الثلاثاء، 23 أغسطس 2022

الحياة الآخرة

  

 

في الحياة الأخيرة، طريقان، إما نعيم دائم أو جحيم مقيم.. و الخيار للإنسان. وفي حياة النعيم، حياة لم نحلم بها من قبل و لا تستطيع عقولنا أن تتصور جمالها. سيكون فيها كل ما نتمناه و أردناه في الحياة الدنيا من ماديات و معنويات.. بل أكثر من ذلك و أكبر و أجمل و أفضل. الحياة الآخرة، لا مرض فيها ولا نعاس ولا حسد و لا كره ولا غرور و لا كبر و لا غضب ولا تعب ولا اجهاد ولا عتب و لا نسيان و لا هم و لا حزن و لا قلب مفطور ولا طرف مبتور، ولا عائلة جاحدة ولا صداقة بائدة.

في الحياة الأخيرة، راحة لا يسبقها ولا يليها ألم.. عافية بلا مرض.. سعادة غير شرطية.. جميع أحبابك حولك.. و كلكم سعيدين و في أجمل و أبهى حلة بلا مشاكل و لا منغصات ولا عواقب و لا اختبارات صداقة و قرابة.. كلكم أنتم و على طبيعتكم و لكن أحسن و أفضل حالاً! الحياة الفعلية التي أردنا أن نعيشها في الدنيا سنعيشها في الحياة الآخرة، و أغلبنا لم يكن يعرف بأن هذه هي الحياة التي يريد أن يعيشها. فهناك من فكر بأنواع الأموال التي ستكون تحت يده في الحياة الآخرة.. و هناك من فكر بألذ الثمار التي سيأكلها و الأنهار التي سيشرب منها.. و هناك من فكر باللقاء الذي سيجمعه مع والده الذي توفي صغيراً، أو حبيبه الذي فارقه غصباً عنه في الدنيا.. و لكن هل فكرنا ملياً، باللقاء الأهم على الإطلاق؟ لقائنا بربنا الذي أحبنا من قبل أن نولد بأزمان طويلة حباً أعمق من حب والدتنا لنا؟! هل فكرنا بالمشاعر الجميلة التي ستجتاحنا؟ هل فكرنا بالسعادة التي ستعترينا و الراحة التي ستغمرنا؟ هل فكرنا كيف أن هذا اللقاء سيهون علينا كل ما مضى؟ هل فكرنا كيف أنها ستكون بداية طريق الراحة الأبدية؟ و أن هذا اللقاء سيكون تأكيداً على وعد الله الذي قال في سورة البقرة من كتابه الكريم: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(62).. ينتهي الخوف و الحزن في الحياة الآخرة عند من آمن بالله و اليوم الآخر، و عمل صالحاً في الحياة الدنيا. تنتهي جميع المشاعر و الأحاسيس السلبية، و يثمر صبر الانسان في الدنيا على الآلام و التعب و المشقة، و يكافئه الله على جهده و اجتهاده في الحياة الأخرة. فاللهم اجعلنا في الحياة الآخرة من أهل الجنة الذي قلت عنهم في سورة يس: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (٥٥-٥٨). و قد قال السعدي في تفسير هذه الآية في كتابه (تفسير السعدي): " وإذا سلم عليهم الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك، الرب العظيم، الرؤوف الرحيم، لأهل دار كرامته، الذي أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبداً، فلولا أن اللّه تعالى قدر أن لا يموتوا، أو تزول قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور، لحصل ذلك.
فنرجو ربنا أن لا يحرمنا ذلك النعيم، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم ".

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 16 أغسطس 2022

و نبلوكم

  

 

 

