الثلاثاء، 21 يونيو 2022

السعي وراء الجواب

 

من ضمن قراءاتي في مجلة هارفرد بزنس ريفيو، لفت انتباهي أمر في بعض المقالات.. و هو أسئلة كُتابها. لا الأسئلة فقط.. بل كثرتها أيضاً! يسأل الكثير من كتاب هذه المجلة المرموقة في بداية المقالة، الأسئلة التي يجاوب عليها مقالهم بعد ذلك بشكل واضح و صريح.. ليكون أمام القارئ، الذي سيكمل-على الأرجح-القراءة لمعرفة الجواب. و من هذه المقالات التي لفتت انتباهي هي مقالة بيتر دركر، (MANGING ONESELF) عن كيفية قيام الشخص بإدارة نفسه. و فيه يسأل الأسئلة التالية: ما هي نقاط قوتي؟ ما هي أفضل طريقة تحفزني على العمل؟ ما هي القيم و المبادئ التي أستند عليها في حياتي؟ ما هي البيئة أو المكان الذي أنتمي عليه بناء على قيمي و نقاط قوتي؟ ما الفائدة التي يمكنني إضافتها إلى هذا العالم؟ و عبر الإجابة على هذه الأسئلة، يصل الانسان إلى حياة مليئة بالنجاح و التميز وفق دركر.

و في مقالته المنشورة في يوليو ٢٠١٠، يؤكد كليتون كريستينسن بأن النظريات و الاستراتيجيات المُدرسة في ماجستير إدارة الأعمال في هارفرد، يُمكنها أن تساعد المرء على خوض حياة أسعد و أجمل إن طبقها في حياته، و لكن عليه أولاً أن يسأل نفسه هذه الأسئلة: كيف يمكنني أن أصبح سعيد في عملي؟ كيف يمكنني أن أجعل علاقتي بعائلتي مصدراً لسعادتي؟ كيف يمكنني أن أحيا حياة مليئة بالصدق و الأمانة؟ و لا أنسى سؤال كريستينسن الأهم، و الذي عنون به مقالته "كيف ستقيس حياتك في المستقبل؟"!

هذه الأسئلة التي يملأ بها الكُتاب مقالاتهم و رؤوسنا.. هي مفاتيح الأبواب التي علينا أن نفتحها في حياتنا. فبالأسئلة ندخل في عوالم أخرى جهلنا وجودها من قبل. فعندما يسأل الشخص نفسه: أين أنا؟ و ماذا أريد أن أصبح بعد خمس سنوات؟ يمهد لنفسه طريق جديد، قد يأخذه إلى أفاق جديدة لم يتوقع إمكانية وجودها في السابق! و لا يُشترط في السؤال وجود الإجابة مسبقاً. قد نسأل أسئلة لا نعرف إجابتها بعد. الشخص الذي يسأل نفسه: ما هي الحرفة التي أحبها و أريد أن أحترفها بقية حياتي؟ قد لا يعرف ما هي حتى يجرب العشرات من المهن و الحرف على مر السنين، و لكن الأكيد بأنه سيجد في النهاية الحرفة أو المهنة التي يحبها إذا أكمل سعيه في هذه الحياة. فإجابات جميع الأسئلة موجودة، و لكن علينا فقط السعي و البحث عنها.. فقد قال الله تعالى في سورة إبراهيم: (٣٤)(و آتاكم من كل ما سألتموه). ستصلنا جميع الإجابات، و لكن علينا البدء بالسؤال أولاً، و من ثم السعي وراء الأجوبة!

 

جواهر آل ثاني


صحيفة الشرق

 المصدر



الأربعاء، 15 يونيو 2022

المتسوق السري

  

 

أعلن ديوان الخدمة المدنية و التطوير الحكومي الأسبوع الماضي عن مبادرة جديدة باسم "المتسوق السري"، و هي عبارة عن مبادرة يتم فيها اختيار متطوعين من المجتمع لتجربة و اختبار نوعية و جودة الخدمات الحكومية المقدمة في قطر. و يقوم المتطوعين بعد ذلك بتقييم الخدمات الحكومية، ليتولى ديوان الخدمة المدنية دوره في رفع التوصيات إلى هذه الجهات الحكومية لتحسين خدماتها و أعمالها.

