الخميس، 20 أبريل 2017

لا تفكر كثيراً

قضيت جزءاً كبيراً من حياتي، وأنا أقلق وأفكر دون فائدة. كنت أفكر مطولاً في المستقبل، وإذا ما حصلت لي مشكلة ما، أجدها محل تفكيري إلى أن تُحل أو تضيع مع بقية الأحداث في حياتي. استمررت على هذا المنوال حتى قررت في يوم من الأيام الآتي: إذا ما حدثت لي مشكلة أو مسألة مهمة، لن أفكر فيها سوى وقتها! مثال على ذلك لو حدث لي أمر يستوجب علي التعامل معه في محل عملي، فإني لن أفكر فيه خلال عطلة نهاية الأسبوع، بل سأترك الأمر حتى أول يوم عمل، وعندها سأتصرف، لأن التفكير في عطلتي لن يساعدني ولن يغير من الأمر شيئاً!
شيئاً فشيئاً، جعلت صفاء ذهني جزءاً من روتيني اليومي. لا أفكر في العمل سوى وقت العمل.
يتحدث إيكهارت تولي في كتابه «قوة الحاضر» «The Power of Now» عن التفكير وعدمه، وتأثير كل منهما على الإنسان. وكيف أن التفكير يؤدي إلى التعاسة وعدم الرضا. كيف؟ عندما يعلق الإنسان في المستقبل أو الماضي أو كليهما، ويترك الحاضر.
ويكمل إيكهارت حديثه قائلاً إن التوقف عن التفكير والعثور على نقطة الهدوء الداخلية عبر الخروج عن دائرة تفكير العقل، يؤدي إلى اكتشاف الإنسان لكيانه الحقيقي، وبالتالي إلى السعادة والسلام والحب.
لست من هواة الكتب الروحية أو كتب تنمية الذات، ولكن وقت قراءتي لكتاب تولي، تذكرت كتاب مالكوم جلادويل Blink: the power of thinking without thinking، والذي تحدث فيه الأخير عن قوة الانطباعات الأولية والأفكار الجديدة التي تقفز إلى الذهن دون تفكير ووعي. رغم أن إيكهارت يشدد على أهمية الوعي وقت التفكير وأهمية التوقف عن التفكير أي حال السكينة الداخلية. ولربما قد يختلف أحدهم معي بسبب ربطي لكتاب إيكهارت بكتاب جلادويل إلا أني أكاد أكون متأكدة من كون اللحظة الأخيرة قبل تكوين الإنسان لانطباع أول، هي لحظة سكينة تامة وتوقف للعقل عن التفكير!
لن أنسى ذكر جميع العلماء والأدباء الذين أوجدوا حلولاً أو كتبوا كتباً ناتجة عن أفكار صعقتهم في أوقات صفاء البال، أو عند قيامهم بعمل لا يتطلب نشاطاً ذهنياً. جميعهم في أوقات ما، كانوا يتوقفون عن التفكير أكثر من الأوقات التي يفكرون فيها!
فكروا، ولكن لا تكثروا التفكير! هذه ليست دعوة إلى البلادة الفكرية بل إلى التأمل الداخلي وإعمال الوعي حول جميع الأفكار الداخلية، والأحداث الخارجية، بل وإقامة الوعي على الوعي نفسه! الفكر مطلوب في وقته، كوقت العمل أو وقت الحاجة إلى حل مشكلة ما، مثلاً، أما المقصود بالتوقف عن التفكير هو التوقف عن التفكير المرضي الذي لا يقدم، ويؤخر! التفكير في أي شيء غير اللحظة الراهنة التي يعيشها الإنسان. وإذا وجدت نفسك في حالة كهذه، فإن إيكهارت يقترح عليك حلولاً ثلاثة: إما أن تتقبل الفكرة أو المشكلة أو الوضع، أو أن تغيره بنفسك أو أن تمضي في حياتك، ولكن لا تقتل نفسك تفكيراً بها!