معظم الناس في هذه الحياة، تعشش في رؤوسهم أفكار الاستحقاق و الرغبة. "نحن نستحق كذا و نرغب في كذا".. "نحن أولى الناس بالشهرة و الثراء".. "نحن موهوبين أكثر من غيرنا.. فلماذا يُفضل الناس الغير، علينا!".. و غيرها من الأفكار المشابهة. ينسى هؤلاء، بأن الدنيا اختبار، و كل ما يمر به الانسان، هو اختبار مُصغر (QUIZ) سواء أكان جيداً أم سيء. يقول الله تعالى في سورة الأنبياء: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)(٣٥). في هذه الآية، حقيقة الدنيا التي نعيشها.. نحن نحيا لنموت، و ما بينهما يختبرنا الله بالمصاعب كالمرض أو موت الأقارب أو خسارة الأموال أو غيرها من الشدة، ليرى الله طريقة تعاملنا مع هذه الشدة.. هل سنصبر؟ هل سنتقرب له أكثر؟ هل سنفعل الخير أم سنقابل الشدة بالسخط و التحدي و فعل السيئات؟ اختبار الله لا يتوقف عند الابتلاءات، بل يستمر حتى مع الأحداث و المواقف الجيدة. الله يختبر الانسان وقت الرخاء و السعادة و الرزق الوفير أيضاً، ليرى ماذا سيفعل عبده مع كل ما أُعطي. هل سيشكر الله و يحمده؟ هل سيذكر الله أصلاً؟ هل سيعطي غيره جزء مما أعطاه الله؟ هل سيستمر في فعل الخيرات أم سيتوقف؟ و بعد هذه الاختبارات كلها، نموت كي نعرف نتيجة الاختبار الكبير. هل نجحنا فيه أم رسبنا؟ هل مكاننا الجنة أم النار!

ابتلاء الله لنا بالشر أو فتنتنا بالخير، لا يُشترط منا أن نعرف أسبابه أو الحكمة الإلهية منه.. قد لا نعرف وقت الشدة بأنها خير لنا على المدى القريب (في الدنيا) أو البعيد (في الآخرة)، و الأكيد أن لكل أجره و حسابه عند الله. أهل السفينة التي خرقها سيدنا الخضر في قصته مع نبي الله موسى، لم يعرفوا بأن هذه خيرة لهم، بدل أن يأخذها منهم الملك الظالم! بل أن حتى سيدنا موسى لم يعرف بأن هذا خير لهم! و أهل الغلام الذي قتله الخضر لم يعرفوا بأن موته أفضل لهم و له، فمصيره الجنة بعد أن مات بلا ذنب، و قدرهم أن يرزقهم الله ابناً صالحاً آخر لا يرهقهم طغياناً و كفراً!

و أنا أستذكر اختبارات الدنيا، أفكر بكلام عالم دين يهودي، قال ما معناه، أن الله يختبر صدق معدن الانسان الخير عبر تأخيره أو عدم مكافئة أعماله الجيدة. بمعنى أن اختبارات الله لنا، تُبين الشخص الجيد من السيء، فلو أن كل عمل جيد نكافئ عليه فوراً من الله، فلا يصيبنا إلا ما هو خير، لأصبح كل الناس أخيار، و انقرض الأشرار، فالجميع يطمح للخيرات و السعادة، و لكن لأن الله يرغب في التمييز بين عباده، قد يؤخر مكافأة الانسان الخير، بل و قد يصل الخير إلى الانسان السيء ما إن يعمل عمله السيء. و في كل عمل منه سبحانه، اختبار، فاختبار الانسان الخير الصبر على ما يصيبه، و قد يكون اختبار الانسان السيء النظر في مكافئة الله له.. هل ستصيبه بالغرور أم سترجعه إلى طريق الحق!

وهكذا هي اختبارات الدنيا، لا نعرف متى تبدأ ولا نهاياتها أو أسبابها أو الهدف منها. المطلوب منا أن نصبر و أن نُسلم أمرنا لله و أن نستسلم له، فهذا يرفع درجات الانسان عند الله، و يجعل حياته أسهل و محتملة أكثر، عندما يعرف بأن هنالك سبب وراء كل شيء. و أن "الله يعمل بطرق غامضة" كما يقول الإنجليز.

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 9 أغسطس 2022

طبقة طبقة!

  

 

بدأت الدكتورة النفسية نيكول ليبيرا حسابها في الانستجرام عبر تسمية نفسها (الدكتورة النفسية الشمولية)، في رغبة منها للفت انتباه الناس، إلى أن تحسين جودة الحياة أو معالجة النفس، لا يكون فقط عبر الذهاب إلى طبيب نفسي أو معالجة الجروح النفسية، و لكن أيضاً عبر تحسين الانسان لكل جانب من جوانب حياته، و هذا ما تطرقت إليه في جزء من كتابها الرائع (HOW TO DO THE WORK).

