الخميس، 20 مارس 2014

قليل من التفاؤل

في تطور لافت وسريع في أحداث السنتين الأخيرتين، تغيرت مفاهيم كثيرة، وانقلبت موازين ثقيلة، ومعظمها من أسوأ إلى أسوأ! من كان ليتصور طريق الثورة السورية العظيمة التي واجه أبناؤها النظام القاتل بصدورهم العارية؟ من كان ليظن بأن سوريا ستنقلب إلى ساحات مواجهة بين متطرفين، يتقاتلون في مواجهة بعضهم البعض، وفي أحيان كثيرة دون معرفة شخص الطرف الآخر؟!
كتبت فاطمة عبدالله في النهار عن أخيها الذي مات في سوريا بعد التحاقه بحزب الله، وتحفظت على كلمة شهيد، وغضت الطرف عن كلمة قتيل. كتبت أنه مات وحسب، ففي وسط زوبعة ما يحدث في سوريا، تاه صاحب الحق، وبعُد الحق، وتشيطن المنازع في الحق، وبقيت الاستفهامات والحسرات، وبعض من درعا وحلب.
ومن سوريا إلى مصر، الوضع ليس في تحسن، بل في تدهور، فلا الاقتصاد -هم المصريين الأكبر-انتعش، ولا الوضع الأمني استقر.
باسم يوسف، المنتقد الأشهر للرئيس السابق محمد مرسي، لم يُمنع خلال حكم الأخير عن الشاشة المصرية ولا عن التعبير عن رأيه، لم يُمنع عن ذلك إلا بعد الإطاحة بالرئيس السابق مرسي، وغيره مئات الناشطين الشباب الذين تم احتجازهم وحبسهم لاستعمالهم حقوقهم في التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم، ولا أقصد هنا المعتدين على غيرهم وعلى القانون، ولكني أقصد مثل أولئك ممن حُجزوا من حزب مصر القوية، لأنهم أقاموا حملة دعائية يدعون الناس إلى التصويت «بلا» في الاستفتاء على الدستور الجديد!
وكما قيل من قبل، مصر ليست كتونس، وليبيا ليست كاليمن، وما يجمع هذه الدول كلها، اضطراب الأوضاع فيها، وسواد عدم الاستقرار في نواحيها، وكلٌ يسبح في فلكه، مستغرق في التحديات التي تواجهه وتفاجئه.
وأنا أكتب هذا المقال تذكرت، مقالات سابقة كتبتها بعد الربيع العربي، الذي أصرُّ على تسميته بهذا المسمى، وإن تغيرت ملامحه، لأنه أحيا في من عايشه -وأنا منهم- أشياء كثيرة كنا نظنها ميتة، أو هكذا أتمنى! مقالاتي السابقة معظمها تفاؤل، وإن كان بها جزء أستبقيه لسرد الوقائع والتحديات، وأنظر اليوم إلى زاويتي هذه، وأقرأ مقالاً متشائماً في أكثره، ولا بأس فالأيام دول، ولا أزال أرى الضوء في نهاية النفق. أتمنى فقط أن تشاركوني البصيرة، فالإعمار في دولنا العربية مقدور عليه، وإن احتجنا لسنوات طويلة، والوعي الإنساني والحقوقي زاد، وإن انتكسنا في تعريف بعض المفاهيم المنتشرة حالياً مثل الإرهاب، وحرية التعبير. كل ما نحتاج إليه الآن هو الثقة، وقليل من التفاؤل، وبدء العمل على أهم دعامات أي دولة، الاقتصاد.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

الجمعة، 14 مارس 2014

القيادة دون مرآة جانبية!

(قيادة مستقلة)
هنالك أناس يقودون، وهنالك أناس يقوضون. هناك أناس يستقلون، وهناك أناس يستغلون. من لا يعرف الحرف العربي حق معرفته، يستهين به، ومن يعرفه، يغير مواضعه حتى يعرض فكرته، ببراعة!
يجب على من يقود أن يكون مستقلاً ومقتنعاً بآرائه ورؤياه ومبادئه، وألا يغلق باب النقاش والشورى مع أصحاب العمر والطريق! ولا يخضع القائد تحت تأثير الضغوطات إن لم تكن في محلها، وهل تُرمى غير الشجرة المثمرة؟