ملاحظة:
المقالة تطلبت تفكيراً طويلاً.



جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


أولاً: لماذا؟

نحن في عصر حتمية النجاح الكل يريد أن ينجح وبسرعة، وإن كتب على أحدهم الفشل، فهو يريد أن يفشل بنجاح! كيف؟ إما أن يخرج ببعض المال أو الشهرة بفشله، أو يفشل بشرف أو بأقل الطرق إحراجاً!
ولأننا في عصر السرعة، فالنجاح السريع يموت سريعاً، والنجاح المستمر يأتي ببطء لأن صاحبه عمل عليه طويلاً، وسأل نفسه كثيراً: لماذا؟
يتحدث سايمون سينك في كتابه «ابدأ بلماذا» «Start with why» عن نجاح الأفراد والمؤسسات، وكيف أن جميع الناجحين سألوا أنفسهم «لماذا؟» وأن معظم من فشلوا يرجع سبب فشلهم إما لافتقارهم «للماذا» أو لفقدانهم «السبب أو الأسباب» أي جواب «لماذا» في منتصف طريقهم.
لماذا أكتب؟ كي أعبر عن أفكاري وأحلامي ورؤيتي للعالم، متأملة أن أؤثر في شخص واحد على الأقل. لماذا أريد أن أصبح طبيباً؟ لأساعد المرضى، وأشفي الناس بإذن الله ومشيئته. لماذا أرغب في العمل في شركة اتصالات؟ كي أُحسِن من طريقة تواصل الناس مع بعضها البعض. لماذا أتمنى فتح مصنعي الخاص؟ كي أخدم الناس وأساعدهم في تحقيق أحلامهم.. مثلاً! وغيرها من الأسئلة والأجوبة الواجب على كل شخص يحمل حلماً ما، أن يطرحها ويحفظها في نفسه.
مثال على الأشخاص الذين سألوا أنفسهم «لماذا»، العاملين في «ناسا» الأميركية. هؤلاء رأوا أنفسهم يعملون هناك ويحققون شيئاً للعالم قبل أنفسهم. لم يحلموا بشهرة أو مال، بل حلموا بتغيير العالم والوصول إلى أماكن جديدة. تجدهم يقدمون سيرتهم الذاتية وأوراقهم المطلوبة للعمل، في «ناسا» فقط دون مكان آخر، لأن حلمهم وخطتهم تكمن في العمل هناك لا مكان آخر، لا يوزعون سيرتهم الذاتية في أكثر من مكان على أمل الحصول على وظيفة ما.. هم فقط يريدون «ناسا»! وإن تم رفضهم من قبل «ناسا»، يحاولون العثور على طريقة ما للدخول إليها عاجلاً أم آجلاً، إن لم يجدوا طريقاً آخر يحققون به «لماذا» الخاصة بهم.
«لماذا» هذه المقالة تسكن برغبتي في عثور كل قارئ على «لماذا» العائدة إليه. فكروا فيها طويلاً ثم تمسكوا بها طوال رحلتكم في الحياة. هي بوصلتكم وسفينتكم.. هي ما سيوصلكم إلى أحلامكم وطموحاتكم.


جواهر بنت محمد بن عبد الرحمن بن أحمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

الأربعاء، 12 أبريل 2017

احساس و محاولة

(إحساس)
«إحساسي لا يخيب!». كم مرة استعملنا هذه العبارة في أماكن لم نفهم فيها منبع الإحساس أو مصبه؟ كم مرة خاب فيها إحساسنا؟ وكم مرة انتصر فيها وخسرنا نحن شيئاً ما؟ على أية حال كنا، نحن لا نفهم سبب إحساسنا الباطن. لا نعرف ما وراء حرقة المعدة، وقرصة القلب التي تقول لنا إن أمراً ما على وشك الحدوث، أو أن محدثنا يكذب، أو أن الموضوع أكبر مما نراه! ورغم ذلك نشعر بكل ما لا نسمعه ولا نراه، وكأننا نسمعه ونراه أمامنا.