ما تتكلم عنه الدكتورة ليبيرا، تناوله الكثير من الدكاترة النفسيين قبلها و بعدها.. العلاج النفسي للإنسان كي يصبح أسعد و أفضل حالاً، مهم، و لكنه في الكثير من الأحوال غير كافٍ لوحده.

كي يتحسن الانسان، و يُحسن من جودة حياته، و يصبح أسعد، يجب أن يهتم بجوانب أخرى في حياته، لا تقف عند العلاج النفسي حيث أن كل شيء في جسد الانسان و حياته مترابط. و من هذه الجوانب التي يجب على الانسان أن يعمل عليها.. أولاً، ممارسة الرياضة. فالرياضة تهذب الانسان، و تعدل مزاجه، و تجعله يتخلص من توتر و قلق اليوم بطريقة صحية.

ثانياً، تناول الطعام الصحي. حيث أن معدة الانسان و عقله متصلان ببعضهما البعض، و عند تناول الانسان لطعام غير صحي، يؤثر ذلك سلباً على مزاج و طبع الانسان، و يحدث العكس عندما يتناول الانسان لطعام صحي لا يرهق المعدة ولا العقل!

ثالثاً، المحافظة على علاقات اجتماعية قوية و إيجابية. بمعنى أنه يجب على الانسان أن يكون في حياته دائرة دعم اجتماعية، قد لا تحتوي هذه الدائرة على أشخاص كثر، و لكنها يجب على الأقل أن تحوي شخصاً واحداً، يقوم هذا الشخص بانتشال الانسان عند وقوعه في مأزق، و مساعدته حال تعثره، و تشجيعه عند فوزه، و الاستماع لتذمره وقت ملله. هذه الدائرة القوية هي ما تدفع الانسان إلى الأمام، في الأيام العاصفة، و هي ما تمسك يده في الأيام الصافية.

أخيراً و ليس آخراً، من أهم جوانب تحسين حياة الانسان، العبادة الدينية. لا يوجد ما يجعل الانسان أسعد في حياته و أفضل حالاً أكثر من تقرب الانسان إلى الله. لن يشعر الانسان بأنه أسعد إلا بعد إيمانه بالله و بأن هنالك سبب كبير وراء (خلقنا في كبد). هذا الايمان و هذه الصلة هي ما ستريح القلب و تجعله مطمئن و مستسلم أكثر لما يحدث لنا و حولنا.

كي نكون أسعد يجب أن نحسن كل جانب من جوانب حياتنا. لا يلزمنا أن نفعل ذلك دفعة واحدة، فالتحسين مثل حبة البصل، فيه مجموعة طبقات.. العلاج النفسي و ممارسة الرياضة و التقرب من الله و تناول الطعام الصحي و المحافظة على علاقات اجتماعية قوية، يُفضل بنا أن نتناولها طبقة.. طبقة.. بل أن محاولة التهامها كلها مرة واحدة، ستُدمع أعيننا، و ستجعلنا نمتنع عن المحاولة مرة أخرى! 

 

جواهر آل ثاني

 صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 2 أغسطس 2022

كيف نحب الله

  

كتبت سابقاً عن طريقة عبادة الله.. و عن مكمن و سر العبادة الكاملة في الصلاة.. ففي الأول و الأخير.. خلقنا الله لنعبده، كما في الآية: (وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون)(٥٦:سورة الذاريات). و لكن ماذا عن حب الله؟ هل هو لازم كما العبادة؟ و هل هو مرتبط بها أم منفصل عنها؟

يتضح من القرآن الكريم و السنة النبوية بأن حب الله لازم و واجب على كل مؤمن، حيث أنه جزء لا يتجزأ من العبادة، و مرتبط بها. و قد قال الله تعالى في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)(٥٤). فمن يؤمن، يحب الله و لا توجد محبة أعلى و أسمى من محبة الله، كما قال الله تعالى في سورة البقرة: ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله)(١٦٥). و الله يبادلنا هذا الحب، كما في سورة آل عمران: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(31). بل و أكثر من ذلك، فحب الله للمؤمن أعظم و أكبر من أي محبة قد يختبرها الانسان في الحياة الدنيا، و هي أكبر من محبة العاشق لمعشوقه و أعظم حتى من حب الأم لولدها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.