سررت جداً بهذه المبادرة الخلاقة، الهادفة إلى تحسين جودة الخدمات الحكومية في الدولة و الرفع من مستوى تجربة العميل. فبالاستعانة بمتطوعين من المجتمع بدلاً من موظفين ديوان الخدمة المدنية، قد نرتقي بالخدمات فعلاً، فالمتطوعين لا يتقاضون أجراً على هذا العمل الذي يخدم دولتهم و مجتمعهم، و نظرتهم إلى هذا العمل حيادية تماماً، جُل همها هو تحسين و تطوير الخدمات الحكومية التي نستعملها جميعاً على امتداد حياتنا.

وهذا الاتجاه الجريء الذي تدخل على خطه ديوان الخدمة المدنية، هو الاتجاه الذي على جميع الجهات الحكومية التفكير بالأخذ به.. و هو التفكير بالعميل "كزبون" "كمتسوق" "كباحث عن تجربة مميزة" عند بدء الإجراء الحكومي أو الأخذ بالخدمات الحكومية. فالجميع يرى تميز الشركات الخاصة في تقديم خدماتها المسهلة و السريعة. بعض الشركات تصلك إلى بيتك في ساعة لتوقع على الأوراق أو لتعطيك المستندات. و في شركات أخرى لا تضطر إلى الوقوف في طابور أو الرجوع مرة ثانية بالمستندات المطلوبة، "فالإيميل يكفي"!

بطبيعة الحال، الشركات الخاصة تبحث عن التميز في خدمة العملاء كيلا تخسرهم، و هذا ما لا تخافه معظم الجهات الحكومية، فعملاء الجهات الحكومية مضطرين إلى اللجوء إلى خدماتها.. و لكن هذه الجهات معرضة إلى خسارة المستثمرين من مواطنين و أجانب، بالإضافة إلى تهاون العملاء في استعمال بعض الخدمات الحكومية اللازمة، و هذا ما قد يؤثر سلبياً على العملاء و غيرهم.

و من الأمثلة الجيدة في الدولة على تحسين الخدمات و تنويعها، هو "بريد قطر" الذي رفع من مستوى و جودة خدماته، حتى أصبح الكثير يُفضله على الشركات العالمية الأخرى الشهيرة. و هذا ما نطمح أن نصل إليه في قطر.. التميز و الإبداع في جميع الأوجه و على الأخص في الخدمات المقدمة للعملاء، الكبار منهم و الصغار. و بتحسين الخدمات البسيطة المقدمة للعملاء، يرتفع المعيار بالنسبة للخدمات الأخرى، و سيصبح المطلوب في المستوى.. من أفضل إلى أفضل، والطريق يبدأ من هنا. 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق 

المصدر


الثلاثاء، 7 يونيو 2022

حياة أخرى قبل الحياة الآخرة

 

يفكر الناس في أحوالهم بعد خمس و عشر سنوات، بل و يضعون الخطط لما سيكون، و يريدون أن يكون في حياتهم و في تأثيرهم حول العالم.. و لكن ماذا عن الحياة بعد مئتين سنة من الآن؟ هل يتخيلها أحد؟ هل يركض أحد ورائها و يخطط لها؟ الجميع يريد أن يعيش إلى الأبد و لكن لا أحد يتخيل حياته أبعد من خمسين سنة!

الواقع هو أننا سنكون على الأغلب منسيين بعد مئتين سنة.. لن يذكرنا أحد حتى أحفاد أحفادنا وأبناء أحفاد أحفادنا.. إلا الخالد منا ذكره و العظيم منا في أثره! و هذا الأثر و الذكر الذي لا يُنسى.. لا يُشترط به أن يكون عظيماً أو كبيراً أو أن يكون الشخص مشهوراً أو ذا شأن حتى يكون له أثر و ذكر. يوجد الكثير من الناس غير المشهورة التي لا يزال ذكرها حي حتى الآن على اللسان. الجد الثالث الذي ورثكم الأرض التي تعيشون عليها اليوم ذا أثر عظيم.. معلم المدرسة الابتدائية الذي حببك في الرياضيات و العلوم حتى أصبحت مهندساً و ابنك فناناً.. ذا أثر عميق..

