الجمعة، 8 يناير 2016

الساعة الآن


(الساعة)
الوقت من أكثر الأمور المحيرة للناس، وخاصة العلماء منهم والأدباء. وقد أفنى الكثير من العلماء كآينشتاين وغيره أعمارَهم في دراسة الزمن المشار إليه بالبعد الرابع. وقال بعضهم بما أخذ به آينشتاين بخصوص نسبية الوقت واختلافه، استناداً لمتغيرات السرعة والمسافة. وقال بعضهم بثبات الوقت أياً كانت الحيثيات. أما بالنسبة للأدباء والفلاسفة فالأمر أسهل وأقل ضجراً، فتارة هم يشعرون بأنهم أصغر سناً من أعمارهم الفعلية، وتارة يشيخون وهم لم يتجاوزوا الأربعين بعد. ومنهم من يستعجل الوقت ليلقى حبيبته، ومنهم من يشتكيه ويشكي عمره كما في البيت القائل: «قالوا ماذا تشتكي قلت الثمانينا».
يزداد الوقت تعقيداً وأهمية عندما نعي أن الأديان أيضاً اهتمت به، وجاءت بذكره كقوله تعالى في سورة المعارج: «تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»، في إشارة إلى يوم القيامة. هذا بخلاف ما يشعر به الفرد العادي كل يوم، عندما يسافر أو يعمل أو يقضي أوقاتاً جميلة أو سيئة. ولكل حالة وقتها وسرعتها التي يشعر بها الفرد، سريعة كانت أم بطيئة!.
الحديث عن الزمن يجرنا لزاماً للحديث عن البدايات والنهايات، والكلام عن بداية الزمن ونهايته لم يتحقق منه العلماء حتى الآن، وإن أعطوا حسابات تقريبية بناء على فرضيات تقبل النقض أو الإضافة أو حتى التأكيد، ولهذا سنتكلم عما هو أبسط وأقرب إلى يومنا هذا، وهو بداية السنة الميلادية 2016.
تكثر مع بداية السنة -بجانب الاحتفالات- الأحلام والآمال والأمنيات والقرارات والتوقعات، وكلها بطبيعة الحال تبدأ إيجابية، حتى تنتهي السنة ويشعر أغلبية الناس باحتلال الإحباط حياتهم، لأنهم فشلوا في تحقيق معظم -إن لم يكن جميع- أهدافهم للسنة السابقة. السبب في هذا الفشل الذريع هو تحديد المرء لوقت بدء تحقيق هدفه أو حلمه، فتجده يختار بداية السنة أو الشهر أو الأسبوع، ولا يبدأ من اللحظة الآنية. سيقول الكثير إن الهدف من تحديدهم لوقت البدء في مشاريعهم وأهدافهم هو الترتيب والتنظيم أو غيره، والحقيقة أن تحديد الوقت يجدر أن يكون تحديداً لوقت البدء والانتهاء معاً من العمل على المشروع أو المخطط أو الهدف، وليس نقطة البداية العائمة فقط. وهذا هو أكبر فارق بين الشخص المتميز والشخص العادي، فالأول يحدد وقت بداية وانتهاء عمله على مشروعه، ويبدأ العمل في لحظتها وإنجاز أكثر مما يتوقعه هو أو يطلبه غيره. أما الفرد العادي فالتأجيل من صفاته القولية والفعلية، وعندما يعمل سينجز المطلوب منه فقط أو سيعطي بقدر ما يأخذ.


(الآن)
حتى يبدأ المرء العمل عليه أن يعثر على الحافز الذي سينشطه ويضعه على الطريق الصحيح، عليه أن يشعل المحرك لدوافنه ويجعله دافعه إلى الأمام. وعندها سيكون التاريخ مجرد رقم في الروزنامة، والوقت نافذة تطل منها شمس أحلامه.




جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الجمعة، 1 يناير 2016

مؤامرة أو أكثر

المؤامرة هي ما يدبره شخص أو أكثر خفية ضد الغير. والمؤامرات بمعناها السلبي موجودة وتحف العالم العربي كما يشعر الكثير من أبناء هذا الوطن الكبير، وإن أسموها بأسماء أخرى كالخدع والمكائد وغيرها.. فعقل الفرد العربي بيئة خصبة لنمو الأكاذيب الحقيقية والحقائق المزيفة. وكما نوهت سابقا في أكثر من مقام ومقالة، السبب الأول يعود إلى المجتمع الأول: العائلة التي تمنع أطفالها عن التعبير والسؤال والاستفسار، وتطلب منهم الخرس في كل زمان ومكان. أما السبب الثاني والذي تلحقه أسباب أقل أهمية، فيرجع إلى المنهج التعليمي المستخدم في المدارس وبعض الجامعات التي تلقن أكثر من أنها تعلم أو تكرس لطرائق التفكير ومهارات الحس النقدي.
بالنسبة لي، فتح ملف المؤامرات مرة أخرى بعدما عرجت إحداهن في حديثها على مؤامرة «سناب شات» المتمحورة حول قيام البرنامج بحفظ جميع الصور والفيديوهات حتى يتمكن مؤسس «سناب شات» من استخدامها لأهدافه الشريرة الانتقامية. حينها تأكدت أن للكثير من الناس، عام ٢٠١٥ مجرد رقم لم يغير فيهم فكرة ولا طريقة تفكير.
الفيلم الذي شاهدته «الأخت الضحية» وكان دليلها الدامغ على كلامها، مختلق بالكامل و بلا أي معلومات صحيحة مثله مثل مجموعة الأفلام المخرجة سابقا من قبل قناة «سين» مثل سر نفق الربع الخالي وحقيقة ساهر. وقد ذكرت قناة سين في نهاية مقاطعها سابقة الذكر أن أفلامها ترفيهية ساخرة وغير حقيقية! ومع كل ذلك صدق الكثير هذه الأفلام في تأكيد على عشق المؤامراتيّة للمؤامرات!.
ومن السعودية إلى السويد، أذيع في 2002 فيلم على قناة تلفزيونية، ينفي حقيقة إقامة كأس العالم لعام 1958 في السويد، وأنه بدل ذلك، أقيم في مكان ما في أميركا الشمالية. وسبب تزييف هذه الحقيقة هو رغبة الولايات المتحدة الأميركية في معرفة تأثير التليفزيون والإعلام بشكل عام على المشاهدين. اقتنع السويديون بالفيلم وصدقوه حتى عرفوا بأنه مختلق، فغضبوا.. ومن يلومهم؟
ومن السويد إلى فرنسا، تم عرض فيلم في العام نفسه، يصور زيف اللقطات المرئية لمشي رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونج على القمر، وأنها في الحقيقة التقطت في هوليوود على يد المخرج الشهير ستانلي كوبريك مخرج الفيلم التقدمي في وقته 2001: A Space Odyssey. والأكيد أنني وأنت عزيزي القارئ صادفنا اثنين على الأقل ممن يكذبون مشي الإنسان على القمر!.
كل هذه «المؤامرات» المزيفة، تصرفنا عن المؤامرات الحقيقية التي حصلت وتحصل دائما مثل حقيقة زيف الإدعاءات الخاصة بما يسمى الاحتباس أو الانحباس الحراري «global warming». الحقيقة أن الأرض التي خلقها الله ليحرثها ويخلفها الإنسان قادرة على تحمل الكثير والكثير مما يفعله الإنسان.. بل وأن الإحصاءات تشير إلى أن الغطاء الأخضر للكرة الأرضية يتزايد سنويا بمقدار ثابت يعادل %4. والأسباب التي تجعل الدول المتقدمة مستمرة في مناقشة هذا الأمر هو رغبتها في الإطاحة بقطاع الغاز والنفط، وإنزال الأسعار لتربح وفي المقابل، تخسر الدول المصدرة، للنفط والغاز كما هو حاصل اليوم.
ختاماً، لا توجد مؤامرة في كل جحر، فلا تسلموا عقولكم لأي أحد، ودققوا ومحصوا في كل ما ستدخلونه في رؤوسكم حتى النهاية، لأنه قد يحولها إلى قنابل موقوتة، تنهي عليكم في ميعاد محدد لا تعرفونه.. ويعرفكم.

تحذير حقيقي:
مؤامرة الاحتباس الحراري مزيفة.