(على طريق الحق)
قال الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «لا تستوحش طريق الحق لقلة سالكيه». قالها وهو يعلم أن هناك من قد يحيد عن طريق الصواب لفطرة إنسانية في الخلق، تكره أن يكون الإنسان معزولاً، وحيداً بلا رفيق أو حبيب وإن كان على حق!
قد يكون العزل وسيلة من وسائل الضغط التي تبررها «الغايات»، كما يرى البعض حسب القاعدة الميكافيلية، ولكن العزل أو الإبعاد في حالات أكثر، وسيلة للإبداع والتفكير والنجاح والتحرك، فالعزل -وإن اختلفت أسبابه- يجذب الانتباه والاهتمام للمعزول نفسه وللآخرين. ستيف جوبز لم ينتج أفضل اختراعاته إلا بعد طرده من شركته! وسُجن مارتن لوثر كينج أكثر من مرة، وكل مرة كان يخرج لرجال متعطشين للمساواة والحرية أكثر من السابق! مثله مثل المهاتما غاندي أو «الروح العظيمة»، كما يعني اسمه، والذي سُجن أيضاً، فقوى الحبس قناعاته ومبادئه!
طريق الحق لا يسده منافقون، ولا تجده بوصلات المكابرين. طريق الحق بيّن لمن أراد أن يجده لا أن يطلع عليه. ولا بأس بعد ذلك، إن كان طريقاً موحشاً، وبلا رفاق وأحباب، فخسارة المبادئ من أجل الآخرين، تعني خسارة الاثنين معاً!

(فوق المعاملة بالمثل)
سمعت رجلاً قبل عدة أيام، يتحدث بإصرار عن أن من يرفض معاملة الآخر بالمثل يمتنع بسبب إحساسه بالذنب! تساءلت إن كان هذا الرجل قد سمع من قبل بحكمة غاندي: «إن العين بالعين تجعل العالم كله أعمى!»؟ تم اشتقاق قاعدة المعاملة بالمثل داخل القانون الدولي وخارجه من القاعدة الذهبية في علم الأخلاق: «عامل الناس كما تحب أن تُعامل». وهناك وقت لكل فعل، سواء أكان نابعاً عن هذه القاعدة أو لا، ولا مشكلة في ذلك، المشكلة أن تكون جميع أفعالنا بسبب هذه القاعدة! عندها سيظهر لنا شخص بلا شخصية، حيث إن جميع أفعاله عبارة عن ردة فعل، والأصح أن يعمل الشخص بحسب مبادئه وقيمه وما اهتدى إليه، لا بما عُومل به وإن كان قاسياً، وهذه هي ضريبة الحكمة.

(دون مرآة جانبية!)
تخيل رجلاً أو امرأة بكل المواصفات التي ذكرتها سابقاً في هذا المقال، قائداً مستقلاً على طريق الحق عاملاً بحسب مبادئ عليا وقيم شريفة. أهناك أجمل؟ قائد كهذا أقرب إلى سائق القطار، الذي لا يحتاج إلى مرآة جانبية لينظر بها إلى الخلف. تشغل باله فقط السكة التي أمامه والمحطات المُنتظرة!


