الخميس، 24 ديسمبر 2015

ما تغير و لم يتغير

1-
قضيت الأشهر الماضية وأنا أجمع مقالاتي المكتوبة في صحيفة «العرب» القطرية وغيرها من المواقع الإلكترونية، وعن طريق فعلتي هذه رجعت إلى أربع سنوات مضت عندما بدأت الكتابة الأسبوعية المنتظمة. 
وقتها، ملكت في كل شهر -بل وربما كل أسبوع- نَفَساً متغيراً كنفَس طباخ دؤوب يمضي أوقاته يجرب الوصفات الجديدة. 
ومثل الشيف العامل على الأكلات المبتكرة، أتمنى أن يكون نفَسي تطويرياً متطوراً لا متغيراً، وحسب. 
هذا اهتمام الكاتب الجدي الأول: تطوير نفسه وغيره، لا اختزال نفَسه في نفْسه، بل وضع نفْسه تحت خدمة وأمر نفَسه الكتابي.



أحب حديث للإنسان هو حديثه حول ذاته وحديث الناس عنه، ولهذا يتمسك الناس بالأبراج، ولهذا يحب الناس الإنسان المنصت المستمع ويقدرونه ويرونه إنسانا اجتماعيا بل ومتحدثا بارعا!
وعند قراءتي لمقالاتي القديمة شعرت بهذه الأحاسيس وأكثر، فاغتبطت حيناً، وغضبت حيناً، وقلقت في أحيان أخرى، وابتسمت في بعض المواضع، وحزنت مرة ومرات، واجتاحني كل ما سبق وأكثر في مرات أخرى.
وجدتني أقرأ ما كتبته عن قضايا ومواضيع لا تزال مطروحة حتى الآن، مثل التعليم وتخبطه والبنية التحتية وغرقها والازدحام المروري واختناقاته، والمال العام الذي يصبح بطريق أو بآخر مالاً خاصاً!
وغيرها من المعضلات «المنشورة» في مقالات تصلح «لإعادة النشر» غداً، لأنها لم تنشف بعد!
ويبدو أنني في محاولتي لجمع كتاباتي كنت أجمع ذاتي وصفاتي أيضاً مما أحبه وأكرهه، فلقيت حرصي على الفن والعناية به في قطر وخارجها -خصوصاً في العالم العربي-لأن الفن بوابة التعبير والارتقاء والرفعة. 
كما شددت على أهمية الثقافة والتربية عليها منذ الصغر، حيث إنها مدخل الانفتاح والتبسط وتقبل الرأي والرأي الآخر. 
ولم يصعب علي ملاحظة تعلقي بكل ما يرتبط بالقراءة والكتابة لأني أقر بأثرهما علي وأهميتهما في قلبي. 
ولربما كانا من الأسباب الأولى في تغيري الدائم. وليس أوضح من التدليل على ذلك، سوى إجابتي الجديدة دائماً على سؤالي الأزلي لنفسي: 
لماذا أكتب؟

٣-
الميت هو الثابت، لا يتغير فيه شيء، فلا يجري فيه دم ولا يدب فيه أوكسجين.. والإنسان الحي هو بالضرورة متغير، وعليه فقط أن يختار ما يُغير وما لا يغير في نفسه إن أراد أن يستفيد من حياته لأقصى حد.. 
ولن يضيره مراجعة نفسه من حين لآخر، فيعيد النظر في قناعاته وأفكاره وما جرته عليه تجاربه وتجارب غيره المتقاطعة معه، فالتطوير هو المفتاح «إن كان القفل يحمل مسمى التغيير».

جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 17 ديسمبر 2015

لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا

لا شيء يبقى على حاله، الأفكار والأشياء والأحوال، جميعها تتغير وتتحول وتلتبس وتتلاشى وتتدهور وترتفع وتهوي وتتجمع وتتفرق، لتكون للناس الدنيا والحياة كما يجب أن تكون.. هذا ما جال خاطري وأنا أستعيد أفكاري "المسبقة" حول الرجال والنساء من حاملي الجنسية الفلبينية ممن أراهم حولي في كل مكان. وأنا لا أعرف عن الفلبينيين إلا بشاشة روحهم وحالة دولتهم الاقتصادية وواقع استقدام الدول العربية لهم للعمل في جميع أنواع الوظائف، بالإضافة إلى تحدث أغلبيتهم اللغة الإنجليزية إلى جانب لغتهم الأم.
تشكَّلت نظرتي من جديد نحو الفلبينيين بعد قراءتي لرواية الكويتي سعود السنعوسي "ساق البامبو"، لا أعرف لو كانت نظرتي الجديدة شخصية أو عاطفية، ولكني شعرت بأني أفهمهم وأقدرهم أكثر، خاصة بعد قراءتي لتاريخ الفلبين ونضالات رجاله.
سُميت الفلبين، لمن لا يعرف، نسبة إلى الملك الإسباني فيليب الثاني، وهي من أكبر الدول المصدرة لعمال الملاحة البحرية عالمياً، وقد كانت تُعتبر ثاني أغنى بلد في شرق آسيا بعد الحرب العالمية الثانية ليتدهور اقتصادها بعد ذلك في عهد الديكتاتور فرديناند ماركوس.
ومن الفلبين إلى الهند، يستخف الكثير بقدرة "الدولة الديمقراطية الأكثر ازدحاماً بالسكان في العالم" بحسب الإحصاءات. ومن رحم الهند، خرج الرؤساء التنفيذيون لأقوى وأكبر شركات العالم مثل جوجل ومايكروسوفت وبيبسي وماستر كارد! وهذا ليس بغريب على دولة حاربت الاستعمار وانتصرت، والآن تملك واحدة من أقوى اقتصادات وجيوش العالم.
بالنسبة للكثير من الناس، التصنيفات والأفكار المعلبة مسبقاً كوجبة سريعة هي كل ما يملكون تقديمه، فتجدهم يعلقون حتى بخصوص الصينيين فيتندرون حول أشكالهم وصعوبة التفريق بينهم للتشابه الظاهر! ويضربون بتاريخهم وحاضرهم ومخططاتهم المستقبلية عرض الحائط! وكأن كل ما يهم هو ما يعرفونه عنهم ويتوقعونه منهم! هؤلاء أنفسهم يرفضون أن ينظر إليهم الغير بعين واحدة لا ترى واقعهم ولا تحاول أن تفهم ماضيهم. ترفض هذه الفئة أن ينظر إليهم الغير كأغنياء جهلة، ولكنهم يقبلون بأن ينظروا لغيرهم كأغبياء محتاجين!.
بعد أحداث باريس الأخيرة المؤسفة عبَّر الكثير من المسلمين عن براءة الإسلام من أفعال داعش كما فعلوا سابقاً مراراً وتكراراً. وأعجبني قول قرأته لأحدهم يأسف فيه لما حدث في فرنسا، ويعلق حول البعض ممن يحاولون جاهدين ليؤكدوا "للآخرين" بأن المسلمين ليسوا إرهابيين. وبحسب كلامه إذا اعتقد هؤلاء أن المسلمين الذين يزيد عددهم عن مليار فرد إرهابيون فهذه مشكلتهم وليست مشكلة المسلمين، لأن اعتقادهم وفكرتهم المسبقة تدل عن جهل وتعصب ورفض للعقل والمنطق، فهم لا يعرفون و لا يريدون أن يعرفوا . وهذه صفات من يوزعون الكارنيهات المليئة بالصفات "المختارة من قبلهم" لأي طائفة من الناس دون أن يسألوهم أو يحاولوا معرفتهم أولاً. هم ببساطة، كما قلت، يعرفون و لا يريدون أن يعرفوا.

جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الخميس، 10 ديسمبر 2015

لماذا يهمنا الأدب؟

سيشعر بأهمية الأدب من تربَّى عليه وتَشرَّبه، وقرأ هنا وهناك لنجيب محفوظ وفيكتور هيوغو وهاروكي موراكامي وكافكا ولوركا. سيشعر بأهمية الأدب من يعتنق أمله بأمل بورخيس الذي قرَّب الجنة من المكتبة أو المكتبة من الجنة. وسيشعر أيضاً بأهمية الأدب من يسمع أو يشاهد الكاتب ألبرتو مانغويل وهو يتحدث بشغف عن القراءة والكتب.
في المقابل، لن يشعر بأهمية الأدب من يقضي أيامه بين واتساب وتويتر وإنستجرام. ولن يشعر بالأدب من يحصره في الأفلام الجديدة المُنتجة في هوليوود، والتي يكون بعضها مبنيا على رواية أو مُستخلصا منها، وإن كان ذلك فاتحة طريق -أو خيرا في هذه الحالة- للبعض الذي قد يبدأ بالاطلاع على الأصل.
يسلبنا الأدب لأسباب عديدة، أولها أثره الإنساني على قارئه ومتابعه. فقد نربط ما بين أنفسنا وما بين شخصية قرأناها، وقد نقول إنها تشبهنا أو تناقضنا، وقد نحكم عليها بالموت في ذاكرتنا أو الخلود لأنها إما تخالف قيما ما نعرفها، أو توافق تعاليم تربَّينا عليها، وقد نتعلم من الأدب أن هناك من يشبهنا في مواجهاته، أو أن حياته أصعب مما عرفناه من ألم وحزن ويأس، فنتصبر ونحتسب، بل قد نفرح لأن آلامنا هينة، وجراحنا أقل من جراح شخصية مشهورة قرأنا سيرتها الذاتية.
ومن ناحية ثانية، الأدب يشعل مخيلاتنا بصور وأفكار وأحاسيس لم نكن لنختبرها لولا القراءة. ويخلق أراضي ومساحات جديدة لممارسة الخيال، والتخيل الذي قال عنه آينشتاين إنه أهم من المعرفة، دون أن ننسى أن الخيال هو أحد الخواص التي تميز الإنسان عن الحيوان. 
وقد أصدر بعض علماء الأعصاب في عام 2006 دراسة علمية تشير إلى أن الكلمات تؤثر على خلايانا الحسية، فإن قرأنا مثلاً جملة «ركض كصرخة عالية التردد» ستتأثر خلايانا الحركية، بل ربما السمعية نتيجة التشبيه! وهذا دليل على تأثير الخيال في الأدب، وتأثير الأدب في الخيال، وترابطهما بأجزاء كثيرة تترك بصمتها في النهاية على القراء. 
وبسبب الخيال أيضاً يُقال دائماً: «اقرأ القصة أو الرواية قبل أن تراها على التلفاز أو في السينما كفيلم أو مسلسل»، لأن ذلك يحرم العقل من التخيل والتفكير وبناء الأحكام المسبقة والتحليل، حيث إن المسلسل أو الفيلم يصوران كل شيء بحسب التصور المسبق للمخرج أو المنتج أو كاتب السيناريو أو جميعهم بحسب الأحوال.
من جهة أخيرة، الأدب ينشر الأفكار، بل المعرفة، لأن الكاتب والأديب الجيد لا يكتب إلا بعد بحث حثيث، وقد يكون في كتاباته تأريخ للماضي أو استشراف للمستقبل أو حفظ للحاضر من الضياع أو التحريف.
أهمية الأدب قد تكون في تجميل الأشياء أيضاً أو تقبيحها أو ملء فراغ عميق داخل القارئ. يطول شرح هذه الأهمية، ولكن كما أن القراءة شيء وفهم ما قُرأ وتحليله شيء آخر، فإن فهم أهمية الأدب شيء والشعور بها شيء آخر.. لن يصل إليها إلا من يسعى وراءها.



جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 3 ديسمبر 2015

مرايا

1 -
 قال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث جميل: «إن الله جميل يحب الجمال!»، هذا التصريح تُرى إثباتاته في كل مكان وكل مخلوق، ابتداء من الطبيعة وانتهاء بالإنسان.. إعجازات الخالق مرئية في تفاصيل الجِمال والخيول، وفي ألوان الجزر الاستوائية وقمم الجبال الجليدية.. وإعجازات الله المسموعة تُحرك الأرواح والأفئدة، كقوله تعالى: «وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ». وعرجون النخل هو العود الذي يحمل التمر، وما إن ييبس حتى يتقوس ويصفر كالمحاق والهلال في أول وآخر منازل القمر.. أي جمال يضاهي إبداع كهذا؟.