الحديث عن محبة الله مهمة.. لأنها حديث عن العبادة أيضاً. فمحبة المؤمن لربه، تبدأ عن طريق ممارسته للعبادات، أي أركان الإسلام، من الشهادة و حتى حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.. وهو حب كباقي أنواع الحب.. يبدأ ولا ينتهي، و لكن يصغر أو يكبر بالأفعال. و محبة الله تكبر و تتوسع بممارسة العبادات و النوافل و فعل الخيرات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: «لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه».و لذلك نحب الله.. لأنه جزء من عبادتنا له سبحانه و تعالى.. و نحن نحب الله عزوجل أكثر عبر التأمل في خلقه وعن طريق كثر ذكره، و قراءة القرآن و تدبره و العمل على فهمه، ومحاولة فعل الخير كي يرضى علينا. بالإضافة إلى الدعاء له في كل حين، و الخشوع في الصلاة، وكثرة فعل الأعمال المستحبة، والابتعاد عن الأعمال المكروهة. كما أن محبة نبي الله عليه الصلاة و السلام طريق أيضاً لمحبة الله عز وجل.

عندما نحب الله.. يحبنا الله.. و يبسط علينا رحمته و غفرانه.. و يسهل لنا أمورنا و شؤونا، و تصبح حياتنا أسهل و أجمل، فنكسب الدنيا و الآخرة. و من غير الله يستحق جُل الحب و أعظمه؟ لا أحد. و في هذا قال الغزالي: " كل ذي بصيرة يعلم أنه لا محبةً حقيقيةً إلا لله، ولا أحد يستحق المحبة إلا هو".

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 26 يوليو 2022

كيف نعبد الله

  

 

يقول الله تعالى في سورة الذاريات: (وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون)(٥٦). الآية واضحة و صريحة.. خُلق الانسان ليعبد الله سبحانه و تعالى. و يبين القرآن و السنة النبوية طريقة العبادة، و ما هي مراتب الدين الإسلامي و أساس هذه العبادة.. ففي المرتبة الأولى أركان الإسلام، و هي شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله، و الصلاة و الزكاة و صوم رمضان و حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً. و المرتبة الثانية هي أركان الإيمان، و هي الإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و بالقدر خيره و شره. أما المرتبة الثالثة فهي الإحسان، و الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك.

و نجد أن الصلاة هي أعظم عبادة بل و أن فيها مكامن و خُلاصة العبادة الكاملة، التي يكون للعبد، عندما يكرس قلبه و عقله للخشوع فيها، أن يصل إلى أعلى مراتب العبادة و السمو الروحي و الجسدي.. فالصلاة لا يسبقها في أركان الإسلام سوى الشهادة، و هذا لازم أن يستقر في القلب أولاً، فقد قال الله تعالى في سورة النساء: (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ )(١١٦).

نبدأ الصلاة بالبسملة و الوضوء، فكأننا ننظف أنفسنا من ذنوبنا و سيئاتنا قبل ملاقاتنا الله. و من ثم نكبر في الصلاة.. فلا يوجد ما هو أكبر من الله، و لا يجب أن ننسى ذلك، و لذلك نكبر عدة مرات في كل صلاة. و من ثم نقرأ سورة الفاتحة الجامعة المانعة.. ففيها الحمد لله على جميع النعم التي يغدقها علينا، و فيها تذكير بلقائنا به و حسابنا يوم القيامة، و فيها نتذلل إلى الله، فهو من نعبد و هو من نستعين عندما تضيق الدنيا في وجوهنا.. و بعد ذلك نقرأ سورة أخرى من اختيارنا من سور القرآن.. و في كل مرة تكون لدينا فرصة التفكر و التدبر في الآيات التي سنقرأها، فإما نستفيد منها أو نقرأها بشكل آلي و في سرحان.

و في الصلاة نسبح لله العلي العظيم، و في كل تسبيحة، تأمل في خلق الله و مخلوقاته، و كل شيء يسير كما هو مخطط له بانتظام و اطراد.. فالأرض تدور حول الشمس بأمر منه.. و الشمس لا تقترب من الأرض بأمر منه.. و الانسان لم يدخل في حرب نووية، بعد، بأمر منه.