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

الخميس، 6 مارس 2014

القاعدة الفضية

تحكم تصرفاتنا قواعد وأسباب كثيرة، منها الديني والأخلاقي والاجتماعي وغيرها، ولأن تصرفاتنا لا تعبر في بعض الأحيان عن أخلاقنا، تحكم الأخيرة قواعد أكثر تعقيداً من تراكمات البيئة التي تحيط بالإنسان. نستطيع أن نلخص الأخلاق المثالية فيما يُسمى في علم الأخلاق بنظرية القاعدة الذهبية وهي باختصار «عامل الناس كما تحب أن تُعامل»، إلا أن هذه العبارة -التي أسس علماء الفلسفة نظرية كاملة بناء عليها- لها ثغراتها، فهي وإن كانت تحدد وتنظم علاقات الأشخاص مع بعضهم البعض، إلا أنها تغفل عن علاقة الأشخاص بما حولهم وتحتهم وفوقهم من مخلوقات وأشياء ونعم ونقم، بجانب عيوب أخرى. فلسفة المعاملة بالمثل غير مجدية مع أشياء جامدة أو مخلوقات لا تعقل أو مواقف تصيبنا من الله أو من أنفسنا.
«عامل ما حولك على أحسن ما يكون» قد تكون قاعدة صعبة التطبيق لما فيها من ضبابية، «فعلى أحسن ما يكون» مقصودة لمن؟ للشخص نفسه أم الغير؟ ومن يحدد «الأحسن» نفسه؟ هذا العبارة ذات الظاهر النقي كلها شوائب من الباطن بسبب فكرتها المثالية، فلا الأحسن يُدرَك، ولا يُدرَك معناه! ولذلك كان من الأفضل قول: «عامل ما حولك بحب!» وإن بدا ذلك على الطريقة الهيبية التي لا يرى البعض واقعيتها. ولمن سيقول الأولى أن نحب الناس لا الأشياء وغيرها، سأقول له أنا أطلب المعقول، وأكتب المعقول.
عامل مخلوقات الله من حيوانات ونباتات بحب، فإن لم تقدر على حبها احترمها، وإن البعض ليجهل أن الاحترام يتغذى من الحب.
عامل الأرض بحب، فإن لم تقدر فبنظافة تصدر منك لرفضك إلقاء قارورة أو سيجارة في الشارع، فالنظافة -كما الحب- من الإيمان.
عامل الأشياء بحب، إن لم يكن من أجلها -حيث إنها بلا أحاسيس!- فلنفسك! فعلى سبيل المثال أكدت الدراسات الحديثة -بناء على نظرية ذاكرة الماء للباحث الفرنسي في علوم الأحياء جاك بنيفيست، ونظرية الرسالة عبر الماء للدكتور الياباني «إيموتو»- أن للماء القدرة على نقل الطاقة الإيجابية والسلبية عبر جزيئاته من أي شخص كان له علاقة مباشرة بالماء الذي سيتناوله الإنسان، بمن فيهم هذا الإنسان نفسه! والعلم الحديث يقضي بأن فوائد الماء الذي سيشربه الإنسان ستكون أكبر إن كانت طاقته إيجابية، أما إن كانت سلبية، فالفوائد ستكون بدرجة أقل، فاشربوا بحب!
تعامل مع مواقف الحياة بحب، جيدها وسيئها! فالحمد والشكر لغة الحب بين الخالق والمخلوق، والصبر مفتاح الحب الذي يضيعه الكثير!
عامل ما حولك بحب، واترك ما دون ذلك للآخرين، فالحب عدوى في ثوب إحساس، ما إن يلمسك حتى يلمس غيرك!


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

الخميس، 27 فبراير 2014

عن مشاعركم.. أتحدث!

(١)
قرأت مرة قولاً معناه: «إذا أحببت فأعلن عن حبك، وإن اشتقت فأخبر عن مشاعرك، وإذا افتقدت شخصاً فتواصل معه، وإن تضايقت فعاتب!». كاتب هذه العبارة يصر على فعل «اعمل!» وعمل «افعل!»، لئلا يقف الناس في زاوية سلبية بلا تعبير، وكأنهم بلا أفواه ولا آذان ولا عيون! لا يعرفون بأن مكالمتهم الهاتفية لصديق أبعدته الأيام هي لهم، قبل أن تكون له، وأن عتابهم لم يكن ليكون إلا لحبيب قريب لا لزميل بعيد، ولذلك هو مسموح بل ومحبب في هذه الحالات. فما الذي يمنعهم؟

(٢)
ينسى الناس كثيراً في مجتمعاتنا العربية أن يعبروا عن مشاعرهم، والغريب أنهم يعبرون عن مشاعرهم السلبية كالغضب والحسد أكثر من الإيجابية كالمحبة والشوق، والكثير يستحي أيضاً من إظهار هذه الأحاسيس، بل ويعمل في بعض الأحيان على إخفائها بشكل محكم لئلا يبين عليه شوق أو محبة، فيكبر الرجل عندنا ليقول لحبيبته قبل أمه، كلمة «أحبكِ».
يجدر بنا أن نعترف أن المجتمعات التي لا يعبر أفرادها عن عواطفهم بصراحة، هي مجتمعات عليلة، لأنها تورث النقص العاطفي في أفرادها للأجيال القادمة، الذي قد يكون منهم من يعي حب عائلته له، لكنه يحتاج إلى سماع كلمة أو أكثر كل حين وآخر، كما يحتاج الزهر في كل عام إلى الربيع.
ولا أستغرب من مجتمعات «الرجال لا يبكون!» و»عيب للمرأة أن تبتسم في ليلة عرسها!» أن تتذيل قائمة دول العالم في مؤشر السعادة! فكيف لها أن تتقدم في مؤشر كهذا وأفرادها لا يعبرون عن مشاعرهم ابتداء، بما فيها السعادة نفسها في بعض الأحيان!

