الخميس، 27 ديسمبر 2012

فليأكلوا وعودهم الكاذبة!

نُشر في السبت الماضي في صحيفة الأنباء، خبر عجيب عن صحافي روسي عاقب نفسه بتناول حساء من القشدة كان قد وضع فيه مقالة ورقية نشرها وتنبأ فيها بمعلومات لم تتحقق على أرض الواقع عن وزارة البنية التحتية الروسية! وقال الصحافي أمام كاميرات التصوير التي وثقت فعله بالصورة الجامدة والمتحركة: «فعلت ذلك ليعرف العالم أنني صحافي محترم، أحب مهنتي وأقدر قواعدها، وها أنا ذا آكل أمامكم مقالاتي الكاذبة وأنشر الفيديو على «يوتيوب» ليعرف الناس قيمة الكلمة الصادقة في الصحافة».
تساءلت بعد مشاهدتي للصحافي وهو يبتلع الحساء «المورق» بصعوبة: ماذا لو عاقبنا كل الصحافة العربية التي تنشر نبوءات ومعلومات خاطئة بهذه الطريقة؟ اعتقادي الخاص يشير علي أن معداتهم عندها ستتقرح وستُترك هذه الوظيفة «الشاقة» لأصحاب المعدات القوية! ثم تساءلت مجدداً: ماذا لو عاقبنا كل مسؤول عربي نشر وعوداً كاذبة بهذه الطريقة؟ الأكيد بأن المسؤولين سيتضررون عندها أكثر من الصحافيين!
«هذا المشروع سينتهي في اليوم…شهر…سنة…» وعندما يأتي ذاك اليوم يفاجأ الناس بلوحة أخرى -ذات وعد آخر كاذب في معظم الأحيان- تملي على الناس تاريخاً جديداً سينتهي فيه ذاك المشروع الذي تنشأ وتموت معه أجيال إلى أن ينتهي!
قال عبد الله القصيمي: «العرب ظاهرة صوتية»، أي إن كل ما يقومون به «كفعل» هو الكلام، ومعظم كلامهم وعود، ومعظم هذه الوعود كذب، وهذا ما نحتاج أن يتوقف، نريد أن يصبح العرب «قولاً وفعلاً» كما نقول نحن الخليجيين، ونريد ألا يمر وعد بلا تنفيذ، وإن لم يُنفذ يُحاسب «كائناً من كان» على تلفظه بوعد لم يقدر على تنفيذه! وبما أن معظم العرب يخافون على مسؤوليهم من فضائحية المحاكمات العلنية والجزاءات والعقوبات التي يمكن أن توقع عليهم ويطالبون بعدم نسيان أفعالهم الجيدة…إلخ، فإني أطرح عليهم هذا الاقتراح، بأن يُترك هؤلاء «المساكين» على أن يفعلوا مثلما فعل الصحافي الروسي الذي خاف على كلمته الصادقة، ومن ثم يقدمون استقالاتهم!
المسؤولية ليست كلمة أعجمية مأخوذة من قاموس غربي، المسؤولية هي فعل يبرهن لمن يعتمد على الشخص المسؤول بأنه جدير بها، وأنه قادر على حملها أينما وكيفما ووقتما تطلب الأمر! والمسؤولية لا تنحصر فقط في التفكير والتخطيط والتحضير والتنفيذ بل هي أيضاً تمتد إلى الخطأ والفشل وعدم القيام بالأمر الموعود به، أو القيام به بعد فترة طويلة أو بشكل مشوه، هذه هي المسؤولية!
كلماتي موجهة بشكل خاص للمسؤولين الإداريين الذين نسمع عنهم وتُخبئهم أبوابهم المغلقة وتحصنهم مكاتبهم المتينة، كونوا رجالاً ونساء بحجم المسؤولية، وإن فشلتم كونوا مسؤولين بقدر الخطأ، واعترفوا بخطئكم، فإن الاعتراف فضيلة وحق يطلبه الناس!


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

الخميس، 20 ديسمبر 2012

أمة اقرأ تقرأ ولكن!