جواهر آل ثاني
صحيفة #العرب القطرية
المصدر


الخميس، 24 ديسمبر 2015

ما تغير و لم يتغير

1-
قضيت الأشهر الماضية وأنا أجمع مقالاتي المكتوبة في صحيفة «العرب» القطرية وغيرها من المواقع الإلكترونية، وعن طريق فعلتي هذه رجعت إلى أربع سنوات مضت عندما بدأت الكتابة الأسبوعية المنتظمة. 
وقتها، ملكت في كل شهر -بل وربما كل أسبوع- نَفَساً متغيراً كنفَس طباخ دؤوب يمضي أوقاته يجرب الوصفات الجديدة. 
ومثل الشيف العامل على الأكلات المبتكرة، أتمنى أن يكون نفَسي تطويرياً متطوراً لا متغيراً، وحسب. 
هذا اهتمام الكاتب الجدي الأول: تطوير نفسه وغيره، لا اختزال نفَسه في نفْسه، بل وضع نفْسه تحت خدمة وأمر نفَسه الكتابي.



أحب حديث للإنسان هو حديثه حول ذاته وحديث الناس عنه، ولهذا يتمسك الناس بالأبراج، ولهذا يحب الناس الإنسان المنصت المستمع ويقدرونه ويرونه إنسانا اجتماعيا بل ومتحدثا بارعا!
وعند قراءتي لمقالاتي القديمة شعرت بهذه الأحاسيس وأكثر، فاغتبطت حيناً، وغضبت حيناً، وقلقت في أحيان أخرى، وابتسمت في بعض المواضع، وحزنت مرة ومرات، واجتاحني كل ما سبق وأكثر في مرات أخرى.
وجدتني أقرأ ما كتبته عن قضايا ومواضيع لا تزال مطروحة حتى الآن، مثل التعليم وتخبطه والبنية التحتية وغرقها والازدحام المروري واختناقاته، والمال العام الذي يصبح بطريق أو بآخر مالاً خاصاً!
وغيرها من المعضلات «المنشورة» في مقالات تصلح «لإعادة النشر» غداً، لأنها لم تنشف بعد!
ويبدو أنني في محاولتي لجمع كتاباتي كنت أجمع ذاتي وصفاتي أيضاً مما أحبه وأكرهه، فلقيت حرصي على الفن والعناية به في قطر وخارجها -خصوصاً في العالم العربي-لأن الفن بوابة التعبير والارتقاء والرفعة. 
كما شددت على أهمية الثقافة والتربية عليها منذ الصغر، حيث إنها مدخل الانفتاح والتبسط وتقبل الرأي والرأي الآخر. 
ولم يصعب علي ملاحظة تعلقي بكل ما يرتبط بالقراءة والكتابة لأني أقر بأثرهما علي وأهميتهما في قلبي. 
ولربما كانا من الأسباب الأولى في تغيري الدائم. وليس أوضح من التدليل على ذلك، سوى إجابتي الجديدة دائماً على سؤالي الأزلي لنفسي: 
لماذا أكتب؟

٣-
الميت هو الثابت، لا يتغير فيه شيء، فلا يجري فيه دم ولا يدب فيه أوكسجين.. والإنسان الحي هو بالضرورة متغير، وعليه فقط أن يختار ما يُغير وما لا يغير في نفسه إن أراد أن يستفيد من حياته لأقصى حد.. 
ولن يضيره مراجعة نفسه من حين لآخر، فيعيد النظر في قناعاته وأفكاره وما جرته عليه تجاربه وتجارب غيره المتقاطعة معه، فالتطوير هو المفتاح «إن كان القفل يحمل مسمى التغيير».

جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 17 ديسمبر 2015

لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا

لا شيء يبقى على حاله، الأفكار والأشياء والأحوال، جميعها تتغير وتتحول وتلتبس وتتلاشى وتتدهور وترتفع وتهوي وتتجمع وتتفرق، لتكون للناس الدنيا والحياة كما يجب أن تكون.. هذا ما جال خاطري وأنا أستعيد أفكاري "المسبقة" حول الرجال والنساء من حاملي الجنسية الفلبينية ممن أراهم حولي في كل مكان. وأنا لا أعرف عن الفلبينيين إلا بشاشة روحهم وحالة دولتهم الاقتصادية وواقع استقدام الدول العربية لهم للعمل في جميع أنواع الوظائف، بالإضافة إلى تحدث أغلبيتهم اللغة الإنجليزية إلى جانب لغتهم الأم.
تشكَّلت نظرتي من جديد نحو الفلبينيين بعد قراءتي لرواية الكويتي سعود السنعوسي "ساق البامبو"، لا أعرف لو كانت نظرتي الجديدة شخصية أو عاطفية، ولكني شعرت بأني أفهمهم وأقدرهم أكثر، خاصة بعد قراءتي لتاريخ الفلبين ونضالات رجاله.
سُميت الفلبين، لمن لا يعرف، نسبة إلى الملك الإسباني فيليب الثاني، وهي من أكبر الدول المصدرة لعمال الملاحة البحرية عالمياً، وقد كانت تُعتبر ثاني أغنى بلد في شرق آسيا بعد الحرب العالمية الثانية ليتدهور اقتصادها بعد ذلك في عهد الديكتاتور فرديناند ماركوس.
ومن الفلبين إلى الهند، يستخف الكثير بقدرة "الدولة الديمقراطية الأكثر ازدحاماً بالسكان في العالم" بحسب الإحصاءات. ومن رحم الهند، خرج الرؤساء التنفيذيون لأقوى وأكبر شركات العالم مثل جوجل ومايكروسوفت وبيبسي وماستر كارد! وهذا ليس بغريب على دولة حاربت الاستعمار وانتصرت، والآن تملك واحدة من أقوى اقتصادات وجيوش العالم.
بالنسبة للكثير من الناس، التصنيفات والأفكار المعلبة مسبقاً كوجبة سريعة هي كل ما يملكون تقديمه، فتجدهم يعلقون حتى بخصوص الصينيين فيتندرون حول أشكالهم وصعوبة التفريق بينهم للتشابه الظاهر! ويضربون بتاريخهم وحاضرهم ومخططاتهم المستقبلية عرض الحائط! وكأن كل ما يهم هو ما يعرفونه عنهم ويتوقعونه منهم! هؤلاء أنفسهم يرفضون أن ينظر إليهم الغير بعين واحدة لا ترى واقعهم ولا تحاول أن تفهم ماضيهم. ترفض هذه الفئة أن ينظر إليهم الغير كأغنياء جهلة، ولكنهم يقبلون بأن ينظروا لغيرهم كأغبياء محتاجين!.
بعد أحداث باريس الأخيرة المؤسفة عبَّر الكثير من المسلمين عن براءة الإسلام من أفعال داعش كما فعلوا سابقاً مراراً وتكراراً. وأعجبني قول قرأته لأحدهم يأسف فيه لما حدث في فرنسا، ويعلق حول البعض ممن يحاولون جاهدين ليؤكدوا "للآخرين" بأن المسلمين ليسوا إرهابيين. وبحسب كلامه إذا اعتقد هؤلاء أن المسلمين الذين يزيد عددهم عن مليار فرد إرهابيون فهذه مشكلتهم وليست مشكلة المسلمين، لأن اعتقادهم وفكرتهم المسبقة تدل عن جهل وتعصب ورفض للعقل والمنطق، فهم لا يعرفون و لا يريدون أن يعرفوا . وهذه صفات من يوزعون الكارنيهات المليئة بالصفات "المختارة من قبلهم" لأي طائفة من الناس دون أن يسألوهم أو يحاولوا معرفتهم أولاً. هم ببساطة، كما قلت، يعرفون و لا يريدون أن يعرفوا.

جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الخميس، 10 ديسمبر 2015

لماذا يهمنا الأدب؟

سيشعر بأهمية الأدب من تربَّى عليه وتَشرَّبه، وقرأ هنا وهناك لنجيب محفوظ وفيكتور هيوغو وهاروكي موراكامي وكافكا ولوركا. سيشعر بأهمية الأدب من يعتنق أمله بأمل بورخيس الذي قرَّب الجنة من المكتبة أو المكتبة من الجنة. وسيشعر أيضاً بأهمية الأدب من يسمع أو يشاهد الكاتب ألبرتو مانغويل وهو يتحدث بشغف عن القراءة والكتب.
في المقابل، لن يشعر بأهمية الأدب من يقضي أيامه بين واتساب وتويتر وإنستجرام. ولن يشعر بالأدب من يحصره في الأفلام الجديدة المُنتجة في هوليوود، والتي يكون بعضها مبنيا على رواية أو مُستخلصا منها، وإن كان ذلك فاتحة طريق -أو خيرا في هذه الحالة- للبعض الذي قد يبدأ بالاطلاع على الأصل.
يسلبنا الأدب لأسباب عديدة، أولها أثره الإنساني على قارئه ومتابعه. فقد نربط ما بين أنفسنا وما بين شخصية قرأناها، وقد نقول إنها تشبهنا أو تناقضنا، وقد نحكم عليها بالموت في ذاكرتنا أو الخلود لأنها إما تخالف قيما ما نعرفها، أو توافق تعاليم تربَّينا عليها، وقد نتعلم من الأدب أن هناك من يشبهنا في مواجهاته، أو أن حياته أصعب مما عرفناه من ألم وحزن ويأس، فنتصبر ونحتسب، بل قد نفرح لأن آلامنا هينة، وجراحنا أقل من جراح شخصية مشهورة قرأنا سيرتها الذاتية.
ومن ناحية ثانية، الأدب يشعل مخيلاتنا بصور وأفكار وأحاسيس لم نكن لنختبرها لولا القراءة. ويخلق أراضي ومساحات جديدة لممارسة الخيال، والتخيل الذي قال عنه آينشتاين إنه أهم من المعرفة، دون أن ننسى أن الخيال هو أحد الخواص التي تميز الإنسان عن الحيوان. 
وقد أصدر بعض علماء الأعصاب في عام 2006 دراسة علمية تشير إلى أن الكلمات تؤثر على خلايانا الحسية، فإن قرأنا مثلاً جملة «ركض كصرخة عالية التردد» ستتأثر خلايانا الحركية، بل ربما السمعية نتيجة التشبيه! وهذا دليل على تأثير الخيال في الأدب، وتأثير الأدب في الخيال، وترابطهما بأجزاء كثيرة تترك بصمتها في النهاية على القراء. 
وبسبب الخيال أيضاً يُقال دائماً: «اقرأ القصة أو الرواية قبل أن تراها على التلفاز أو في السينما كفيلم أو مسلسل»، لأن ذلك يحرم العقل من التخيل والتفكير وبناء الأحكام المسبقة والتحليل، حيث إن المسلسل أو الفيلم يصوران كل شيء بحسب التصور المسبق للمخرج أو المنتج أو كاتب السيناريو أو جميعهم بحسب الأحوال.
من جهة أخيرة، الأدب ينشر الأفكار، بل المعرفة، لأن الكاتب والأديب الجيد لا يكتب إلا بعد بحث حثيث، وقد يكون في كتاباته تأريخ للماضي أو استشراف للمستقبل أو حفظ للحاضر من الضياع أو التحريف.
أهمية الأدب قد تكون في تجميل الأشياء أيضاً أو تقبيحها أو ملء فراغ عميق داخل القارئ. يطول شرح هذه الأهمية، ولكن كما أن القراءة شيء وفهم ما قُرأ وتحليله شيء آخر، فإن فهم أهمية الأدب شيء والشعور بها شيء آخر.. لن يصل إليها إلا من يسعى وراءها.



جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 3 ديسمبر 2015

مرايا

1 -
 قال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث جميل: «إن الله جميل يحب الجمال!»، هذا التصريح تُرى إثباتاته في كل مكان وكل مخلوق، ابتداء من الطبيعة وانتهاء بالإنسان.. إعجازات الخالق مرئية في تفاصيل الجِمال والخيول، وفي ألوان الجزر الاستوائية وقمم الجبال الجليدية.. وإعجازات الله المسموعة تُحرك الأرواح والأفئدة، كقوله تعالى: «وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ». وعرجون النخل هو العود الذي يحمل التمر، وما إن ييبس حتى يتقوس ويصفر كالمحاق والهلال في أول وآخر منازل القمر.. أي جمال يضاهي إبداع كهذا؟.

