الثلاثاء، 20 سبتمبر 2016

مجموعة انسان

ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ أي ما الذي يميزه عن غيره ويجعله صرحا يتم التعرف عليه فوراً ككيان مميز؟ ما الذي يجعل كل ما يختلف عن الإنسان مختلفا عنه؟ ويجعله هو نفسه مختلفا عن غيره؟
الجواب يكمن في المشاعر التي تنتاب الإنسان، من حب وشفقة وتعاطف وحزن وغضب وحقد وغيرة وقلق وخوف وسعادة وارتياح وتعب واستسلام ويأس. وحتى في هذه المشاعر تفصيل يلحق التفاصيل، فعند العرب مثلاً ١٤ درجة للحب، تبدأ بالهوى ثم الصبوة ثم الشغف ثم الوجد والكلف والعشق والنجوى والشوق ومن ثم الوصب والاستكانة والود والخلة والغرام وحتى الهيام، مرحلة جنون الحب. وفي تفصيل آخر، لا يشبه الحزن مشاعر أخرى تشبهه كالهم والغم والبث والكرب والحسرة. كلٌّ له موقعه وإعرابه.
وكل ما في الكون يشعر. الحيوانات تشعر بالحب والخوف والخطر والشفقة. والنباتات تحس رغم عدم امتلاكها لخلايا عصبية متطورة. والأشياء من ماء وشجر وغيرها تشعر أيضاً. بل والكون نفسه يشعر ويمتلك أحاسيسنا. كيف لا ونحن نملك مكوناته في أجسادنا؟ كيف لا ونحن صورة مصغرة عنه؟
كلنا نشعر ونحس، ولكن ما يجعلنا نحن وهم هم.. هو مجموعة الأحاسيس التي تُضخ وتُخض في داخلنا لنصب بعدها كوكتيلاً نعطيه غيرنا ليشربه أو لنرميه عليه بحسب المزاج الذي أُخرجت معه أحاسيسنا.
الإنسان هو المخلوق العجيب الذي قد يكره شخصا ما ويحبه في الوقت نفسه. هو الذي يُعجب بإنسان آخر ويحتقره في الدقيقة ذاتها. هو الذي قد يمشي إلى موته لأنه شعر بأنه لن يقدر على الحياة لو امتنع عن ذلك. هو الكيان الذي يرتاب من أبناء جلدته ويرتاح للغرباء. هو الذي لا يعرف إلى من يصغي في أحيان كثيرة، وفي أحيان أكثر، يكون الصوت المصغي إليه هو صوت لا يمت إلى صوته الداخلي بصلة.
قد يقول أحدهم بأن المشاعر واختلاطاتها داخلية لا يمكن قياسها بميزان أو حساب، وهذا الرد مقبول ومعقول، ولهذا أزيد على قولي بأن كوكتيل المشاعر الذي يفصل ما بين الإنسان وغيره، يُقاس بالأفعال الخارجية لا الفروضات الداخلية. هل سبق أن رأينا حيوانا يحب ويكره الشخص نفسه؟ أو نبتة تبعد جذورها عن منطقة توجد بها جذور لنباتات سامة وفي الوقت نفسه تبقي فيه أحد جذورها كعربون سلام؟ لم ولن نرى ما يشبه ذلك إلا تحت يد الإنسان. ذاك الكائن يشبه ولا يشبه طبقات الأرض، وعمر الشجر ودوران السماء في الصيف وحمى الشتاء في سيبيريا، وحلاوة الليمون على القطار وكل شيء يناقضه ولا يناقضه. هو في النهاية مجموعة وليس واحدا، هذا الإنسان.




جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


«وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ»