و في الصلاة أيضاً، نشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله.. و ندعوا لأنفسنا و لوالدينا بالمغفرة، و من ثم ننهي الصلاة عبر إلقاء سلام الله و رحمته و بركاته على الملائكة و على أنفسنا و على أرواحنا و على كل شيء.. هكذا نختم أعظم عبادة بالطريقة التي يُفترض فيها للإنسان أن يعيش حياته.. بالسلام و عبر السلام. و لهذا أقول لمن يتساءل.. كيف عسانا أن نعبد الله؟ انظروا في صلاتكم.. حسّنوها.. و من ثم طبقوا كل جزء منها في حياتكم.. نظفوا أنفسكم من الداخل و الخارج، و كبروا و احمدوا الله و سبحوه و ادعوه و استغفروه، و أكثروا من الشهادتين و تدبروا في القرآن و من ثم افعلوا الخيرات في كل مكان و زمان!

 

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 19 يوليو 2022

أنت لست محور الكون

  

أنت لست محور الكون. قد يحتوي جسدك على أجزاء مماثلة لتلك التي تشكل الكون من حولنا، و لكنك بالتأكيد لست محور الكون. كيف يكون لك أن تكون محور الكون، و الأرض التي تعيش عليها ليست محور الكون؟ بل أن الشمس التي يدور حولها كوكب الأرض ليست محور الكون!

أسلوب التفكير هذا، و معرفة الانسان و فهمه بأنه ليس محور الكون، وأن العالم لا يدور حوله.. هو أسرع طريق لعيش حياة مريحة و سعيدة.

تسألني.. كيف ستعيش حياة خفيفة إن اعترفت بأنك لست محور الكون؟

سأقول لك.. لن تلتفت لسماع القيل و القال في مكان عملك لأنك تعرف بأنهم على الأغلب لم يتحدثوا عنك بل عن شخص آخر.

عندما يحدث موقف محرج لك في الشارع أمام الناس، لن تفكر في الموقف و أنت جالس في بيتك. ستعرف بأن من رآك، مضى بحياته، و اعتبرك ذكرى عابرة ضحك عليها في وقتها و من ثم نساها لأن هناك عشرات الأمور التي تشغل باله و أنت لست واحداً منها.

عندما يأتي المقربون لك للفضفضة أو أخذ النصيحة، لن تجعل الأمر متعلقاً بك. لن تعطي نصائحك بناء على الصورة التي تريد أن تظهر أمامهم، فيها. ستكون بجانبهم و تواسيهم بما تشعر به و ما تراه دون أن تضع نفسك أولاً، فهذا الموقف ليس حولك، بل حولهم و حول ما يحتاجونه في تلك اللحظة.

لن تفكر بالأمور الخارجة عن سيطرتك طوال الوقت. لا فائدة من ذلك، لأنك كما قلنا لست محور الكون، و لن تستطيع حلها بتضييع وقتك و التفكير بها.

لن تجلس في عقر دارك، و أنت تفكر: "ماذا دار في ذهن صديقي بعدما قلت كذا أو فعلت كذا؟". بل ستمضي في يومك دون أن تدور هذه الأفكار في رأسك لأنك تعرف بأنك لست محور الكون.

لن تفكر في رأي و أفكار الناس فيك، لأنك لم تخطر على بال أحد.. على الأغلب.. و إن خطرت في بال أحد، فالأكيد أنها ليست الأفكار التي في بالك!

إذا فهمت و اعترفت بأنك لست محور الكون.. سترتاح كثيراً.. لن تحمل هم تغيير العالم لوحدك.. و تبديل أفكار الناس حولك.. ستكون أخف و أسعد، لأنك ستكون قد عرفت بأنك لست الوحيد في العالم و يوجد غيرك ملايين ممن يستطيعون عمل الشيء نفسه الذي تعمله، و أنك لست محور الكون.. و لن تكون أبداً محوره!

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 12 يوليو 2022

عادات الناجحين

 

 

الجميع يريد أن يعرف عادات الأشخاص الناجحين.. ماذا يفعلون في يومهم، كي يصبحوا محبوبين و أفضل و أغنى و أشهر منا نحن بقية الناس! و لهذا تُباع كتب "عادات الأشخاص الناجحين"، و لهذا تنجح الأفلام الوثائقية و "الواقعية" التي تصور حياتهم يوماً بيوم.. لأن الجميع يريد أن يعرف العادات و الخطوات التي يخطيها هؤلاء الناجحين، و التي جعلتهم من هم عليه اليوم.