(٣)
تقول لي صديقتي: «توفي أبي قبل أن أقول له بأني أحبه»، فلم يسمع منها سوى طلباتها، وحتى في هذه تتساءل: هل كان شكري لتلبيته طلباتي عرفاناً وحباً أم تعبيراً تلقائياً لما اعتبرته حقاً من حقوقي؟ سؤال كهذا ستظل تسأله طوال عمرها، والسبب الذي منعها من البوح بمشاعرها، خجلاً كان أم نسياناً أم تأجيلاً، لا يزال يسكن تفكيرها. 
عبروا عن مشاعركم كي تستطيعوا أن تعبروا عن أنفسكم، وعبروا عن أنفسكم إن كان في ذلك طريقة للتعبير عن مشاعركم، لأنفس نظيفة ولمجتمعات صحية تنمو بشكل صحيح بلا أمراض نفسية.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر

الخميس، 20 فبراير 2014

لا تقرأ الرواية فكاتبها شيعي!

فتحت صفحة رواية إبراهيم عيسى «مولانا» في الموقع الإلكتروني «Goodreads» والتي كانت قراءتي للأسبوع الماضي، لأضع الرواية ضمن كتبي المقروءة. فاجأتني وأنا أخطو هذه الخطوة قراءة بعض الانتقادات التي كانت على شكل تعليقات وبعض التعليقات الأشبه بالانتقادات، ورغم ذلك لم يكن ذلك ما فاجأني وأزعجني منها، حيث إنها لم تصدر من نقاد متخصصين من ذوي الخبرة، بل من أناس عاديين همهم المعرفة أو المتعة أو حتى الفضول، ولكن ما أزعجني هو قيام أحد الأشخاص بوضع تقييم منخفض للرواية، ثم الكتابة كتعليق تحت نجمته الواحدة: «الكتاب باين من عنوانه، إذ لا يمكن لكتاب عنوانه «مولانا» أن يكون إلا كتاباً يُسخر فيه من الدين والتدين والمشايخ وكل ما اتصل بهم….» ويستمر كاتب هذه الأسطر بالتعليق على «توجهات» صاحب الرواية بحسب قوله وصلة ذلك بالرواية ومعانيها.
المزعج في التعليق السابق والتعليقات الأخرى التي اتصلت بهذه الرواية تحديداً، مثل: «لا تقرأها فكاتبها شيعي!» و»هذه رواية لا تصور الواقع!» وغيرها من الانتقادات الساذجة والغبية التي لا تمت للرواية بصلة! فمن ناحية هي جاهلة، ومن ناحية أخرى -إن كانت تتعلق بشيء- فهي تخص كل شيء إلا الرواية نفسها! فالمتحدث عن توجهات كاتب الرواية وآرائه، يبدو لي أنه ينفي حق الكاتب في أن تكون له توجهات ويسمح بذلك لنفسه -عند رفضه لتوجهات الكاتب!-، ناسياً المساواة في الحقوق كما الواجبات بين كل البشر، فلا عيب في أن يكون لشخص توجهات لكني متعجبة من قدرة هذا القارئ العظيمة -من بين جميع القراء- في استخلاصها واستنتاجها!
وهناك الدعاوى التي تتعلق بالكاتب نفسه، مثل أنه شيعي وكون ذلك سبباً لعدم قراءة الرواية! هنا يختلط الجهل بالعنصرية بكل ما تحمله من عفن التعصب والكراهية. هل هذا فعلاً سبب قد يقبله عقل راجح حر؟ الحكم على كتاب بسبب دين صاحبه أو لونه أو جنسيته أو حتى جنسه؟ هل هذه معايير ناصحة؟ وإلى كل من سيقبل على السؤال بنعم، أقول له ماذا تقول إذاً عن قراءة مذكرات جولدا مائير؟ وكان آخر تعليق سمعته هو أن قراءة الرواية غير مجدية لأنها «لا تصور الواقع»! الرواية كفنّ لا يجدر بها ولا يلزم صاحبها أن يصور الواقع من خلالها، بل أن يعطي القارئ أملاً وإحساساً بأن الدنيا أكبر في خياله، وأوسع من إدراكه، وأنه يستطيع أن يسافر العالم كله عبر القفز فوق أسطر مخطوطات في غرفته سواء أكان ذلك بسرد أحداث واقعية أو خيالية. وإذا كان هذا السبب هو معيار نجاح وقبول الروايات، فلم نجحت مبيعات روايات هاري بوتر، وقصص دراكولا وفرانكشتاين؟ لا أدافع عن «مولانا» ولا عن الكاتب إبراهيم عيسى، فالحقيقة أنا لا أعرف توجهاته ولا مذهبه، ولا تهمني هذه المعلومات عند قراءتي لأي رواية، ولكني أدافع هنا عن المعرفة وأحارب الجهل والحماقة، ومن يحكمون حرفياً على الكتاب من عنوانه، ويرفضون الاطلاع على غير ما يرتاحون له أو ما ترَبوا على معرفته، خوفاً من أن تهتز عوالمهم الزجاجية المبنية على سطح من رخام ناعم.
أقول لأصحاب العوالم الزجاجية: اسمحوا للعلماء والأدباء بأن يرموكم بالعلم والمعرفة، فالخوف ليس من اهتزاز عوالمكم، بل بقائها دون تحرك على قواعدها الهشة!