2 -

من يحاول قراءة شخصية جيكوب في رواية التشيكي ميلان كونديرا «فالس الوداع»، سيحبه لنبالته وعمق تفكيره ووطنيته أو سيكرهه لظاهر نبالته وضحالة تفكيره وجبنه!، وسواء أكان القارئ منتمياً للفريق الأول أو الثاني، سيقف بالتأكيد مثلي في النهاية عندما يواجه جيكوب الجمال، ويشك في الحقيقة التي عمل من أجلها طوال حياته، هل كانت كافية؟ لماذا إذاً شعر بالندم على اكتشافه للجمال فجأة؟، لماذا تحسر على مفارقته الجمال في السنين الماضية؟.
المثير أن اكتشاف جيكوب جعل كاميلا تكشف على تصرفاتها ومشاعرها اتجاه زوجها كليما، هل هذا أثر الفراشة أم أثر الجمال؟.
أثر الجمال، يعريه ويوضح أصله وفصله وروحه، لنعرف بعدها بأن السياح يصطفون لرؤية الموناليزا في متحف اللوفر-رغم جمالها العادي- لأن روح اللوحة هو ما يصنع كل الفرق بينها وبين أي امرأة أخرى أكثر جمالاً، وإن كانت حية!.


3 -

تلا إيليا أبوماضي صلاته: «كن جميلاً ترى الوجود جميلا!». في شطره الفلسفي، يلخص الشاعر أهمية الجمال والشعور به.. بالجمال تطيب الروح والنفس والجسد، فالجمال كله خير دائماً، وإن أصبح شراً، فباستخدام الإنسان.. هل يُوجد منظر طبيعي شرير؟ لا، بل إن زلازل وأعاصير عصرنا الحاضر تحدث معظمها بسبب تدخلات الإنسان، من حفر وحروب، وتلويث بيئي.. هل سمعنا موسيقى هادئة شريرة؟ أو رأينا لوحة بديعة شيطانية؟ هل قرأنا كلاما روحيا إبليسيا؟ وإن حدث فيد الإنسان هي الأولى لا إبليس.
أحض من حولي ومن يقرؤني على الفن، وتذوق الجمال وإبداعات الإنسان، وإن لم يكن من يسمعني أو يقرؤني بفنان، لأن الجمال يغير فينا ما لا نستطيع تغييره بأنفسنا.. يغير الجمال فينا الأجزاء التي نمنع الآخرين عن مشاهدتها أو معرفتها.. الجمال من حولنا هو أفضل عقار لمواجعنا، وأشجع مسرح نواجه عليه مخاوفنا.



جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الخميس، 26 نوفمبر 2015

قادة الأوركسترا

شاهدت الأسبوع الماضي فيلم ستيف جوبز الأخير. وفي هذا الفيلم حرص القائمون على إبراز ما يعرفه وما لا يعرفه المشاهد العادي عن عبقري عالم الأجهزة الإلكترونية.

لفت انتباهي مشهد يواجه فيه ستيف ووزنياك صديقه جوبز، فيسأله عن ماهية عمله الحقيقي في شركة «آبل» ولماذا يطلق الناس عليه ألقابَ العظمة، في حين أنه ليس بمخترع ولا مهندس، بل إنه لم يخترع أي شيء بنفسه في «آبل»، وعاجز عن فعل أبسط الأمور كضرب مسمار بمطرقة!، رد عليه جوبز بأنه قائد الأوركسترا، محرك الموسيقيين أو المهندسين والمبرمجين في عيون العالم. 

وصدق جوبز في قوله، فلولا حماسه واندفاعه ورؤيته وحبه للكمال وتفكيره خارج الصندوق المثالي الذي حاول صنع شبيهه في الثمانينيات لما ظهر لنا الكثير مما كان يحلم.
 