لا يلزمنا أن نفعل أشياء عظيمة أو أن نصبح مشاهير حتى يصير لنا آثارنا و ذكرنا بعد موتنا.. فأحياناً يكون للأمور الصغيرة الأثر الكبير. كلنا نعرف الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي اُشتهر عنه بأنه كان يحج عاماً و يغزو عاماً و الذي كان له جميع المقومات لكي يغطي نوره أي شخص حوله، و لكن نجمه لم يحجب نور زوجته زبيدة بنت أبي الفضل جعفر بن أبي جعفر المنصور، التي عرفها القاص و الدانِ من حجاج المسلمين في وقت من الأوقات، و يسمع بها الكثير من المسلمين حتى الآن. هذه الأميرة التي حجت في سنة ١٨٦ هجري و رأت بعينيها مصاعب الحجاج في حمل الماء و العثور عليه في طريقهم إلى مكة مما جعلها تأمر بحفر قنوات مائية تسد عطش الحجاج و ترويهم خلال رحلتهم إلى مكة. و لا تزال عين زبيدة موجودة حتى اليوم ومتواصل ترميمها.

و من السعودية إلى مصر و عهد السلطان المنصور قلاوون الذي بنى مجموعته من مسجد و مستشفى و قبة و مدرسة في ١٣٠٣ هجري. فقال عن وقفه الذي بناه من مستشفى و مدرسة: "وينتصبُ كل معيد ممن عُيّن في جهته لأهل مذهبه لاستعراض طلبته، ويشرح لمن احتاج الشرح درسه ويصحح له مستقبله، ويرغّب الطلبة في الاشتغال، ولا يمنع فقيهًا أو مستفيدًا ما يطلبُ من زيادة تكرار وتفهّم معنى، ولا يقدم أحدا من الطلبة في غير نوبته إلّا لمصلحة ظاهرة، ويشتغل كل واحد من الطلبة بما يختاره من أنواع العلوم الشرعية، ويراه المدرس له على مذهبه، ويبحث في كل ما أشكل عليه من ذلك، ويراجع فيه، وأن ينظر المدرس في طلبته ويحثهم كل وقت على الاشتغال، ويجعل من يختاره نقيبا عليهم، ويقرر له ما شاء".

و لا أروع من هذا الإخلاص و الحرص في ترك أثر طيب، و قد قال ابن بطوطة عن هذا المستشفى عند زيارته لمصر : "لا وجود لمبنى يشبهه في بلاد العرب والترك والعجم". و لا يزال حتى اليوم هذا المستشفى و هذه المجموعة منتصبة في القاهرة كمعلم سياحي شامخ.

و أنت.. ماذا تريد أن يتذكرك الناس به؟ ما الأثر الذي تريد به أن يتعدى سلالتك الجينية؟ ما الحياة الأخرى التي تريدها لنفسك بعد حياتك هذه و قبل الحياة الآخرة؟

 

جواهر محمد آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


 

الثلاثاء، 31 مايو 2022

ثلاثة وجوه

 (الوجه الأول)

قال الله تعالى في سورة البقرة: "و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون"(٣٠). الانسان هو أكبر سر في هذه الدنيا. هو سر لنفسه و سر لغيره. عليه أن يكتشف نفسه، و يكون للآخرين أن يكتشفونه. و في خضم اكتشاف الانسان لنفسه.. سيعرف بأنه يرى نفسه من الداخل بشكل يختلف عن الطريقة التي يراها فيها غيره. قد يرى الشخص نفسه على أنه حنون، و يراه الآخرين غليظ القلب.. قد يرى نفسه سليلاً لحاتم الطائي، و قد يراه الآخرين حريصاً-زيادة على اللزوم-على المال. و لا بأس أن ترى نفسك بطريقة مختلفة قليلاً عن الطريقة التي يراها غيرك، أو أن يروك بطريقة مختلفة قليلاً عن الطريقة التي ترى فيها نفسك. هذا طبيعي، ففي النهاية تعاملات الانسان مع غيره دائماً ناقصة، يوجد دائما نص منسي.. فكرة غير مكتملة لم تقال.. شيء ما لم يعرفه أو لم يفهمه الشخص الآخر. و يجب أن نتقبل الفجوة بين الطريقة التي نرى فيها أنفسنا و الطريقة التي يرانا فيها الغير إن كانت فجوة بسيطة كما قلت، أما لو كانت الفجوة عميقة كأن يعتقد الانسان بأنه شخص جيد، و كل من يعرفه يقول بأنه شخص سيء.. فهنا يلزم الشخص أن يراجع نفسه، فلربما كانوا على صواب و كان غروره أكبر منه دون أن يعرف. و قد تكون الفجوة في أن يعتقد الانسان بأنه شخص رديء و جميع من حوله يراه شخص رائع.. هنا يجب مراجعة النفس أيضاً و محاولة التخفيف عليها حتى تطيب حياة الانسان.