كان للإعلام الجديد تأثير كبير على الشعب العربي خاصة في آخر ٣ سنوات، حيث كان له دور مهم بل وحيوي تجلى في الثورات العربية، فأصبح الاطلاع على المعلومة سهلاً، بالإضافة إلى سرعة انتشار الأخبار ووصولها لمن أراد. ومع الربيع العربي أصبح الجميع متعطشاً للمعلومة والصوت والصورة، وتواقاً لأي خبر يتصل بالأحداث المتجددة بالمنطقة، والتي تُوجد في دقائق معدودة بعد وقوعها على الإنترنت. وهكذا وبغمضة عين أصبحت أمة اقرأ تقرأ ولكن تقرأ التغريدات على «تويتر» وبوستات الـ «فيس بوك» والتدوينات المختصرة التي ينشرها بعض الكتاب لجذب أكبر عدد ممكن من القراء، بالإضافة إلى البرودكاسات في البلاك بيري ماسنجر والواتساب، مما جعل هذه الأمة أبعد عن الكتاب!
هذا النوع من القراءة الذي يظنه البعض كافياً هو أكثر أنواع القراءات سطحية، لأنه أولاً لا ينمي علماً ولا ثقافة ذات قواعد صلبة، فعلى الأرجح أن تغريدة تقرأ الآن ستُنسى اليوم التالي، وتدوينة قصيرة تقرأ اليوم ستنسى معلوماتها بعد أسبوع، فمن يتذكر ماذا قرأ من تغريدات بالأمس؟ ومن يعرف خرج بماذا من بوست في الفيس بوك قرأه قبل أسبوع؟! ثانياً، المواقع الإلكترونية والمصادر الرقمية لا تصلح معظمها -وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي- لأن تكون مصدراً للمعلومات، فالـ «فيس بوك» مثلاً لا يجوز أن يكون مرجعاً لتاريخ العصور الوسطى، وإن وُجدت فيه صفحة متخصصة في ذلك، لأن ما فيها سيبقى فتاتاً مقابل الذهب الحقيقي الموجود في المراجع الحقيقية في المكتبات، كما أنه لا يصلح أن تقول لشخص ما مصدر معلوماتي هو الـ «فيس بوك» أو غيره من المواقع التي تشابهه، خاصة إن كنت تحاججه بهذه المعلومة! فالقراءة في وسائل التواصل الاجتماعي التي تدخل ضمن الإعلام الجديد لا تغني ولا تسمن من جوع، لأن الكتاب يبقى هو المصدر الأول والأخير للعلم والثقافة، أما المصدر الرئيسي لهما فهو الرغبة في التعلم والتثقف والرغبة في طرح السؤال الأهم «لماذا» دائماً. فإن كانت «لو» فاتحة لعمل الشيطان فإن «لماذا» فاتحة لعمل العلماء! فاسألوا «لماذا» دوماً، ولا تخجلوا، فإن الخجل في العلم، جهل! والجهل هو أسوأ مصير قد يواجهه الإنسان، فالإنسان قد يغفر لنفسه أية صفة من صفاته كالحسد والحقد، ولكن يستحيل لأي شخص أن يغفر لنفسه جهله، وإن غفر لنفسه هذه الخصلة فهو ظالم لنفسه!
قال الله تعالى: «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ».


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 13 ديسمبر 2012

انتبه لساعتك!

مقدمة:
على مكتبي مقتنيات مختلفة، أحدثها ساعة على شكل اللوح الأسود الذي يُستخدم عند تصوير المشاهد في الأفلام، محمولاً بجملة: "ثلاثة! اثنان! واحد! أكشن!"، ويكتب على اللوح بالطبشور أعداد المشاهد التي صُورت وما اقتطع منها وما أُخذ، أما لوحي فعبارة عن ساعة مكتبية محسوبة بالثانية، بجانب التاريخ الميلادي.
منذ أن وضعت هذه الساعة الرقمية على مكتبي وأنا أتخيل أنني أمضي كل دقيقة في فيلم موضوعه حياتي، وإنني لم أنتبه لهذا الفيلم إلا الآن، فلا أنا أذكر البداية ولا أنا أعرف النهاية! أما كل ما أتمناه هو أن تكون النهاية غير متوقعة أو نهاية سعيدة كما يحدث في تلك الأفلام الرائعة التي ترسخ في ذاكرتنا قبل أن تخلد في شباك التذاكر!
‫نصيحة:‬
اختر أشياءك الصغيرة فهي ما ستلهمك!
اجعل حياتك فيلماً شائقاً، يتمنى الآخرون أن يشاركوا فيه!
لا تكن ممثلاً في حياتك بل كن لها مخرجاً ومنتجاً!
اشعر بقيمة وقتك ولا تضيع أي دقيقة، فمحل الدقائق الضائعة في صناعة الأفلام، مخازن النسيان!
ارتجل مرة بعد الأخرى ولا تقيد نفسك بنص الغير المفروض عليك!
لا تسرق حقوق حياة شخص آخر، لأنها سرقة بلا طعم، ولا تقلد شخصاً آخر في طريقة حياته، لأنك حينها ستكون قد عشت حياة ناقصة!
سؤال:
- ما نوع الأفلام التي يختارها الناس؟
- يختار الناس الأفلام التي تشبههم أو التي يتمنون أن يشبهوها، ولا يختارون تلك التي تأخذ من أعمارهم ساعات دون أن تضيف لهم دقيقة!
‫خاتمة:‬
الإنسان لا يملك شيئاً، ولم يملك في الحقيقة إلا الوقت الذي فقده!