ببساطة اهتم جوبز بشكل ومضمون ولون ومنظر أجهزته كمشهد طبيعي أخاذ، وحرص على أن تظهر المنتجات من تحت يده مختومةً بالكمال والبساطة والتفرد. وهذا من ذكاء جوبز، فقد حرص على أن تكون لمنتجات «آبل» فتحات ومنافذ وأجهزة وإكسسوارات خاصة بها فقط، هي من ينتجها ويوزعها ويبيعها، بالإضافة إلى نظام التشغيل المميز والآب ستور والآي تونز ستور. هذه النقطة هي ما ستجعل مبيعات سامسونج تتراجع بعد صراع مرير مع «آبل» بحسب توقعات الخبراء، فما عادت تقدم الجديد، خاصة مع استخدامها لنظام الأندرويد المعمول به من قبل شركات أخرى، بعضها يقل ثمن أجهزتها عن الشركة الكورية.

في الفيلم والكتب الراوية لقصة عملاق «آبل»، نرى طلبه الفاحش للكمال، وبحثه عنه بشتى الطرق، ولا أحد يتعجب عندما يرى أحد مغيري العالم الذي نعرفه يذهب إلى أبعد الحدود من أجل مراده. وكما قال إبراهيم عبدالقادر المازني: «الناس تتوقع الأفعال الغريبة والمريبة من الأدباء والشعراء»، وأزعم بأنه كان يقصد الفنانين كافة، بمن فيهم ستيف جوبز.

ستيف جوبز قائد ورائد أعمال بغض النظر عن شخصيته المختلف حولها، وفي حياته وعمله قصص يمكن لرواد الأعمال الصغار استخلاصها والاستفادة منها.

أولها: اغتنام الفرص الصغيرة قبل الكبيرة، فحجم الفرص لا يظهر للعيان في العرض الأول، بل قد يتغير على يد المبدع والمفكر.

ثانيًا: المال شيء وليس كل شيء. الصغير الداخل لعالم الأعمال واضعاً عينيه على المال كهدف أول سيفشل بالتأكيد، لأن غايته ستكون الربح السريع، لا المستمر المتواصل. والمال قد يكون هدفا للبعض، ولكن لا ينبغي أن يكون الهدف الرئيس، فهناك ما هو أسمى وأبقى من الدوافع كإحداث تغيير أو ترك أثر أو تطوير مجال، أو إثبات مبدأ. هذه الدوافع النفسية نتاجاتها أقوى من الدافع المادي لرواد الأعمال، وهي ما تدر وقود الإصرار لا المال.

ثالثاً: الاختلاف والتفرد هو ما يصنع الشيء والشخص والفكرة. الجميع يبحث عما يميزه ويقصيه عن باقي القطيع، وإن حدث وتميز أحدهم يقوم الآخرون بتقليده تدريجياً، وفي حالات كثيرة بعد محاربته. ثم يختلف شخص آخر ويُحارب ليقلد بعدها، وهكذا في حلقة لا نهائية كثقب أسود. هذا ما على الرواد أن يسعوا وراءه، الاختلاف، والمحاولة الجادة لجعل المختلف كاملا في جميع وجوهه. فالعميل في وقتنا الحالي لا يرضى «بأي شيء والسلام».. ما دام ليس صيني الصنع!.

رابعاً: التسويق الناجع، نجاح واقع!، التسويق هو نصف النجاح بعد النصف الأول، ألا وهو الفكرة المميزة. كم منا شعر لسنوات بأنه ينتمي لمخيم آبل، وبأنه لا يستطيع التغيير لمخيم آخر؟، هذا الشعور بالانتماء هو نتيجة تسويق شركة آبل العبقري، والذي يُرى بشكل واضح في موظفيها وهم يحيون الزبائن عند الافتتاح وكأنه متجرهم الخاص!، هذا الحس التسويقي نراه في شركات الطيران والسيارات، بل وحتى الأشخاص والقنوات التي يُجذب المشاهد إليها لأنه يحب الحرية والثورة والتعبير عن رأيه كما تفعل القناة، أو كما يظن الشخص أنها فاعلة!.

رواد الأعمال هم قادة الأوركسترا، قوائم فوربس تغص بهم، وهم يملؤون العالم، ويغيرونه فكرة.. فكرة.. فإن كان في داخلك عزيزي القارئ رائد أعمال صغير فابدأ العمل على فكرتك، واجعلها مشروعاً كبيراً.. هذا عصرك، الحق به قبل مغيبه!



جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...