 

(الوجه الثاني)

الانسان لن يرى أبداً شكله من الخارج. فهو ليس انعكاسه في المرآة و لا انعكاسه في الماء أو الهاتف. هو شكله الخارجي الذي يراه الآخرين من عيونهم، و لذلك لن يستطيع أبداً أن يرى شكله الخارجي بالضبط كما هو من الخارج. و في المقابل، لن يرى أحداً أبداً شكله من الداخل كما هو تماماً و كما يعرفه الانسان.

 

 

(الوجه الثالث)

تقول الحكمة اليابانية بأن للإنسان ثلاثة وجوه: الوجه الأول يريه العالم، و الوجه الثاني يريه عائلته و أصحابه المقربون، أما الثالث فلا يراه سوى هو. و هذا الوجه هو الوجه الحقيقي للإنسان و أصدق انعكاس لنفسه.

لربما يكون للإنسان أكثر من ثلاثة وجوه، يقسمها على زملائه و أحبابه و أعدائه و جيرانه و غيرهم.. و قد لا يتأثر هو ولا من حوله بتعدد وجوهه.. و لكن الأكيد بأن محاولة التوفيق بين هذه الوجوه طوال الوقت، هو أمر متعب، خاصة و إن كانت وجوه متناقضة!

فاعرفوا أنفسكم من الداخل و أظهروها للخارج، حتى لا تعيشوا بأكثر من ثلاثة وجوه!

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الأربعاء، 18 مايو 2022

شباب المستقبل

 

 

جيل شباب المستقبل.. كيف حالكم؟ هل ما زلتم على عهد الأصدقاء؟ هل كبر أخيكم الصغير و لم يعد صغيراً؟ هل هزمتم الرعد أم أن الرعد هزمكم؟ هل ما زلتم تغنون: "يأتي يوم.. يُطوى يوم.. يغدو ماضٍ أو خيال.. ماذا أريد.. ماذا أصير؟ هذا هو السؤال!"؟ ماذا فعلتم في هذا العالم أو على الأرجح ماذا فعل العالم بكم!

عندما أُفكر في طفولة جيل الألفية، أبرز ما يخطر في بالي هو أغاني قناة سبيستون التي كانت تُعدها للرسوم المتحركة. كانت أغاني قوية، لها معانيها.. مداخلها و قفلاتها.. لا يمكنك التحرر منها بسهولة و لا يمكنك سوى أن تغني معها في كل مرة تُعرض على الشاشة! و لربما و لهذا السبب لا تزال رشا رزق تُلاحق في حفلاتها من قبل شباب في الثلاثينات من عمرهم، كي تغني شارة بداية القناص و أنا و أخي!

هذه الأغاني هي التي شكلت وعي جيل الألفية الذين كانوا يغنون بحماس: "شرف الوطن أغلى منا ومن ما قد يجول بفكرنا في أي زمن!". و من ثم نغني بحب لأمهاتنا: "أنت الأمان.. أنت الحنان.. من تحت قدميك لنا الجنان.. عندما تضحكين.. تضحك الحياة.. تزهر الآمال في طريقنا.. نحس بالأمان!".