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 6 ديسمبر 2012

القضية الفلسطينية ومسلماتها

انحرفنا كثيراً عن قضيتنا الأولى فلسطين، وحدث ذلك عندما تنازلنا وتفاوضنا وانهزمنا وتم الضحك علينا حولها حتى امتلأت ذاكرتنا بمجموعة من الصور لوجوه مسودة وحطام تضيق به الأنفس، فأصبح بعضنا يعتقد ويسلم بأن الانتصار على الكيان الإسرائيلي المغتصب واسترجاع الأراضي المحتلة محض وهم أو خرافة، وأن العدو يملك من القوة ما لا نملك ربعها، ولذلك لا يمكننا أبداً الانتصار عليه، وأن على الفلسطينيين أن يستمروا بالعيش في غزة أو الضفة الغربية دون أن يقاوموا الدولة المحتلة؛ كي لا يتم الرد على فعلهم بردة فعل قوية مدمرة، تحصد أرواحاً كانت لتبقى على قيد الحياة لولا ذلك! وآخر هذه المسلمات هي وجوب القبول بحل إقامة الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية جنباً إلى جنب لتجنب الحرب! أما المثير للسخرية هو أن من يرفض هذا الحل هو الكيان الصهيوني لا «بعض» العرب!
هذه الأفكار أصبحت من المسلمات عند البعض نتيجة تاريخ مُلئ بالحرب والتهجير والفقر والظلم الذي لم يشمل بتأثيره فلسطين فقط، بل كل الدول العربية تقريباً في مرحلة من المراحل، بسبب غبن الكيان المحتل، إلا أن هذه المسلمات لا تستند على التاريخ فقط بل إلى المثقفين والكتاب أيضاً الذين يؤكدون عليها مستشهدين بالواقع والأحداث التي عايشوها من 48 إلى 67 مروراً بكامب ديفيد واتفاقية أوسلو. يمكن تفهم موقف كتاب ومثقفي القرن الماضي عند الرجوع إلى كل ما عايشوه من انهزامات وخسائر متتالية نتيجة الحرب مع الصهاينة، ومن ذلك يمكن الوقوف على منبع روح الانهزامية العربية التي ساعدوا على نشرها في كتاباتهم وأقوالهم، إلا أن يومنا ليس بمثل أمسهم، وظروفنا الحالية مختلفة عن ظروفهم، فاليوم، مثلاً، وفي حرب غزة الأخيرة مع إسرائيل المحتلة، انتصرت غزة فيها بسبب ردها على هجوم إسرائيل، رغم أن هجوم الأخيرة لم يتوقف للحظة واحدة! مما حملها -وكمرة أولى- إلى الإسراع لطاولة المفاوضات من أجل هدنة سريعة تحفظ ماء وجهها أمام العالم والإسرائيليين! هذا بالإضافة إلى تغير النظام في مصر، وفتح معبر رفح بشكل دائم، وزيارة القيادات السياسية لغزة حتى وهي تحت القصف!
معادلة اليوم تختلف عن معادلة الأمس، وإن كان أصحاب معادلة الأمس يستندون إلى الهزائم التي عاصرتها القضية الفلسطينية في وقتهم، فيجب على أصحاب اليوم أن يستندوا على الانتصارات المعنوية والمادية التي تعاصرها القضية حالياً، لتتغير بذلك مسلمات نقشها الدهر، بمساعدة كتاب ومثقفين رحل معظمهم اليوم، وهذا ما بدأنا رؤيته خاصة بعد مقاومة حماس للدولة المحتلة في الحرب الأخيرة، إلا أن هناك بعض الكتاب و»أشباه» المثقفين رفضوا ذلك ولم يستسيغوا سوى الاستناد على الهزائم، ولم يتوقفوا عند هذا الحد، بل تنكروا للانتصارات عندما قضوا -مثلاً- بفوز إسرائيل في الحرب الأخيرة! وهذا مما لا يمكن فهمه، خاصة عندما تعترف إسرائيل نفسها بخسارتها وتفاجئها بالرد الذي حصلت عليه من حماس. ونجد هؤلاء أيضاً يصفون حماس بالجماعة الإرهابية وأن مقاومتها استفزاز، بينما صد إسرائيل لحماس هو دفاع متوقع كي تحافظ على أمنها! كلمات هؤلاء لا تدل في –الحقيقة- إلا على جهلهم وخطئهم عندما اعتقدوا بأن القراء سيتركون مقالاتهم وكلماتهم تمر مرور الكرام دون تحليل أو رفض، وتجلى خطؤهم في وسم تويتري فعال هو «تفكيك الخطاب المتصهين».
على هؤلاء الكتاب إعادة النظر في حساباتهم، وتقييم القضية الفلسطينية مع كامل الظروف الحالية المحيطة بها في كتاباتهم المستقبلية، ليخرجوا بمسلمات عصر جديد لا بنفس مسلمات عصر الانهزام العربي، وليحموا أنفسهم –أيضاً- من إعادة نشر أسمائهم ومقالاتهم في موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، كي لا تثبت تهمة التصهين بحقهم أكثر وأكثر في أذهان الناس!