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

الخميس، 13 فبراير 2014

مولانا!

مولانا! أكتبها بحب لكم كما حببها إلى نفسي أديب مصر الكبير عباس محمود العقاد في كتابات أنيس منصور عنه، وأكتبها خصيصاً هذا الخميس بمناسبة قراءتي لرواية إبراهيم عيسى «مولانا»، والتي ترشحت لنيل جائزة البوكر العربية. تحكي الرواية باختصار قصة رجل يتخرج في الأزهر ليصبح شيخ دين، ومن ثم نجماً تلفزيونياً وما يحدث له من وقائع في طريقه.
أهمية هذه الرواية وغيرها من المسلسلات والأفلام العربية التي تصور شيوخ الدين، أنها تلمس واقعاً مهماً في حياة كل عربي، حيث إن العربي بحكم بيئته الاجتماعية والسياسية وإرثه التاريخي والثقافي، يهتم بالدين كثيراً، وإن لم يكن بالضرورة متديناً، أي ممارساً للشعائر الدينية القاعدية على الأقل.
ورغم أن هذه المؤلفات الفنية قد لا تصور كل شيوخ الدين على حقيقتهم، بل وقد تبالغ في ذلك إلا أنها نجحت في قولبة بعضهم، أخذاً من الواقع كالإرهابي الذي يطلقون عليه لقب شيخ، والشيخ الشره للمال أو السلطة أو النساء أو حتى الطعام. لا ضير من الاعتراف بأن الشيوخ حالهم كحال باقي الناس، لا هم ملائكة منزلين من السماء ولا رسلاً يُوحى إليهم، وليسوا -بالضرورة- شياطين تلعنهم السماء، ولكنهم من تراب مثل أي إنسان، يخطئون ويصيبون، ولا عيب في ذلك، العيب في أن يخطئ الشخص ويتبعه الآلاف فلا يتراجع، والعيب في أن يأمر الشخص غيره ولا يفعل هو نفسه ما أمر به، مثل بعض شيوخ الدين الذين يأمرون أبناء الخليج بالذهاب والجهاد في سوريا بعد اختلاط الحابل بالنابل، وهم وعائلاتهم آمنون في بيوتهم.
شيوخ الدين أنواع، منهم الجيد ومنهم السيئ، منهم الصادق ومنهم المنافق، منهم من يهمه المال والسلطة فقط، ومنهم من يهمه رضا الله وصلاح العباد، المهم أن يمتنع كل شخص عن تسليم عقله وروحه لشخص آخر -حتى وإن كان شيخ دين- قبل أن يمحص أقواله ويدقق في أحكامه وأدلته، حتى لا ينجرف وراء كل فتوى يطلقها شيخ دين لمجرد أنه شيخ دين في حين أنه قد يكون مجرد رجل أسبغ على نفسه هذه الصفة بإطلاق لحيته وتقصير ثوبه وحفظ بعض آيات وكم حديث!
حسناً فعلت بعض الدول في تعيين مفتٍ للدولة أو هيئة تُعنى بإصدار الفتاوى للأفراد، ورغم ذلك، يصعب في عصرنا الحالي مع انتشار أجهزة الاتصال السريعة ومواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت والتلفزيون وغيره من الأجهزة المماثلة، كبح جماح بعض الشيوخ الذين أخذوا بإهداء الفتاوى في إطار غير رسمي قد يتعارض مع فتاوى رسمية.
يجب ألا نستخف بتأثير الشيوخ على الأفراد، فبعضهم -لا الكل- قد يجعل من أتباعه أناساً منغلقين على أنفسهم اجتماعياً ونفسياً ظناً منهم بأن ما يفعلونه هو الدين الصحيح، وبعضهم قد يجرون أتباعهم إلى الجهاد دون أمر من ولي الأمر أو حتى الإرهاب في بعض الحالات، وهذا ما يرفضه الدين الإسلامي السمح المعتدل رفضاً قاطعاً لا خلاف عليه. ولهذا يجب الرجوع إلى كتب الدين التي تُدرس في المدارس العربية وتغيير خطابها من خطاب التلقين إلى الخطاب الذي يطرح المناقشة ويُعمل العقل ويسرد الأدلة، ولا يكون ذلك إلا في المواضع التي تسمح بذلك كالقياس وشرح الأحاديث البسيطة مثلاً، أما الحلال والحرام فهما بينان وواضحان.