2 -

من يحاول قراءة شخصية جيكوب في رواية التشيكي ميلان كونديرا «فالس الوداع»، سيحبه لنبالته وعمق تفكيره ووطنيته أو سيكرهه لظاهر نبالته وضحالة تفكيره وجبنه!، وسواء أكان القارئ منتمياً للفريق الأول أو الثاني، سيقف بالتأكيد مثلي في النهاية عندما يواجه جيكوب الجمال، ويشك في الحقيقة التي عمل من أجلها طوال حياته، هل كانت كافية؟ لماذا إذاً شعر بالندم على اكتشافه للجمال فجأة؟، لماذا تحسر على مفارقته الجمال في السنين الماضية؟.
المثير أن اكتشاف جيكوب جعل كاميلا تكشف على تصرفاتها ومشاعرها اتجاه زوجها كليما، هل هذا أثر الفراشة أم أثر الجمال؟.
أثر الجمال، يعريه ويوضح أصله وفصله وروحه، لنعرف بعدها بأن السياح يصطفون لرؤية الموناليزا في متحف اللوفر-رغم جمالها العادي- لأن روح اللوحة هو ما يصنع كل الفرق بينها وبين أي امرأة أخرى أكثر جمالاً، وإن كانت حية!.


3 -

تلا إيليا أبوماضي صلاته: «كن جميلاً ترى الوجود جميلا!». في شطره الفلسفي، يلخص الشاعر أهمية الجمال والشعور به.. بالجمال تطيب الروح والنفس والجسد، فالجمال كله خير دائماً، وإن أصبح شراً، فباستخدام الإنسان.. هل يُوجد منظر طبيعي شرير؟ لا، بل إن زلازل وأعاصير عصرنا الحاضر تحدث معظمها بسبب تدخلات الإنسان، من حفر وحروب، وتلويث بيئي.. هل سمعنا موسيقى هادئة شريرة؟ أو رأينا لوحة بديعة شيطانية؟ هل قرأنا كلاما روحيا إبليسيا؟ وإن حدث فيد الإنسان هي الأولى لا إبليس.
أحض من حولي ومن يقرؤني على الفن، وتذوق الجمال وإبداعات الإنسان، وإن لم يكن من يسمعني أو يقرؤني بفنان، لأن الجمال يغير فينا ما لا نستطيع تغييره بأنفسنا.. يغير الجمال فينا الأجزاء التي نمنع الآخرين عن مشاهدتها أو معرفتها.. الجمال من حولنا هو أفضل عقار لمواجعنا، وأشجع مسرح نواجه عليه مخاوفنا.



جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية


الخميس، 26 نوفمبر 2015

قادة الأوركسترا

شاهدت الأسبوع الماضي فيلم ستيف جوبز الأخير. وفي هذا الفيلم حرص القائمون على إبراز ما يعرفه وما لا يعرفه المشاهد العادي عن عبقري عالم الأجهزة الإلكترونية.

لفت انتباهي مشهد يواجه فيه ستيف ووزنياك صديقه جوبز، فيسأله عن ماهية عمله الحقيقي في شركة «آبل» ولماذا يطلق الناس عليه ألقابَ العظمة، في حين أنه ليس بمخترع ولا مهندس، بل إنه لم يخترع أي شيء بنفسه في «آبل»، وعاجز عن فعل أبسط الأمور كضرب مسمار بمطرقة!، رد عليه جوبز بأنه قائد الأوركسترا، محرك الموسيقيين أو المهندسين والمبرمجين في عيون العالم. 

وصدق جوبز في قوله، فلولا حماسه واندفاعه ورؤيته وحبه للكمال وتفكيره خارج الصندوق المثالي الذي حاول صنع شبيهه في الثمانينيات لما ظهر لنا الكثير مما كان يحلم.
 
ببساطة اهتم جوبز بشكل ومضمون ولون ومنظر أجهزته كمشهد طبيعي أخاذ، وحرص على أن تظهر المنتجات من تحت يده مختومةً بالكمال والبساطة والتفرد. وهذا من ذكاء جوبز، فقد حرص على أن تكون لمنتجات «آبل» فتحات ومنافذ وأجهزة وإكسسوارات خاصة بها فقط، هي من ينتجها ويوزعها ويبيعها، بالإضافة إلى نظام التشغيل المميز والآب ستور والآي تونز ستور. هذه النقطة هي ما ستجعل مبيعات سامسونج تتراجع بعد صراع مرير مع «آبل» بحسب توقعات الخبراء، فما عادت تقدم الجديد، خاصة مع استخدامها لنظام الأندرويد المعمول به من قبل شركات أخرى، بعضها يقل ثمن أجهزتها عن الشركة الكورية.