كنا نشعر بما نشاهده كأطفال و كان له معنى و قيمة، و كنا نعرف ذلك. فهل يوجد ما يشابه هذه الأغاني و الرسوم المتحركة قيمة و معنى لجيل اليوم؟ هل لديهم بوصلة ترفيهية ترشدهم إلى الغايات و المعاني التي يجب أن يبحثوا عنها في هذه الحياة؟ قد يكون لهذه الرسوم المتحركة المُعتبرة وجود اليوم، و لكن هل يشاهدها الأطفال أم أن عيونهم ملتصقة بمقاطع فيديو اليوتيوب التافهة و برقصات التك توك؟! و من المُحاسب اليوم على قيمة ما يشاهده الأطفال؟ هل هي شركات الإنتاج و عدم قدرتها على التكيف مع متغيرات العالم الجديدة و نزوح الأطفال إلى الانترنت و ألعاب الفيديو و وسائل التواصل الاجتماعي؟ أم أن المسؤولية تقع على الوالدين و حرصهم على تتبع ما تقع عليه أنظار الأطفال؟ هل المشكلة اليوم في تدهور نوعية الرسوم المتحركة و جودة البرامج التي يشاهدها الأطفال أم أن أطفال اليوم لا يريدون أن يشاهدوا البرامج و الرسوم المتحركة البناءة؟ و كيف وصلنا إلى مرحلة رفض الأطفال مشاهدة ما ينميهم و يرسخ في داخلهم القيم و المعاني الثمينة؟! هذه بعض الأسئلة التي قد تساعدنا في الحفاظ على جيل اليوم.. فقد كبر جيل شباب المستقبل.. و نحتاج الآن الالتفات إلى الجيل الجديد من شباب المستقبل.

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


 

السبت، 14 مايو 2022

لا تجعلوا الأشرار مشاهير!

  

 

القصة الأولى تتحدث عن سيمون ليفيف وهو محتال اسرائيلي قضى أيامه مدعياً بأنه رجل أعمال كي يخدع النساء و يأخذ أموالهم و القروض التي يحصلن عليها من أجل إعطائها له دون أن يرد لهن شيكلاً واحد!

القصة الثانية عن آنا ديلفي و هي وريثة أموال أبيها في ألمانيا أو هذا ما جعلت كبار مستثمري نيويورك يظنونه كي يضخوا أموالهم في جيبها لتعيش حياة الأثرياء المترفة.

القصة الثالثة هي عن جو اكزوتيك. جو اكزوتيك هو بالضبط كما يدعي. رجل أرعن أحمق مزعج، سيحارب كل من سيقف في وجهه و في وجه أحلامه.. الناس.. الحكومة.. و حتى الحيوانات!

قد يبدو أبطال هذه القصص الثلاثة بلا قواسم مشتركة لمن لا يعرفهم، و لكن من سمع عنهم، سيعرف بأن بينهم الكثير من القواسم المشتركة. فجميعهم سيئين و محتالين و كاذبين و أضروا الكثير من الناس حولهم، و لكن القاسم الكبير المشترك بينهم، بأنهم جميعهم مشهورون! جميعهم أُعدت برامج و مسلسلات حولهم و أصبحوا معروفين للناس. و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استفادوا من شهرتهم هذه التي أعطاها الناس لهم. سيمون ليفيف أصبح يواعد عارضة أزياء و وكل مدير أعمال ليبحث له عن فرص تمثيل في هوليوود.. آنا ديلفي دفعت لها نتفلكس ما يزيد على ٣٠٠ ألف دولار لقاء الحصول على حقوق قصتها.. جو اكزوتيك يتلقى الهدايا و زيارات المعجبين في سجنه بل أن بعض المعجبين يحاول إطلاق سراحه اليوم!

من السهل جداً لوم نتفلكس و شركات الإنتاج على جعل هؤلاء مشاهير.. و لكنها شركات في النهاية، جُل هم أصحابها هو المردود المالي، و لكن ما عذر الجماهير و المعجبين الذين يركضون وراء هؤلاء و يجعلونهم أكثر شهرة و غنى؟!

قبل عدة أعوام انتشرت عبارة "لا تجعلوا الأغبياء مشاهير" على أنحاء مواقع التواصل الاجتماعي، و كانت تلك إشارة إلى بعض من اشتهروا بسبب مقاطع فيديو غبية أو أمور غبية تلفظوا بها و انتشرت، فأصبحوا شهيرين بسببها لا لسبب آخر مقنع مثل القيام بعمل عظيم أو التفرد بمهارة مميزة. و اليوم انتقلنا من جعل الأغبياء مشاهير، إلى جعل الناس السيئة، مشاهير و أغنياء!