في هذه الأيام المباركة نلتفت إلى العبادات خاصة المساجد، بيوت الله وقبلة العبادة الأولى. نرتادها ونعادها، نسلم عليها ونعودها، يعجبنا أحوال بعضها ولا يعجبنا حال بعضها الآخر.
والواقع أن ما لا يروق لنا أكثر مما يحوز على رضانا، وبما أن إصلاح الحال لا يكون إلا بمعرفة الأحوال، سأسرد عليكم ما أعرفه من أحوال المساجد في الدول الإسلامية والعربية.
يكثر بناء المساجد في الدول العربية والإسلامية، الناس لا يتوانون عن ذلك مشكورين طلباً للأجر، ولكن الكثير منهم يقيمون المساجد ثم ينسونها أو يعتقدون أن عملهم انتهى بانتهاء عمل المقاول، وكأنهم لم يقرؤوا قوله تعالى: «إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ».
معنى العمارة في هذه الآية أشمل من معاني البناء وإقامة المسجد وحسب، ويتعداه إلى معاني الاستدامة والمحافظة عليه بشكل يليق به كبيت لله وزواره. ولأوضح مقصدي أكثر، سأعطي مثالا لمسجد أقامه صاحبه وتركه حتى أصبح عرضة للانهيار أو تعرض لعطل في تصريف المياه حتى أصبح عبئاً على المكان الموجود به بعد أن كان مكانا للراحة، ما مصير أجره الآن؟
مشكلة أخرى مرتبطة ببناء المساجد هو كثرتها في المكان الواحد نفسه، فنجد كما قد سبق للكاتب مشعل السديري الإشارة إليه مسجدا بين كل مسجد ومسجد! والنتيجة، هي فراغ المساجد وتوزع المصلين بينهم وقت الصلاة. أين نجد البنيان المرصوص؟
ولا أنسى المساجد المختلفة لكل مذهب وفرقة. أليس المؤمنون إخوة؟ أليست المساجد لله؟ ألسنا راجعين إلى الله؟
وفي كل هذه المساجد نجد اللافتات المختلفة: النوم ممنوع، ممنوع الأكل والشرب، الكلام ممنوع، والأدهى والأمر أن تغلق بعض المساجد في غير أوقات الصلاة! إن لم تفتح بيوت الله للناس، أي الأبواب ستفتح؟!
على الجهات المختصة برعاية المساجد في الدول العربية والإسلامية الوقوف على عملها، لا تنقصهم الموارد ولكن ينقصهم التخطيط وحسن التدبير.
إذا لم نحرص ونحافظ على المساجد التي نتعلم عبر ارتيادها حسن الخلق والتدبر، فعلى ماذا سنحرص؟!




جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


مخاوف

ما الذي يخاف منه الناس؟ ما الذي يجب أن يخاف منه الناس؟ سؤالان متقاربان ومتباعدان بينهما مسافة بلا قياس واضح.
الذي يجب أن يخاف منه الناس، لا يكون بالضرورة ما يخافه الناس فعلاً، ومن له الحق في تحديد ما يجب على الناس الارتعاد منه من عدمه؟ أنا، أم أنت، أم الصفوة، أم ما جرى عليه في المجتمع نفسه؟
يخاف الناس من الموت، والتحدث أمام الجمهور، والحشرات، والأماكن العالية، والضيقة، وغيرها من الأمور والأشياء التي قد نجدها طبيعية أو غير العادية في بعض الأحوال مثل الخوف من الأزرار أو الشموع أو الأشياء والصور التي تحمل فتحات صغيرة متراصة مثل خلايا النحل.
غير المصابين بهذه الأنواع من الخوف أو الفوبيا أو حتى المصابون بها سيعطون إجابات مختلفة على سؤال: ما الذي يجب أن يخاف الناس منه؟ وهذه أجوبة بعض الكتاب: الخوف. الموت. انقطاع العلاقات الإنسانية وتباعدها.
وقد يضيف آخرون الوحدة وفقدان الخصوصية والظلم. وفي رأيي أهم ما يجب أن يخاف منه الناس هو المشاعر السلبية التي تختلجهم من غرور وحقد وخاصة الأنانية. ولا أعني الأنانية الإنسانية الموجودة في جينات الفرد، بل أقصد الأنانية الصاعدة لمعبد تأليه النفس، بحيث يضع الإنسان نفسه في مرتبة فوق الناس، هو ومن بعده الطوفان، يصبح وقتها همه الأول والأخير تحقيق ما يريده على حساب غيره وإن أضرهم ضرراً لا يفيد بعده نفعاً، هذه الحالة هي ما يجب أن يخاف منه الناس، لأنها تأكل الإنسان وتجعل ما حوله يتآكل. لن يبقى صديق في الجوار وستصبح الحياة أكثر وحدة، ويولد في النفس جوع لا يسده شبع ولا آمان ولا مال أو بنون.
ما الذي يجب ألا يخاف منه الناس؟ أسئلة تجر أسئلة في حلقة لا تكف عن الدوران مثلها مثل الحياة. وفي الحياة كل شيء يحتاج إلى سؤال كي يبدأ. كل شعور كل فكرة كل فعل وردة فعل كل ذكرى كل قلب كسر كل خاطرة كل عملية كل مصارعة ثيران كل دعوى قضائية كل جريمة كل فضيلة كل انتخابات نزيهة وغير نزيهة كل لوحة كل فنان وكل مقالة.
بالنسبة لي، أخاف من أن يقرأ ما أكتبه ولا يصل. والحقيقة بأنه يجب علي أن أخاف من ألا أقرأ من البداية وحتى النهاية.




جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الجمعة، 26 أغسطس 2016

في التعبير والعدم

(١)
لا يفوز بجائزة الأوسكار عن فئة التمثيل من يلعب دوره على النحو المطلوب، بل من يعرف التعبير عن مشاعر وأحاسيس الشخصية بالشكل الصحيح، ولا يكسب المغني قلوب الناس بالكلمات والألحان الجيدة فقط، بل وبغنائها أيضاً بطريقة مفصحة تناسب الأغنية. ولذلك نجد أغاني رائعة لم تجدْ شهرتها عبر الفنان الأصلي مالك الأغنية بل عن طريق مغنٍّ آخر عرف كيفية أدائها والتعبير عن فحواها.
التعبير عن المشاعر والأحاسيس له صور مختلفة وكثيرة قد لا نفهم كيفيتها أو حتى طريقة وعينا بها في حالات معينة، مثل حال مكالمتنا لشخص ما لا يجمع بيننا وبينه سوى سلك الهاتف ورغم ذلك نستطيع الشعور به مبتسماً في الضفة الأخرى.

(٢)
عمران تحت الركام، صاحَبت الجملة السابقة صور وفيديو للطفل السوري وهو يُخْرَج من تحت أنقاض سوريا دون بكاء، وعلى وجهه أثر الصدمة والذهول مما أصابه ليمسح بعد ثوانٍ دمعة تسربت من عينه اليسرى، والأكيد أنه كان يلومها متذكراً بأن دموعه ومشاعره وتعابيره بلا فائدة في ضوء كل ما يحصل له ولغيره في سوريا، ألم نذهل قبل ذلك من صور إيلان؟ ألم نندد و“نقلق”؟ ألم نهدد ونتوعد؟
أين كانت وأين أصبحت تعابيرنا التافهة مقارنة بتعابير عمران وإيلان ومحمد الدرة؟
رحمنا ناجي العلي عندما حمانا من تعابير حنظلة أمام كل ما يحصل أمامه، أعطانا ظهر حنظلة وجعلنا نشاهد ما يراه دون أن ندقق في تعابير وجهه، من المؤسف وغير المؤسف أن الواقع يطلعنا على تعابير الأطفال المؤلمة والمحطِمة لما تبقى من إنسانيتنا.

(٣)
أيهما أقسى: التعبير أم عدمه؟ لن يعرف أيّا منا الإجابة إلا عندما يقع في فخ الموقف. الحبيب الذي ينتظر من محبوبه إعلان حبه، يلعن خيانة التعبير، والصديق الذي رمى صداقته في لحظة غضب يتمنى قطع لسانه قبل تلك اللحظة التي باح فيها عما شعر به.
ولا شيء أقسى وأوقع على النفس من مشاهدة كل تلك التعابير وعدمها، وفقدان المقدرة على فعل أي شيء.
آسفون يا عمران.


جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الأربعاء، 24 أغسطس 2016

كائن لا تحتمل ثقله

من الممل أن تقابل الأشخاص أنفسهم يومياً ما لم يكن لكل واحد منهم شيء جديد يقدمه.
من الممل عدم تجربة أشياء جديدة أو الخوض في مغامرات مختلفة.
والملل كل الملل أن تسافر إلى الأماكن نفسها التي يسافرها أصدقاؤك وتصور الصور نفسها التي يأخذها معارفك وكأنك لم تسمع مصطفى أمين يقول: رحلة إلى الخارج تساوي قراءة ألف كتاب. ما الذي ستتعلمه إن كانت كل الكتب التي ستقرأها مجلوبة معك من بلادك؟
الروتين غير المتغير أو المتوقف من مدة لأخرى ممل.. وعدم وجود روتين يومي يثير الضجر أكثر.
لا أحد يحب أن يشعر بالضجر ولا أحد يحب الأشخاص المملين، حتى الشخص الممل نفسه الذي نتأفف من قصصه وراء ظهره يكره الناس المملة. إذاً، كيف نقهر الملل أو مساحة الشيطان كما يراه البعض؟ نغلبه بالتغيير الدائم والتجربة المستمرة. التغيير لا يلزم أن يكون جذرياً، بل قد يكون صغيراً لا يلاحظ مثل استبدال طريق العمل اليومي بآخر، أو التنويع في وجبات الفطور أو دخول فيلم لا يناسب بالضرورة ذائقة الشخص. هذه التغييرات وإن كانت بسيطة قد تساعد المرء في اكتشاف أمور جديدة عما حوله وفي نفسه مثل أن هناك طريقا أقل ازدحاماً يربط بيته بعمله أو أن شرب الشاي بدل القهوة على الإفطار أفضل أثراً عليه أو أن أفلام الرعب التي يكرهها ليست بتلك السوء أو التفاهة.
ويختلف التغيير عن التجربة، فهما ليسا الشيء نفسه في جميع الحالات. التجربة تكون عبر تجربة أشياء أو أمور جديدة والتغيير قد لا يكون بالضرورة من قديم لجديد ولكن من مجرب إلى مجرب آخر. والتجربة الأولى لها الأهمية نفسها التي يحملها الانطباع الأول. وهي ليست محدودة كما يظن البعض. التجارب الجديدة تبدأ ولا تنتهي عند قراءة كتب جديدة والسفر إلى دول العالم المختلفة وتجربة المطاعم الشعبية ومشاهدة الأفلام حديثة الصدور.
حتى أكون صريحة مللت وأنا أقرأ وأكتب عن الملل، وحتى هذا الحرف، وافقت ديلان ثوماس وهو يقول: «أحدهم يصيبني بالملل، أعتقد أنه أنا!». وأنت عزيزي القارئ هل مللت؟ أتمنى ألا توافقني الرأي، فأكثر الحوارات مللاً هي تلك التي يتفق فيها الجميع كما سبق أن كتب ميشيل دو مينتين.


جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الجمعة، 12 أغسطس 2016

ماذا عن الفن؟

ماذا نعرف عن الفن؟ وهل نعرفه حقاً؟ هل نفهمه ونعيه؟ هل نعطيه قيمته الحقيقية؟ وهل الفن الحقيقي هو ما لا يُشترى أو ما يُشترى بملايين الدولارات؟ وهل هذا هو المعيار الرئيس أو الوحيد؟
إذا كنت تظن بأنك تملك أجوبة فنانة، فهنيئاً لك. والآن، اسمع ما سأرويه إليك.
قام أحد الشباب بتجربة في متحف في سان فرانسيسكو، ترك فيها نظارته على الأرض في زاوية من الزوايا، وابتعد ليرى ردود فعل الناس. المدهش أن مرتادي المتحف ابتعدوا عن النظارة وأعطوها وضعية العمل الفني، التي يأتي بعدها التأمل ومحاولة الفهم. لم يكن ما قام به الشاب، فخ لهؤلاء الفاحصين، ولكنه فعل ذلك بعدما شاهد في المتحف عملا فنيا جعله يتساءل فيما إذا كان يمكن لعمل كذلك أن يثير إعجاب أي شخص في المكان.
وفي متحف آخر في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، قامت سيدة عجوز بإخراج قلمها من حقيبتها لتملأ فراغات لغز الكلمات المتقاطعة، ظناً منها أنها لعبة، لتعرف بعد ذلك من موظفي المتحف بأنه عمل فني يساوي أكثر من 60 ألف إسترليني.
هل يمكن لأي أحد منا أن يتأكد أنه لن يكون يوماً ما مكان العجوز أو المنبهرين بالنظارة في سان فرانسيسكو؟ وإذا لم نستطع الجزم بذلك فكيف سنجاوب على الأسئلة التي طرحتها في بداية المقالة؟
ما هو الفن؟
في معرض «ماذا عن الفن؟» الذي أُغلقت أبوابه الشهر الماضي في قطر، وتحديداً في الصالة رقم 3 من المعرض، تم تركيب ألعاب تفاعلية للصيني جينوفا تشين. عبر أحد الألعاب يقوم اللاعب باستخدام قطعة اليد لتحريك ما يشبه الريشة عبر الجبال والغابات مع موسيقا جبارة تصاحب الريشة والمناظر الخلابة. وأنا أحرك الريشة، شعرت براحة وسكينة من يجول في حديقة مونيه، وبحرية من يتنقل من مكان لآخر بسبب لعبة بوكيمون قو.
الفن هو بداخلنا، كل منا يقيمه بحسب نظرته للحياة ومن نظارة بيئته، هو ما يحرك فينا مشاعر لم نظنها فينا أو أحاسيس لم ننتبه بأنها سكنت منذ مدة طويلة، الفن خاصة الحديث «يمكن أن يكون نكتة في بعض الأوقات، لكنه الطريقة للتعبير عن إبداعنا الشخصي» كما قال خاياتان صاحب النظارة. وإن كان نكتة فهو كذلك للبعض، وإن كان كتاباً مقدساً فهو كذلك للبعض، لا يرى الكل في لوحات فان غوغ ما يرونه في جرافيتي شوارع ريو دي جانيرو. ولا يرى الجميع الفن في هذه المقالة، بل قد يتساءلون أكثر بعد سؤال: ماذا عن الفن؟ قائلين: أي فن؟


جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


وجه ما

(الوجه الأول)
إذا كنت تظن أن العالم مكان يصعب العيش فيه، فأعد التفكير مرة أخرى، لا شيء يضاهي صعوبة العيش في العالم الافتراضي، ولا شيء يساوي قسوته. في العالم الافتراضي وعلى الإنترنت خصيصاً، هناك من يظهر شخصيته الحقيقية وهناك من يزيفها حتى أصغر التفاصيل، فتجده يسلم بسلام غير السلام الذي يعرفه به أصدقائه، ويتكلم بغير أحاديثه، ويطالب بغير اهتماماته، ومهما بدا الشخص حقيقياً على الإنترنت، أو مهما بدا الشيء حقيقياً، فإنه لن يكون أبداً كذلك.

(الوجه الثاني)
في فيلم Nerve، يصوت لاعبو اللعبة الإلكترونية في أحد المشاهد على مقتل اللاعبة Vee، وبينما يتأكد للجميع من أن كفة التصويت سترجح لنعم، يبدأ اللاعب Ian بمطالبة جمهور اللعبة بالتحلي بالجرأة والتخلي عن أقنعتهم، قبل أن يطالبوا بمقتل Vee. هذا المشهد يختصر واقع العالم الافتراضي الذي يتواجد فيه داعش والدالي لاما وسياسيو العالم وبابا الفاتيكان وأشهر الأثرياء وأبسط الناس، ولا أنسى تجار الدم وسماسرة الأطفال في الشبكة العميقة Deep web، التي لا يصل إليها الجميع. وكلهم ليسوا هم، وهم ليسوا أنفسهم.

(قناع)
قبل عدة أشهر بدأت مايكروسوفت تجربة روبوت، كان الهدف من إنشائه هو التواصل مع البشر والتحدث معهم على طريقتهم. Tay الروبوت الذي كان من المفترض به التحدث كفتاة مراهقة ترى البشر رائعين في أوائل تغريداتها في تويتر، انتهى بها المطاف كعنصرية تشتم الغير وتحرض على الآخرين. انتهت التجربة في يوم واحد بعد أن أوقفت مايكروسوفت الحساب. ولا لوم على Tay، حيث إن ما غردت به كان حصيلة ما تعلمته من التغريدات التي وُجهت إليها، فتعاملت مع الناس كما تعاملوا معها وليس بحسب ما بُرمجت عليه، الهجوم البشري في العالم الافتراضي لا تُخص به الروبوتات فقط، بل الكل، وممن تم الهجوم عليه والتنمر ضده مؤخراً في تويتر، الأميركية ليزلي جونز ممثلة Ghostbusters، بسبب اختيارها كممثلة في الفيلم، لا لشيء آخر كجودة تمثيلها مثلاً.
من آمن العقاب أساء الأدب هذا ما يعتمد عليه المتنمرون والمسيؤون والمعتدون في تويتر وغيره، يختبئون فيه بأسماء وحسابات وهمية، بعد أن أدمنوا الحرية الزائفة، لماذا أسميها حرية زائفة؟ لأنها مؤقتة ولأنها تعتمد على أذية الغير، وهذا ما يمنعها من أن تصبح حقيقية، حيث إن الحرية الحقيقية تتوقف عند حدوث ضرر للآخر.

(قناع فوق القناع)
الكل يلبس الأقنعة، وكلنا نلبسها لنحمي أنفسنا من الآخر، الأشرار يلبسون الأقنعة، والأخيار يلبسونها أيضاً مثل باتمان والجوكر، لكن عندما يكون سبب وجود الأقنعة هو الرغبة في أذية الآخرين فقط، يجب أن يتم التصدي لهؤلاء، ونزع أقنعتهم فوراً، وعدم الرأفة بهم أو الأخذ بحجة عدم وقوع ضرر مادي، ففي بعض الأحيان أكبر الأضرار هي الأضرار المعنوية. وهذا ما يتضح يوماً بعد يوم في الواقع والعالم الافتراضي.



جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


تأملات امرأة

    المرأة في حالة ترقب دائمة حتى قبل أن تُولد. هل سيتقبلها الأهل الذين كانوا يتمنون ولداً سراً أو جهراً و ظهرت إلى الدنيا بدلاً عنه فتاة؟ ه...