القارئ للسير الذاتية للأشخاص الناجحين، سيعرف بأنهم ليسوا أناس خارقين للطبيعة، قد تكون هناك عوامل ساعدتهم على النجاح مثل الجينات و ثروة العائلة و غيرها.. و لكنهم على الأغلب أناس عاديين و لم يعتمدوا على هذه العوامل للنجاح بل اعتمدوا على أنفسهم.. عملوا و ثابروا حتى وصلوا إلى مكانهم اليوم. و العامل الرئيس في نجاحهم و في محافظتهم على النجاح هو عملهم و عاداتهم المستمرة في حياتهم.

الأمر الذي يشترك فيه الأشخاص الناجحين هو محافظتهم على العادات الجيدة في حياتهم اليومية و التي تصبح بعد ذلك جزء من شخصهم و هويتهم. صوفيا و جوديث و سوزان بولغار، هن أكبر مثال على ذلك. فقد تربوا في منزل يُقدس لعبة الشطرنج، فكن يتدربن على الشطرنج يومياً حتى أصبح من عاداتهن اليومية و من ثم جزء من هويتهن عندما تمكن في سن صغيرة بهزيمة لاعبين بالغين. و مرت الأيام لتصبح صوفيا "أستاذ كبير" و أختهن الصغرى جوديث أفضل لاعبة شطرنج أنثى في التاريخ!

كلمة العادة تأتي من الاستمرارية، و كلنا نريد أن نعتاد العادة الجيدة و نفعلها حتى تصبح جزء منا، و لكن الجزء الصعب يأتي من الاستمرار فيها. الكاتب الذي يريد أن يكتب كتاباً، يريد أن يكتب يومياً حتى يستطيع انهاء الكتاب.. و لكن هل سيستمر في الكتابة اليومية؟ الانسان الذي يريد أن يكون شخصاً رياضياً، يريد أن يذهب إلى النادي الرياضي أربع مرات في الأسبوع، و قد يذهب لبضع مرات بعد أن يعقد رأيه، و لكن هل سيستمر بعد ذلك؟

في كتابه (العادات الذرية)، يشرح جيمس كلير، أربعة قوانين لتبني و المحافظة على العادات الجيدة، و هي أن تكون العادة واضحة، و سهلة و جذابة و مشبعة.

تكون العادة واضحة، عندما تكون أمام الشخص. فمثلاً لو أراد الشخص أن يقرأ كل ليلة قبل النوم، فعليه أن يضع كتاباً على سريره ليتذكر قراءة صفحة كل ليلة.

و تكون العادة سهلة، عندما تعملها بالتدريج.. إذا أردت أن تتعلم لغة جديدة، لا تبدأ بجبر نفسك على التعلم لمدة ساعة يومياً، بل ابدأ بخمس دقائق في اليوم حتى تعتاد الأمر و يصبح جزء منك و من ثم زدها بعشر دقائق و هكذا.

و لكي تكون العادة جذابة يجب عليك ألا تكون قادراً على مقاومتها. فمثلاً لو أردت تبني الرياضة يومياً بعد عملك، رغم تعب العمل، يمكنك أن تربط التمرين بمشاهدة حلقة من مسلسلك المفضل، فلا يكون لك أن تشاهد هذه الحلقة إلا و أنت تتمرن، و بهذا تجعل عادة التمرين جذابة.

و لكي تكون العادة مشبعة يجب أن يكون هناك شعور بالمكافأة. و في الأغلب الشعور بمكافأة العادات هو شعور مؤجل، فعندما تبدأ بتناول طعام صحي، لن تشعر بالفرق فوراً، بل قد يأخذ الأمر أسابيع حتى يتغير مقاسك و تشعر بتطور صحتك للأفضل. و في هذه يجب أن تطول بالك.

أخيراً، لكي تنجح في حياتك، يجب أن تختار عاداتك جيداً، و من ثم تجعلها جزء من هويتك. و لكي تعرف عاداتك، يجب أن تعرف ماذا تريد.. و من تريد أن تكون، أولاً.

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...