هذا الجو العام الذي نعيشه، و الذي فيه يتم مكافأة الأشرار بالشهرة و المال، سيكون له تأثير كبير على الأجيال القادمة التي ستظن بأنه من المسموح لها أن تكذب و تحتال و تسرق من أجل المال و الشهرة، و أنه لن يطالها العقاب بل ستُكافئ كما تمت مكافئة من أتى قبلها-أو على أكثر تقدير-ضربها على الرسغ كتحذير قبل أن تستلم جوائز الشهرة و المال!

يجب أن نعرف و أن نُعلم غيرنا بأن هذه القصص هي قصص تحذيرية لا قصص خيالية في نهايتها يفوز الأمير بيد الأميرة! و أننا نحن من يغذي شهرة هؤلاء الأشرار الذين يملئون شاشتنا، و نحن من نستطيع أن نسحب البساط من تحتهم!

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 3 مايو 2022

اختر جوعك!

  

 

شاهدت الأسبوع الماضي صدور خبر في قناة الجزيرة عن يوتيوبر قفز من طائرته الخاصة و تركها تتحطم وسط الجبال بغرض زيادة نسبة مشاهدات قناته في اليوتيوب. هذا الخبر ذكرني بقصة شخصية الانترنت (نيكوكادو أفوكادو) الذي انتقل من كونه انسان نباتي يصور مقاطع فيديو عن الأكل النباتي و أسلوب الحياة الصحية إلى عمل مقاطع فيديو (الماكبانق)، و هي مقاطع فيديو انتشرت أولاً في كوريا الجنوبية لأناس يأكلون صنفاً واحداً أو أكثر من الطعام أمام الكاميرا مع تفاعلهم مع الجمهور.

اُشتهر نيكوكادو أفوكادو بعد عمل مقاطع فيديو الماكبانق، شهرة لم يحلم بها أثناء أيامه النباتية، فازداد أكله النهم أمام الكاميرا، لترتفع شهرته مع وزنه، حتى مرض، و أصبح لا يستطيع المشي كثيراً ولا يقدر على النوم إلا بمساعدة جهاز تنفس! بل أن حتى ضلوعه التي تكسرت لم تمنعه من الأكل أكثر و أكثر في سبيل المشاهدات و الشهرة!

هذه الشراهة إلى الشهرة نوع من أنواع النهم، و ليست كلها.. هناك الشراهة إلى المال.. النساء.. الطعام.. الشراهة لأيٍ من ملذات الدنيا البعيدة عن ملذات الروح..

هذه الشراهة هي ما تضيع الانسان.. و تدخله في دوامات قد يعجز عن الخروج منها لأنها كلها رغبات خارجية هدفها إشباع فراغ داخل الانسان. المستميت على الشهرة قد يكون طالباً لانتباه فقده في طفولته.. عاشق النساء قد يكون باحثاً عن عاطفة ما تهون عليه جرح قديم.. عبد المال قد يكون فرد أثرت عليه ماديات العالم اليوم، و يريد أن يقارع البقية بنقوده و ممتلكاته.

يجهل البعض نهمه للدنيا، و آخرين يجهلون الأسباب وراء نهمهم.. الأخير له فرصة التحسن و إعادة نفسه إلى التوازن و الاعتدال.. و الأول أمامه طريق طويلة، فيه قد يضر نفسه أو حتى غيره!

قال الرسول عليه الصلاة و السلام: (منهومان لا يشبعان، منهوم في العلم لا يشبع منه و منهوم في الدنيا لا يشبع منها). و قد أثنى الرسول على الأول و ذم الثاني.

هناك أمور محمود السعي ورائها بشتى الطرق مثل العلم.. صلة الرحم.. عمل الخير.. تحسين حياة الناس و العالم! و هناك أمور أخرى.. لا يُسمى السعي ورائها بشتى الطرق "سعياً" بل نهم أو إدمان أو شراهة، تُنفر و لا تقرب!

اختر جوعك الذي لن يشبعك و لن يلتهمك من الداخل! اختر أن تكون منهوم في العلم لا الدنيا! اختر سعيك بإتقان!

 

جواهر محمد آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...