في الفيلم والكتب الراوية لقصة عملاق «آبل»، نرى طلبه الفاحش للكمال، وبحثه عنه بشتى الطرق، ولا أحد يتعجب عندما يرى أحد مغيري العالم الذي نعرفه يذهب إلى أبعد الحدود من أجل مراده. وكما قال إبراهيم عبدالقادر المازني: «الناس تتوقع الأفعال الغريبة والمريبة من الأدباء والشعراء»، وأزعم بأنه كان يقصد الفنانين كافة، بمن فيهم ستيف جوبز.

ستيف جوبز قائد ورائد أعمال بغض النظر عن شخصيته المختلف حولها، وفي حياته وعمله قصص يمكن لرواد الأعمال الصغار استخلاصها والاستفادة منها.

أولها: اغتنام الفرص الصغيرة قبل الكبيرة، فحجم الفرص لا يظهر للعيان في العرض الأول، بل قد يتغير على يد المبدع والمفكر.

ثانيًا: المال شيء وليس كل شيء. الصغير الداخل لعالم الأعمال واضعاً عينيه على المال كهدف أول سيفشل بالتأكيد، لأن غايته ستكون الربح السريع، لا المستمر المتواصل. والمال قد يكون هدفا للبعض، ولكن لا ينبغي أن يكون الهدف الرئيس، فهناك ما هو أسمى وأبقى من الدوافع كإحداث تغيير أو ترك أثر أو تطوير مجال، أو إثبات مبدأ. هذه الدوافع النفسية نتاجاتها أقوى من الدافع المادي لرواد الأعمال، وهي ما تدر وقود الإصرار لا المال.

ثالثاً: الاختلاف والتفرد هو ما يصنع الشيء والشخص والفكرة. الجميع يبحث عما يميزه ويقصيه عن باقي القطيع، وإن حدث وتميز أحدهم يقوم الآخرون بتقليده تدريجياً، وفي حالات كثيرة بعد محاربته. ثم يختلف شخص آخر ويُحارب ليقلد بعدها، وهكذا في حلقة لا نهائية كثقب أسود. هذا ما على الرواد أن يسعوا وراءه، الاختلاف، والمحاولة الجادة لجعل المختلف كاملا في جميع وجوهه. فالعميل في وقتنا الحالي لا يرضى «بأي شيء والسلام».. ما دام ليس صيني الصنع!.

رابعاً: التسويق الناجع، نجاح واقع!، التسويق هو نصف النجاح بعد النصف الأول، ألا وهو الفكرة المميزة. كم منا شعر لسنوات بأنه ينتمي لمخيم آبل، وبأنه لا يستطيع التغيير لمخيم آخر؟، هذا الشعور بالانتماء هو نتيجة تسويق شركة آبل العبقري، والذي يُرى بشكل واضح في موظفيها وهم يحيون الزبائن عند الافتتاح وكأنه متجرهم الخاص!، هذا الحس التسويقي نراه في شركات الطيران والسيارات، بل وحتى الأشخاص والقنوات التي يُجذب المشاهد إليها لأنه يحب الحرية والثورة والتعبير عن رأيه كما تفعل القناة، أو كما يظن الشخص أنها فاعلة!.

رواد الأعمال هم قادة الأوركسترا، قوائم فوربس تغص بهم، وهم يملؤون العالم، ويغيرونه فكرة.. فكرة.. فإن كان في داخلك عزيزي القارئ رائد أعمال صغير فابدأ العمل على فكرتك، واجعلها مشروعاً كبيراً.. هذا عصرك، الحق به قبل مغيبه!



جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 19 نوفمبر 2015

أعطني رأيك

نصيحة يقدمها دائماً المعلمون والمثقفون للقارئ الجديد مفادها: «اكتب ملخصاً أو رأياً عن الكتاب ما إن تنتهي من قراءته». 

والبعض يكمل قوله بـ»دوِّن ملاحظاتك على نقاط الكتاب المهمة!»، وهذه النصيحة هدفها مساعدة القراء على فهم وتحليل واستيعاب ما تم تلقيه، وتمريره عبر الكتاب من الكاتب إلى القارئ، بالإضافة إلى أن الفائدة تتعدى إلى ترسيخ أفكار القارئ حول الكتاب، وتساعده على الرجوع إليها في أي وقت، خاصة مع انتشار تطبيقات الكتب مثل goodreads وغيرها من البرامج، حيث يستطيع القارئ أن يودع فيها تقييماته وآرائه في الكتب.