جواهر بنت محمد آل ثاني
صحيفة #العرب القطرية
المصدر

الخميس، 6 فبراير 2014

الدوحة في عنق زجاجة!

كنت أعتقد أن عبارة الازدحام المروري «الخانق» التي نقرؤها في صحفنا، ونسمعها في مجالسنا، ونشاهدها على التلفاز، من أكثر العبارات المعبرة، حتى قرأت عنوان بحث الطالبتين القطريتين نورة محمد بوشوراب وهاجر حسن جمال «الدوحة في عنق زجاجة»، والذي ناقشتاه أمام عدد من المسؤولين، من بينهم السيد عبدالله الكراني مدير مشروع الخطة العمرانية الشاملة للدولة في وزارة البلدية والتخطيط العمراني، والمهندس سعود التميمي مدير إدارة المشاريع بهيئة مشاريع الطرق، والرائد حمد الكبيسي من إدارة لخويا، كدراسة تحليلية للتخطيط العمراني والتوزيع السكاني في قطر، وقد ضمنتاه حلولاً ميدانية قصيرة المدى لمشاكل المرور.
قرأت البحث كما ناقشته الطالبتان في صحيفة «العرب» (٢٣/١/٢٠١٤)، ولم أستغرب إشادة المسؤولين والمتخصصين ممن كانوا حاضرين بالبحث وبطالبتي الثانوية اللتين خرجتا به، ولكني تعجبت من عدم الأخذ ببعض الحلول التي طرحها البحث، والاكتفاء بعرض ما تقوم به بعض الجهات من مشاريع وأعمال لمواجهة الازدحام المروري والمعضلات المرتبطة به، وهذا غير مقبول، حيث إن هدف كل بحث هو الإضافة عبر المناقشة للحصول على حلول أو خلاصات، وهذا ما لم يحدث، فكانت المناقشة أشبه بالمحاضرة التي يتلقى فيها الطالب ويحاضر فيها المحاضر!
طرح البحث حلولاً تعالج الازدحام المروري عبر وزارات وهيئات مختلفة كالتعليم والتخطيط والبلدية وهيئة المشاريع وإدارة المرور، فالحل بالتعليم مثلاً يكون بتدريس مادة ضمن المناهج الدراسية التابعة للمجلس الأعلى للتعليم، تُعنى بتعليم الطالب كيفية التعامل مع الخرائط والطرق، وغيرها من الحلول التي لا أطلب من المسؤولين الأخذ بها كلها، بل الأخذ بما يناسب منها والوضع الحالي لمعالجة مشاكل المرور، والأهم من توليد الحلول والأخذ بها هو التنسيق بين كل الجهات المعنية بأي مشروع يخص الازدحام المروري، كي لا تتضارب الجهود وتفوت أهدافها، وهذا ما يأخذني إلى أقوال وزير المواصلات السيد جاسم السليطي، والذي صرح بأنه لا توجد حلول سريعة لمعالجة الاختناق المروري، ولكن توجد حلول جذرية سنرى ثمارها بعد سنتين إلى ثلاث سنوات من الآن. «العرب» (٣٠/١/٢٠١٤).
جدير بالذكر بأنه لم يحضر ممثل لوزارة المواصلات مناقشة بحث «الدوحة في عنق زجاجة».
الدوحة فعلاً في عنق زجاجة، والمزعج في الأمر بث شعور المسؤولية في الفرد وإقناعه بأنه هو الزجاجة نفسها بسبب التزايد السكاني السريع، أو بسبب استخراجه رخص سيارات كثيرة أو غيره، في حين أن سوء التخطيط وتأخره وعدم التنسيق بين الجهات المعنية، بالإضافة إلى تجنب العقاب، هو ما وضع الدوحة في مكانها الحالي.
أخرجوا الدوحة من الزجاجة!


جواهر بنت محمد آل ثاني 
صحيفة #العرب القطرية


حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...