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 29 نوفمبر 2012

الخبث و الخبائث!

( ١ )
«اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». الجملة السابقة التي اشتق منها عنوان المقال هي دعاء دخول الحمام أو الخلاء، كما كانوا يسمونه في عصور سابقة. الخبث هو جمع خبيث، أي ذكر الشيطان، والخبائث هي جمع خبيثة أي أنثى الشيطان، كما جاء في تفسير ابن الأثير.
كم مرة دخلنا مكتب مسؤول أو مجلس قريب وأردنا أن نقول هذا الدعاء قبل الدخول؟ واحترنا في الدعاء، أهو للشياطين غير المرئية أم المرئية أيضاً؟ ونقوله -أكرمكم الله- في حضرة المرحاض فقط، أم في كل مكان نشعر فيه بحضرة الشياطين؟
( ٢ )
الشياطين الاجتماعية هم الذين يلبسون في حضرتنا ملابس الأصدقاء والأخلاء الأنيقة، ليتعروا منها وراء ظهورنا، ويأنسوا بأمتع هواياتهم: بيع غيرهم كـ «علوك» لأفواه الناس!
(٣)
أخبث الخبث والخبائث هم الذين يمزجون مزحهم الثقيل بجرعة خفية من اللمز أثناء حديثهم بشكل «ودي»!
(٤ )
أعتى الشياطين -كمثال- هو النظام الأسدي المدمر لسوريا والقاتل للسوريين، أما بقية أنظمة العالم العربية وغير العربية، شياطين خرساء، ولا أدري أيهما أسوأ من الآخر!
(٥ )
أظرف الشياطين هم الذين يتشقلبون على ظهورهم وبطونهم إلى أن يضحكوك، ثم يضروك، لتكتشف بعدها بأنهم لم يكونوا -أبداً- مضحكين!
(٦ )
أكثر الشياطين إبداعاً هي التي تدخل لعقل الإنسان عبر الفن، والتي تدخل للفنون عبر الإنسان، وليس بالضرورة أن تكون ضارة، لكن العرب يعطونها مرتبة «شيطان» بسبب ارتباطها بالفن، فيقولون: «شياطين الفن!».
(٧ )
أجمل الشياطين هو الحب، سواء أكان بريئاً كحب الطفولة أو محرماً كحب الشعراء للكذب! هو بكل صوره جميل!
خاتمة:
قد تُوجد نسبة بطالة «للشياطين» في أحد المجالات، ولكن ليس في مجال «السياسة»!