واليوم، أصبحت الساحة الأدبية ممتلئة بغير النقاد والمثقفين الذين يضعون آراءهم وتقييماتهم للكتب التي نقرأها أو سنقرأها، وأصبح لنا -معشر القراء المتواضعين-مكان «نغرد» فيه بتقييماتنا للكتب، حتى باتت لأصواتنا أهمية للأصدقاء والغرباء الذين قد لا يعرفون عنا سوى نوع الكتب المحببة لنا. 
وازدادت أهمية صوت القارئ في السوق، وكبر أثره بفضل معدل التقييمات، وما أكثر الكتب الناجحة رغم محاربة النقاد لها بسبب تقييمات عالية من قراء عاديين، لم يدرسوا الأدب في الجامعات ولا الدراسات العليا.

وأضع بين الأيادي اليوم بعضاً مما كتبته عن كتب قرأتها مؤخراً، مثل رواية «مائة عام من العزلة» لكاتبها غابرييل غارسيا ماركيز.
«كل كلمة في مكانها المناسب، بلا كلمة زائدة ولا كلمة ناقصة، هذه الرواية تعادل عشر روايات في أزمنة وأمكنة عابرة للحدود هي ببساطة حلم كل قارئ وكل كاتب».

وعن رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أوريل، علقت قائلة:
«الحيوانات جميعها متساوية، لكن بعضها متساو أكثر من الآخرين!».
رواية رائعة بكل ما تمليه على العقل من رمزية وقيم تؤثر في الجميع أياً كان المخيم المنتمي له!.

وفي «سواح في دنيا الله» لمصطفى محمود كتبت:
«يضم الكتاب بين دفتيه مقالات قديمة النشر للمفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود. هذا الكتاب ليس بقوة الكتب السابقة التي قرأتها للدكتور، وعلى الأخص ليس بجودة كتاباته الدينية الروحية الفلسفية.
من يبدأ قراءته لمصطفى محمود عبر هذا الكتاب سيصاب بخيبة أمل، وموجة ملل، لكثرة الحشو الإنشائي فيه، وقلة الأفكار المنوعة. ولهذا أنصح من لم يسبق لهم قراءة مؤلفات الدكتور أن يبدؤوا بكتبه ذات الطابع الديني الفلسفي حتى يكتشفوا عمقه أولاً».

وعن المسخ أو التحول لفرانز كافكا:
«في أقل من مئة صفحة، يُشرِّح كافكا جميع الانفعالات البشرية من اليأس وحتى الرضا. هذا الساحر المستحق لمرتبة كبير السحرة يعلمنا كيف نتعاطف مع ونتقزز من حشرة ضخمة لا تربطنا بها إلا صفيحات قليلة، ولا أستغرب عندما أرى أثره في كتابات بورخيس وهاروكي موراكامي».

وأخيراً، حول «كابوس مكيَّف الهواء» لهنري ميللر:
«قرأت الترجمة العربية للرواية، وكانت جيدة نوعاً ما، ولكن أزعجني وجود الهوامش في آخر الرواية لا تحت الصفحة، خاصة أن الرواية تزيد عن 300 صفحة. صارعت فيها نفسي حتى أكملت المئة صفحة الأولى، ثم صارعت ثانية لأنهي الكتاب. الرواية متكلفة ومملة قليلاً حتى نصفها، ثم تلوح بادرات مشجعة من الكاتب لإنهاء السباق.
ألح الكاتب على أفكار معينة كمادية وعفن أميركا وروعة فنون أوروبا وروحية آسيا، وأعاد هذه الأفكار كثيراً بطريقة أو بأخرى.
أحببت حديثه عن الفن والرسم والكتابة والجمال وكل الصعوبات والأفكار المعبرة في روايته. وهي ما جعلت رحلتي على قاربه محتملة.
الرواية تحتاج لبعض من الثقافة في القارئ، وإلا سيبتعد عنها كلمة.. كلمة».

آرائي السابقة، كون مثلها كتباً ثرية لعظماء مثل عزت علي بيجوفيتش في كتابه طريقي إلى الحرية، وساعات بين الكتب لعباس محمود العقاد.