(قول وفعل)
كم مرة فعلنا أشياء غير مقتنعين بها، وقلنا أموراً لا نعنيها؟ كم مرة قمنا بأعمال لا نفهمها أو لا نفهم الأسباب التي جعلتنا نقوم بها؟ ولا أقصد تلك الأمور التي نفعلها في حالة انفعال سلبي أو إيجابي.. أتكلم عما نقوم به ونحن هادئون أو في حالة نفسية محايدة، غير مغمورين بمشاعرنا الإنسانية. أتحدث عن الأوضاع التي نجد فيها أنفسنا نبوح لشخص ما بشيء، لنتساءل: لماذا أسررنا بذلك؟ أو عن الأحوال التي نتصل فيها على هاتف صديق قديم في حركة لا إرادية..

(محاولة)
يذكر مالكوم جلادويل في كتابه «Blink: the power of thinking without thinking» قصة تمثال تم بيعه في ثمانينيات القرن الماضي لمتحف جيتي في كاليفورنيا. التمثال المذكور في الكتاب «الكوروس» يعود تاريخه -بحسب البائع- إلى القرن السادس قبل الميلاد. قام المتحف بفحص التمثال قبل شرائه عبر علماء وفنانين مختلفين. ظهرت نتيجة الفحص العلمي مؤكدة أصلية «الكوروس» وانتفاء تقليده، وأجمع معظم الفنانين والدارسين في مجالات الفن والتاريخ على ذلك أيضاً، ما عدا حفنة من الفنانين الذين «شعروا» بأنه مزيف. وما بين الشعور الحسي والبرهان العلمي، اشترى المتحف التمثال.
ولسبب ما، «قد يكون شك القائمين على المتحف أيضاً في أصلية التمثال»، استمر البحث فيه وفي تاريخه، ليتبين في النهاية بأنه مزيف وحديث الصنع، لا يعود إلى قرون ماضية قبل الميلاد!
لماذا شعر فريديريكو زيري بأن التمثال لم يبدُ في حالته الطبيعية؟ كيف شعرت إيفيلين هاريسون بأن «الكوروس» مزيف؟ ما السبب الذي جعل أول كلمة تخطر في بال توماس هوفن هي «Fresh» -أي جديد- عند رؤيته التمثال؟ هم لم يعرفوا وقتها، وليس لنا أن نعرف!

(وصول)
ما لا نعرفه عن أنفسنا أكثر مما نعرفه. كيف لنا أن نفهم كل الأمور التي نقوم بها؟ كيف لنا أن نفهم الأحاسيس المبطنة التي نشعر بها في أوقات لا نملك فيها الدلائل والبراهين؟
يقول مالكوم جلادويل، عبر كتابه، إن الحل يكمن في المحاولة والتجربة واكتساب الخبرة. مثال ذلك الفنانون الذين يمكنهم من خلال واقع تجربتهم وتعرضهم المستمر للقطع الفنية القول إن هذه القطعة مزيفة وتلك أصلية، عبر شعور لا يمكن وصفه عن طريق مختبر، أو وثيقة تاريخية.
وأزيد عليه، التأمل. يمكن للتأمل في النفس أخذنا إلى مخازن ومستودعات الروح، تلك الأماكن التي نفهم فيها أنفسنا أكثر، ولماذا نفعل ما نفعله أو ما لا نفعله؟!
في مخازن النفس، أشياء نعرفها ونعرف كيفية الوصول إليها، وأشياء نعرف بأنها موجودة لكننا لا نعرف طريقها، وأمور نسينا وجودها أصلاً، وأمور أخرى لا نتذكر إن كانت موجودة أو رميناها خارجنا!
وقتما عرفنا ما في دواخلنا عن طريق التأمل، سنتمكن من معرفة أسبابنا ودوافعنا الخفية عن كل أحد حتى أنفسنا. عندها سنفهم حقاً وسنصل وسنصدق العبارة الملقية دائماً على مسامعنا: «أنت تعرف أكثر مما تظن!».



جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

هل تسمعهم يهتفون؟

(١)
على مكتبي في المنزل وأمام عينيّ، علقت شهادة، محتواها كالآتي: «تشكر إدارة المدرسة الكاتبة: جواهر آل ثاني لإبداعها المتميز في الكتابة، وحسن اختيارها للموضوع، فلها كل الشكر والتقدير، وإلى مزيد من التوفيق والسداد. ودمت سالمة».
الحقيقة أنني لا أذكر مناسبة الشهادة، ولا ما كتبته أيام دراستي في المرحلة الثانوية لأستحقها. كل ما أعرفه بأنها شدت انتباهي الأسبوع الماضي، وأنا أفتش بين أشيائي القديمة باحثة عن شيء ما، نسيته ما إن عثرت على الشهادة!
جلست ألتهم كلمات الشهادة لساعات، بابتسامة عريضة، وأركز على عبارة «الكاتبة: جواهر آل ثاني». كم كان حظي كبيراً في تلقي مثل هذا التشجيع والتقدير في وقت لم أعرف فيه أنني سأصبح كاتبة، أو أن طموحي الحقيقي هو الكتابة! كل ما كنت أعرفه بأني أحب الكتابة من حين لآخر في مدونتي ودفاتري الدفينة في سري ودرج مكتبي.

(٢)
من أسباب النجاح الأساسية التشجيع وتلقي الشكر والتقدير. نعم يوجد الكثير من الناجحين الذين قال لهم أساتذتهم أو أفراد عائلتهم لهم إنهم سيفشلون، أو إنهم أغبياء، أو إن أحداً لن يحبهم يوماً من الأيام، ولكن هؤلاء هم الاستثناء من القاعدة، فأكثر منهم بكثير من كان قد نجح بسبب معاونة غيره له مع شكره وتشجيعه وتقديره.
أذكر في مقامي هذا قصة الضفدع الصغير الذي سقط في حفرة كانت في طريقه هو وأصحابه، فما كان منه سوى القفز مرة بعد مرة في محاولة منه للخروج منها، في الوقت الذي كان فيه أصحابه يرجونه عدم المحاولة لعمق الحفرة واستحالة خروجه منها بالقفز. كانوا يطالبونه بالتوقف واحتفاظه بقوته عل وعسى أن تمطر السماء، فتحمله المياه خارج الحفرة.
خرج الضفدع الصغير في النهاية من الحفرة وسط دهشة الجميع، ليتضح بعد ذلك أنه لم يسمع شيئاً مما قالوه، بل وظن بأنهم كانوا يشجعونه ويهتفون له بمواصلة محاولات الخروج وعدم الاستسلام!
كم منا من قفز عند تشجيعه، واستسلم وقت تحبيطه؟ كم منا تعلّم حل معادلة رياضية بعد إلحاح ودفع من المدرس أو الوالدين في وقت لعنا فيه الرياضيات وكل المواد العلمية الأخرى؟ من منا خضع لتشجيع أصدقائه بالخروج والوقوف على عتبة المسرح في لحظات كنا أقرب فيها مسافة إلى باب الهروب، وبعداً عن أي شيء آخر؟

(٣)
التشجيع ينمي المواهب ويعطي إبرة الحياة للأحلام بعيداً عن الأوهام. الشكر والتقدير يعلي الهمة ويخلق طموحاً كبيراً لا تجاريه قمة. ولأني أريد الحصول على بعض من شرف الشكر والتقدير، أشكر مدرستي: الشمس الثانوية، وأمي وعائلتي وأصحابي، وكل من شجعني على الخوض والاستمرار في مغامرتي الكبرى: الكتابة. شكراً من القلب.. والقلم!




جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

الخميس، 23 مارس 2017

الاستثنائيون

كما أن لكل فشل قصة ونهاية، لكل نجاح قصة وبداية. واعتدنا عند روايتنا قصص نجاحنا أو قصص نجاح غيرنا، الحديث عن أنفسنا أولاً كسبب للنجاح، فنقول: وُفقنا بسبب عملنا الدؤوب، أو قدراتنا، أو مواهبنا، أو تحملنا للصعاب التي واجهتنا، أو غيرها من الخطابات التي نكون فيها البطل الرئيس في قصصنا. لمالكوم جلادويل صاحب الكتب الشهيرة (Blink: the power of thinking without thinking وThe tipping point: how little things can make a big difference)، وجهة نظر مختلفة.
عبر كتابه «Outliers: the story of success»، يتحدث جلادويل عمّن يسميهم «The outliers» أو «الاستثنائيون»، وعن كيفية نجاحهم، والطريق الذي وصلوا به لمراكزهم العالية. لم يكن نجاحهم جهداً فردياً وحسب، كما شدد على كلماته. النجاح العائد على الكبار، أمثال: بيل جيتس، وبيل جوي، وستيف جوبز، وفرقة ذا بيتلز، كان نتاج عوامل كثيرة، مثل: الفرص، والبيئة، والمجتمع، والعائلة، والتعليم، والمال، والثقافة، والجغرافيا، والاقتصاد. هؤلاء بعض من ذكر قصصهم في كتابه، ولأوضح فكرته أكثر، سأروي قصة دورثي فون غير الوارد الإشارة إليها في كتابه.
دورثي فون كانت أول أميركية من أصول إفريقية، تشرف على فريق عمل في مركز لانجلي للأبحاث في ناسا. كيف وصلت لذلك المركز؟ القصة التقليدية للنجاح ستكون روايتها على هذا النحو: عملت فون بشكل دؤوب ليل نهار حتى رقيت من موظفة إلى مشرفة، في وقت هُمشت فيه النساء، وخاصة الأميركيات من أصول إفريقية. وهذه هي الحقيقة، نوعاً ما، فالسيدة فون علمت نفسها وغيرها من الموظفات في قسمها -قبل ترقيتها- لغة البرمجة «فورتران»، ولكن ما ساعدها أيضاً كان وجود الأجهزة الجديدة من «BMI» في محل عملها، وقدرتها على الوصول إليها والتدرب عليها. بمعنى: هل كانت عالمة الرياضيات فون لتصل وتترقى لو استعصى عليها الوصول إلى هذه الأجهزة، أو لو أنها عملت في مكان آخر، أو في مكان لا يتوافر فيه هذا النوع من الأجهزة الحديثة؟ بالطبع لا، حيث إن نجاحها مجموع عملها الجاد في المكان والزمان المناسبين، بالإضافة إلى خبرتها وعلمها وعملها الواسع في الرياضيات، سابقاً!
دارت أفكار مالكوم جلادويل في رأسي، وأنا أتذكر عمالقة مصر في بدايات القرن العشرين. من طه حسين والعقاد إلى أم كلثوم وإحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ ورشدي أباظة وسعاد حسني وفاتن حمامة، وغيرها من الأسماء الكبيرة الكثيرة التي ما إن نتذكرها حتى نقول: مصر ولادة! أياً كان قائل هذه العبارة، فهو كان قد وصل إلى استنتاج جلادويل قبله، حيث إنه لم يرجع النجاح لأصحابه بل لمجتمع وبيئة مصر!
عناصر الواقع تصنع الإنسان، بقدر ما يصنع هو الواقع. واليوم نرى توافر جميع الإمكانيات والفرص للمجتمعات العربية، وخاصة الخليجية، من تعليم ممتاز وعال إلى الثقافة والمال، وحرص وفهم الناس لأهميتهم.. كل ما تبقى هو العمل الجاد الدؤوب من الانسان، كي يولد «الاستثنائي» من بيننا.



جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الثلاثاء، 21 مارس 2017

حقائق بديلة

أكثر ما يُشتهر به السياسيون هو الكذب. ولم تزد كيلين كونواي مستشارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الوضع إلا سوءاً. عبارتها المشهورة «الحقائق البديلة» التي دافعت بها عن كذب المسؤول الإعلامي للبيت الأبيض شون سبايسر، خلقت حالة من السخرية الممزوجة بالغضب والتحدي المستمر في أرجاء الولايات المتحدة الأميركية. لماذا أقول إنه تحدٍ «مستمر»؟ لأنه كان قد بدأ مع الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقيام المرشحين بتراشق الاتهامات والإشاعات الصحيحة والكاذبة جنباً بجنب. ومع وصول المرشحين الديمقراطي والجمهوري، كلينتون وترمب، للمناظرات النهائية، كثر الكذب حتى احتار جمهور الناخبين بين كلينتون وترمب. 
وشعر فريق كلينتون بحيرة الناخبين بعد تناقص شعبيتها في الاستطلاعات، بسبب الإشاعات التي أطلقها ترمب حولها، فقامت بعمل خدمة في موقعها الإلكتروني لدحض كل الأكاذيب الخارجة من فم ترمب.
كل الإشاعات والاتهامات والتراشق الإعلامي الذي حصل في الانتخابات الأميركية، أعادني لمشهد في فيلم «Our Brand is Crisis» تشدد فيه الممثلة ساندرا بولوك على أهمية وخطر الإشاعات، وأنه ليس من المهم أن يصدق الناس الإشاعة السيئة المتعلقة بالمرشح السياسي، المهم أن تلتصق به.. بذلك فقط، ستضره كثيراً. وعلى أن الأوضاع وقت الانتخابات الأميركية الأخيرة كانت قد وصلت مرحلة جديدة من السوء والدناءة، إلا أنها خلقت، كما أرى، حالة صحية من الوعي والرغبة في البحث عن الحقيقة والحقائق لدى الأميركيين وغيرهم. مواقع مثل http://www.factcheck.org اتسع مجال انتشارها ووصولها للناس. وفي العديد من الولايات الأميركية، بدأ المعلمون من المرحلة الإعدادية وحتى المرحلة الجامعية بتعليم طلابهم كيفية معرفة الأخبار الحقيقية من الأخبار الكاذبة. ويكفي أن ينظر المرء إلى بعض تغريدات دونالد ترمب القديمة ليرى ردود الناس، وبحثهم الحثيث حول مدى صوابها من عدمه.
أتمنى أن تصل هذه الحالة من الوعي إلى مجتمعات «الواتس آب» و»البرودكاست». هذه المجتمعات المؤمنة بكل ما يأتي به «الواتس آب»، وكأنها كتب منزلة من السماء! فلا يقوم أفرادها بالبحث حول حقيقتها وأصلها وفصلها، بل ويدافعون عنها أمام الآخرين وكأنها خرجت من تحت أيديهم هم!
هناك حسابات عربية على «تويتر» لدحض الإشاعات والأخبار الكاذبة، ولكن ذلك غير كاف لمئات الملايين من متحدثي اللغة العربية. الحل يكون في وضع الأدوات في أيديهم من وقت دخول المدرسة، ليتمكنوا هم أنفسهم من الشك فيما يسمعونه ويقرؤونه ويرونه، وليحاولوا مطابقته مع الواقع والمنطق. هل هو صحيح؟ هل هو واقعي؟ هل هو منطقي؟ ولماذا؟ وهل هناك مصلحة في عدم البوح بالحقيقة والحقائق؟ وما السيناريو الأصلح أو الأقوم لهذه الحالة أو الصورة أو الفيديو أو الوضع؟
في أوضاع الشك فقط، يمكننا أن نسأل عن حقائق «بديلة».


جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


عن الفاشلين الذين نجحوا

(مقدمة)
هذه المقالة ليست عن الناجحين الذين فشلوا مراراً و تكراراً حتى حققوا أحلامهم و شهرتهم و جمعوا أموالهم الطائلة.. هذه المقالة عن الفاشلين الذين نجحوا..

(قصتا فشل)
في أربعينيات القرن الماضي، قامت السيدة فلورنس فوستر جنكنز بحجز قاعة كارنيجي في نيويورك، لتحقق بذلك حلمها بالغناء فيها. فلورنس باختصار، سيدة كرست حياتها وأموالها الموروثة من والديها في سبيل الغناء والموسيقى. كانت رمز دعم الموسيقى والفنانين في نيويورك.
ومع ذلك، كانت هي والجمهور في قاعة كارنيجي على موعد مع الفشل الذريع.
بعدها بسنوات، طلع على الساحة الفنية مخرج شاب باسم إد وود.. إد وود لم يختلف عن فلورنس كثيراً، كان رجلاً يحمل حلماً أكبر من قدراته، ولكنه لم يكن أكبر من شغفه ورغبته في النجاح في مجال الفن والسينما.
منذ صغره، وَلِع «إد» بالسينما والتصوير، حتى إنه كان يهرب من المدرسة ليذهب لدور عرض الأفلام. وكانت فرحته كبيرة بكاميرا الكوداك المهداة إليه في عيد ميلاده الثاني عشر. كتب إد وود العديد من الروايات والأفلام، ومثّل وأخرج وأنتج أفلاماً كثيرة.
فاز إد وود، وفاز فيلمه Plan 9 from outer space بجائزتي أسوأ مخرج وأسوأ فيلم في التاريخ. ولم تبعد فلورنس فوستر جنكنز عنه كثيراً، فقد قال عنها نقاد وقتها ووقتنا إنها من أصحاب الأصوات السيئة في الغناء على الإطلاق! ورغم ذلك، مشاهدات أفلام إد وود هي من أعلى المشاهدات. كما أن تسجيل حفلة فلورنس في قاعة كارنيجي، هي من أكثر التسجيلات المطلوبة في تاريخ حفلات القاعة!
قبل أن تقلّب الصفحة عزيزي القارئ، صدقني عندما أقول لك إن هذه المقالة تشجيعية وتحفيزية، ولكنك لم تقرأ الكلمة الأخيرة بعد.
فلورنس فوستر جنكنز وإد وود هما من الفاشلين الذين نجحوا.. فشلوا في مجالاتهم التي اختاروها، ونجحوا بسببها أيضاً بشغفهم وحبهم ومتابعتهم لها. نعم، كان صوت فلورنس سيئاً إلى درجة كتابة أحد النقاد عنها: «فلورنس قادرة على غناء أي شيء.. ما عدا النوتات!». نعم، كانت أفلام «إد» فاشلة في جميع النواحي، السيناريو والإخراج والإنتاج وحتى التمثيل، ولكن كليهما أثرى مجاليهما في الأخير. فلورنس كانت داعمة للموسيقى والغناء في نيويورك بوقتها ومالها، مما أدى إلى ازدهار المشهد الفني في زمنها.. و»إد» عبر عن أفكار جديدة من منظور مختلف في أفلامه. كلاهما تبع أحلامه. كلاهما حاول، وإن رأى البعض أنهما فشلا في النهاية. هؤلاء البعض الذين يرون فشل فلورنس و»إد» في حياتهما العملية، لا يفهمون بأن العبرة لم تكن يوماً بالنجاح فقط، بل بالمحاولة أيضاً، والركض وراء الشغف والأحلام. أو كما قالت ميريل ستريب وهي تؤدي دور فلورنس فوستر جنكنز في الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه: «قد يقول الناس إنني لم أستطع الغناء، ولكن لن يقول أحد إنني لم أغنِ!».



جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...