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 22 نوفمبر 2012

كن شخصاً غير عادي!

لا تكن ذاك الشخص الذي يمشي بملل كل صباح إلى عمله كي يعود في المساء بنفس ثوب الملل الذي يلبسه، ليشرب الشاي مع رجال الحارة! لا تكن ذاك الشخص الذي يبتلع أثقل الأكلات على الغداء لينسحب بعدها إلى سبات «قيلولي»، وليصحو بعد ذلك من نومه ليأكل طعاماً أثقل! لا تكن ذاك الشخص الذي يحلم في الليل ليعود إلى واقعه الكئيب في الصباح! لا تكن ذاك الشخص الذي لا يهمه نوع الموسيقى التي يسمعها في سيارته، ولا تعنيه رؤية الأفلام مع ابنته، ولا قراءة قصص الأطفال لصغيره في الليل! لا تكن ذاك الشخص الذي يمر كل يوم بجانبنا وجانبك ليسلم علينا بابتسامة متكلفة! لا تكن شخصاً عادياً، يعمل بشكل عادي غير دقيق، ويرى الأشياء عادية بدل أن يراها رائعة، ويصلي بروتين بدل أن يصلي بخشوع! لا تكن شخصاً عادياً كملايين الأشخاص الموجودين على الأرض، بل كن أنت وأكثر وكن مختلفاً في ذلك! أبرز شخصيتك وحلمك وفكرك واتبعهم وطورهم ومن ثم تعلم من أخطائك!
سبق أن قلت إن الاختلاف نعمة ورحمة من الله، وإنه لون من ألوان الأرض، فالأرض تختلف كثيراً عن باقي الكواكب والأقمار والشمس، ففيها الإنسان يعيش بأكسجين، وفيها اختلاف جغرافي وجيولوجي لا يوجد مثله في غيرها، بل إنها تختلف مع نفسها من مكان إلى آخر، من الصين إلى أميركا! والله تعالى خلقنا ذوي أشكال مختلفة كي يعبر ذلك –ونعبر- عن اختلافنا الداخلي الناتج عن الوعي والتفكر لا الانقياد والانصياع الأعمى وراء الآخر، فهذا هو أكبر خطأ قد يقع فيه أي إنسان اختار أن ينسى نفسه من أجل آخر، أو أن ينصب نفسه كمرآة لشخص آخر.
والحياة في يومنا هذا تلح على الفرد أن يكون مختلفاً، ففي العمل مثلاً يُقبَل من كان يعرف لغة أو لغات إضافية أو مهارة أو مهارات إضافية قبل غيره، وبشكل عام وفي كل مجال يجب أن يكون هنالك حماس للاختلاف والتغيير، فبدون الحماس لا يوجد اختلاف -إيجابي على الأقل- وإن وُجد فهو طفيف لا يكاد يبين! فالاختلاف يتطلب الحماس، والنجاح يتطلب الاختلاف! فستيف جوبز لم يكمل تعليمه الجامعي، وكان فاشلاً بنظر أساتذته، إلا أنه أنشأ «أبل» التي نعرفها اليوم، رغم أنه في مرحلة من حياته طُرد منها، أي الشركة التي أسسها وكان رئيسها! لكنه أصر واختلف عن باقي الأشخاص العاديين الذين كانوا يستسلمون ويقولون: «إن هذا ليس مقدراً! سنجد مجال عمل آخر نعمل فيه»، لكنه لم يفعل ذلك، بل ثابر إلى أن رجع إلى شركته مرة أخرى، وأخرج لنا الروائع من «الآي بود» إلى «الآي فون» و»الآي باد»! وكذلك لدينا أمثلة كثيرة من المبدعين أمثال أديسون الذي انتقل من بيع الصحف والحلوى إلى الاختراع وإدارة الأعمال، وأينشتاين الذي انسحب من المدرسة، ويشاع أنه رسب في مادة الرياضيات، إلا أنه بعد ذلك أصبح أحد أهم ١٠٠ رجل في تاريخ البشرية في القرن العشرين! هذا هو الاختلاف في الأنفس والأشخاص، رغم سوء الأحوال!
قال الله تعالى: «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً»، وهذه الآية كانت إشارة إلى القرآن الذي نزل في ٦ آلاف آية، وعلى مدى ٢٣ سنة متقطعة، وأنه كان ستوجد فيه اختلافات كثيرة ومتناقضات لو كان من عند غير الله -أي من عند البشر-، فالاختلاف إذن واجب على البشر، ويتجلى ذلك خاصة في مدى حياة الإنسان نفسه، الذي يتغير من طفولته إلى مراهقته، ومن شبابه إلى شيخوخته، والفطن هو من يختار كيفية التغيير والاختلاف إلى ماذا، فلا يسلم أمره للزمان ليشكله كيفما تشاء الحوادث!