وأن يختم المرء قراءته لكتاب جيد أو سيئ، بتعبير رأيه، هو أجمل خاتمة وتحية لعالم الفكر والأدب والكتابة، بل والقراءة نفسها، لأنها تتويج لمهرجان القراءة التي تعود على القارئ الجاد بتكوين فكر خاص به، قائم على البحث والتحليل والنقد الذاتي.

دوِّن يا عزيزي القارئ رأيك حول كتبك المقروءة في مكان تحفظه، فيحفظك. ثم أفد نفسك وغيرك عبر مشاركة تقييمك، وأضعف الإيمان تغريدة لا تتعدى 140 حرفاً!.



جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 12 نوفمبر 2015

أين الكتاب العربي

مع قرب إقامة معارض الكتاب في الدوحة والكويت والرياض، وحالياً في الشارقة، يستعد بعض القراء بإعداد لوائح الكتب المهتمين بشرائها. فمعارض الكتاب خاصة في الخليج العربي، تخلق حالة ثقافية تفاعلية بين أفراد المجتمع والكتاب والمثقفين. فتكثر ندوات الكتب وحفلات التواقيع والبحث، وتصل إلى القارئ الخليجي الكتب من جميع أنحاء العالم، خاصة بعد أن أخذت بعض المؤسسات العربية على عاتقها ترجمة نخبة الأعمال الأجنبية إلى اللغة العربية مثل دار بلومزبري للنشر فرع مؤسسة قطر ومشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.
المطلع السطحي على معارض الكتاب سيراها مكدسة بالكتب العربية والأجنبية، وسيظن من عدسة زاويته بأن كل شيء على ما يرام في عالم النشر العربي، ولكن الحقيقة بأن أقل ما يصرف في الدول العربية يكون على البحوث العلمية والدراسات، وأقل منها بكثير ما تصرفه دور النشر العربية التي تلبي ما يطلبه متوسط القراء العرب أي الكتب الأدبية. وحتى عند الكتب الأدبية، نجد جميع أنواع الثمار، معظمها متعفن أو غير ناضج. وكما لخص الكاتب سمير عطا الله مشكلة الأدب العربي الحديث في مقالته أين الأستاذ؟ المعضلة هي الكتبة «الكُتاب» المتسرعون في نشر ما لا يحدث فرقاً، ولا يغير واقعاً، والنشرة «الناشرون» غير الناصحين وغير المتمهلين والمهملين اختيار نوعية الكتب الموضوعة تحت يد القارئ. فأصبح لدينا كتبة لم يتعلموا الكتابة، ونشرة تجاريون، يهمهم الفَرش والقرش قبل النوع والمستوى.
هاتان المشكلتان أثرتا بدورهما على عملية ترجمة الكتب العربية للغات الأخرى، فالقارئ العربي يختلف عن القارئ الأجنبي الذي قد يتوقف عن قراءة كتاب لأنه ذو أخطاء إملائية أو نحوية. وهذا ما جعل القراء الأجانب يبتعدون عن الكتب العربية. وحدث أن أعلنت دار نشر تترجم الأعمال العربية بأن الكثير ممن يقرؤها هم عرب يتحدثون لغات أخرى!
جميع هذه العوامل ألقت بظلالها على الكتب العربية الجيدة التي بعكس بحار العالم، لا يفصلها برزخ عن الكتب الرديئة. حتى أصبح البعض يهتدي إليها عبر الجوائز العالمية للكتب أو الأدب كجائزة نوبل للأدب وكتارا والبوكر العربية حيث إن الكثير من الكتب الجيدة لا تصل إلى القارئ لأنها تفتقر الترويج عنها في المنصات الأكاديمية والثقافية والإعلامية والبحثية.
في الوقت الذي ترتفع فيه مبيعات الكتب في العالم العربي، خاصة الخليج العربي، لا تلحقها نسبة القراءة إلا قليلاً. وهذا يدلنا على خلل كبير في المنظومة الأدبية والثقافية للدول العربية، وبالذات بعد شيوع برامج ونوادي وجوائز القراءة والمحاولة الجادة الكائنة في إنقاص الأمية المستشرية في العالم العربي. وأحد حلول مشكلة القراءة العربية يكون بحل معضلة النشرة المنتشرين والكتبة غير المهتمين حتى بمراجعة كتبهم قبل النشر.


جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...