستمرة التي لا تنقطع فيها كحركة خلية النحل، وتتنوع هذه الحركة من حركة فنية وسياسية واقتصادية إلى حركة رياضية وإنسانية وتعليمية، جمعت قطر بين كل هذه الحركات وخلقت رقصة يشهد الجميع بتعقيد خطواتها وجمال انسيابها، أما بالنسبة لمن يراقب قطر من الخارج، فقد قيل سابقاً من راقب الناس مات هماً، والأولى أن يُقال الآن: «من يراقب قطر محاولاً تصيد الأخطاء -خاصة وإن لم يكن يعرفها حق المعرفة- سيموت في همه قبل أن يوفق في شيء من ذلك».


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

تأملات امرأة

    المرأة في حالة ترقب دائمة حتى قبل أن تُولد. هل سيتقبلها الأهل الذين كانوا يتمنون ولداً سراً أو جهراً و ظهرت إلى الدنيا بدلاً عنه فتاة؟ ه...