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 15 نوفمبر 2012

حال العرب اليوم!

يعلموننا منذ الصغر أننا أمة عربية واحدة، وأننا لسنا أمماً متعددة تجمعها لغة تختلف لهجتها من بقعة لأخرى! يعلموننا منذ الصغر أن قضيتنا الأولى هي فلسطين، وأن عدونا هو الكيان الصهيوني، مهما تقدمت أو تأخرت المواجهات معه! يعلموننا أن الإسلام هو أكثر الأديان سماحة وسعة، وأننا أمة وسط، بل وإننا خير أمة أخرجت للناس، وأنه يجب علينا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر!
علمونا الكثير، إلا أننا وجدنا أنفسنا أمماً ودولاً متفرقة لا أمة واحدة، تفرقنا الأمور الكبيرة ولا تجمعنا الأمور الصغيرة! وجدنا أنفسنا ننسى فلسطين ونركز على بقية المصائب التي لا يكل تواليها على رؤوس العرب، بل وإننا نجد عرباً يؤمّنون حدود المناطق التي احتلتها إسرائيل، ومع ذلك يهتفون بالممانعة والمقاومة! عرفنا بأن الإسلام هو من أكثر الأديان المفهومة بشكل خاطئ من قبل أتباعها أكثر من غيرهم! فنراهم يتشددون والدين يوسع لهم، ويضيقون والإسلام يرحب بهم! وجدنا الأمة الوسط، متطرفة في نظر العالم، وأنها لا تأمر بالمعروف، هي فقط تنهى عن المنكر وتصر على ذلك حتى يتململ الطرف الآخر وينزعج!
الفرق شاسع ومحبط بين ما نتعلمه نظرياً في المدارس والبيوت وبين ما نراه واقعاً في الشوارع والصحف عن أمتنا العربية والإسلامية، فأممنا العربية اليوم ممكن أن تهجم على بعضها البعض بسبب مباراة كرة قدم! وهو أمر عادي بأن نسمع اتهامات من دولة عربية تتهم دولة شقيقة بدعم الاحتجاجات فيها أو دعم جماعة تُوجد داخلها! وأصبح شيئاً طبيعياً أن تستثمر دولة عربية في أخرى -بدل استثمارها في الدول الأوروبية- فتثور ثائرة بعض أفرادها فيتهمون الدولة الأولى بمحاولة احتلالها! هذا بخلاف فلسطين التي انقسم أهلها أنفسهم عليها، فأصبح لكل طرف منهم جبهة يحاول تعزيزها وحده دون أن يهتم أو يلتفت للآخر!
حالنا اليوم يجعلني أتحسر على أوقات في القرن الماضي، عندما كان هنالك وجود فعلي -أو قريب من ذلك- لجامعة الدول العربية في بدايتها، عندما كانت تساند الدول العربية بعضها البعض في المواقف والأفعال، خاصة نحو فلسطين، قضيتنا العربية الإسلامية الأولى. حال العرب اليوم يجعلني أتذكر مقولة عبدالله القصيمي عن العرب عندما وصفهم بالظاهرة الصوتية، ولو كان حياً في يومنا هذا لاختصر ما قاله بعبارة: «العرب: كذبة صوتية!»
أتمنى أن نعيد إحياء الأمل في أمتنا مجدداً، كي نغير حالها من واقع اليوم إلى ما كانت عليه سابقاً، كي ترجع قوتها و»توسطها»، ولن يحدث ذلك إلا بتطبيق ما نتعلمه نظرياً على واقعنا، كأمة عربية مسلمة واحدة، تفكر بعقل واحد، وتتحرك وتعمل بجسد واحد، تتداعى أعضاؤه إلى مساعدة العضو المريض فور مرضه، لا بالرقى فقط بل بالدواء أيضاً!


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...