الخميس، 19 نوفمبر 2015

أعطني رأيك

نصيحة يقدمها دائماً المعلمون والمثقفون للقارئ الجديد مفادها: «اكتب ملخصاً أو رأياً عن الكتاب ما إن تنتهي من قراءته». 

والبعض يكمل قوله بـ»دوِّن ملاحظاتك على نقاط الكتاب المهمة!»، وهذه النصيحة هدفها مساعدة القراء على فهم وتحليل واستيعاب ما تم تلقيه، وتمريره عبر الكتاب من الكاتب إلى القارئ، بالإضافة إلى أن الفائدة تتعدى إلى ترسيخ أفكار القارئ حول الكتاب، وتساعده على الرجوع إليها في أي وقت، خاصة مع انتشار تطبيقات الكتب مثل goodreads وغيرها من البرامج، حيث يستطيع القارئ أن يودع فيها تقييماته وآرائه في الكتب.

واليوم، أصبحت الساحة الأدبية ممتلئة بغير النقاد والمثقفين الذين يضعون آراءهم وتقييماتهم للكتب التي نقرأها أو سنقرأها، وأصبح لنا -معشر القراء المتواضعين-مكان «نغرد» فيه بتقييماتنا للكتب، حتى باتت لأصواتنا أهمية للأصدقاء والغرباء الذين قد لا يعرفون عنا سوى نوع الكتب المحببة لنا. 
وازدادت أهمية صوت القارئ في السوق، وكبر أثره بفضل معدل التقييمات، وما أكثر الكتب الناجحة رغم محاربة النقاد لها بسبب تقييمات عالية من قراء عاديين، لم يدرسوا الأدب في الجامعات ولا الدراسات العليا.

وأضع بين الأيادي اليوم بعضاً مما كتبته عن كتب قرأتها مؤخراً، مثل رواية «مائة عام من العزلة» لكاتبها غابرييل غارسيا ماركيز.
«كل كلمة في مكانها المناسب، بلا كلمة زائدة ولا كلمة ناقصة، هذه الرواية تعادل عشر روايات في أزمنة وأمكنة عابرة للحدود هي ببساطة حلم كل قارئ وكل كاتب».

وعن رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أوريل، علقت قائلة:
«الحيوانات جميعها متساوية، لكن بعضها متساو أكثر من الآخرين!».
رواية رائعة بكل ما تمليه على العقل من رمزية وقيم تؤثر في الجميع أياً كان المخيم المنتمي له!.

وفي «سواح في دنيا الله» لمصطفى محمود كتبت:
«يضم الكتاب بين دفتيه مقالات قديمة النشر للمفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود. هذا الكتاب ليس بقوة الكتب السابقة التي قرأتها للدكتور، وعلى الأخص ليس بجودة كتاباته الدينية الروحية الفلسفية.
من يبدأ قراءته لمصطفى محمود عبر هذا الكتاب سيصاب بخيبة أمل، وموجة ملل، لكثرة الحشو الإنشائي فيه، وقلة الأفكار المنوعة. ولهذا أنصح من لم يسبق لهم قراءة مؤلفات الدكتور أن يبدؤوا بكتبه ذات الطابع الديني الفلسفي حتى يكتشفوا عمقه أولاً».

وعن المسخ أو التحول لفرانز كافكا:
«في أقل من مئة صفحة، يُشرِّح كافكا جميع الانفعالات البشرية من اليأس وحتى الرضا. هذا الساحر المستحق لمرتبة كبير السحرة يعلمنا كيف نتعاطف مع ونتقزز من حشرة ضخمة لا تربطنا بها إلا صفيحات قليلة، ولا أستغرب عندما أرى أثره في كتابات بورخيس وهاروكي موراكامي».

وأخيراً، حول «كابوس مكيَّف الهواء» لهنري ميللر:
«قرأت الترجمة العربية للرواية، وكانت جيدة نوعاً ما، ولكن أزعجني وجود الهوامش في آخر الرواية لا تحت الصفحة، خاصة أن الرواية تزيد عن 300 صفحة. صارعت فيها نفسي حتى أكملت المئة صفحة الأولى، ثم صارعت ثانية لأنهي الكتاب. الرواية متكلفة ومملة قليلاً حتى نصفها، ثم تلوح بادرات مشجعة من الكاتب لإنهاء السباق.
ألح الكاتب على أفكار معينة كمادية وعفن أميركا وروعة فنون أوروبا وروحية آسيا، وأعاد هذه الأفكار كثيراً بطريقة أو بأخرى.
أحببت حديثه عن الفن والرسم والكتابة والجمال وكل الصعوبات والأفكار المعبرة في روايته. وهي ما جعلت رحلتي على قاربه محتملة.
الرواية تحتاج لبعض من الثقافة في القارئ، وإلا سيبتعد عنها كلمة.. كلمة».

آرائي السابقة، كون مثلها كتباً ثرية لعظماء مثل عزت علي بيجوفيتش في كتابه طريقي إلى الحرية، وساعات بين الكتب لعباس محمود العقاد.

وأن يختم المرء قراءته لكتاب جيد أو سيئ، بتعبير رأيه، هو أجمل خاتمة وتحية لعالم الفكر والأدب والكتابة، بل والقراءة نفسها، لأنها تتويج لمهرجان القراءة التي تعود على القارئ الجاد بتكوين فكر خاص به، قائم على البحث والتحليل والنقد الذاتي.

دوِّن يا عزيزي القارئ رأيك حول كتبك المقروءة في مكان تحفظه، فيحفظك. ثم أفد نفسك وغيرك عبر مشاركة تقييمك، وأضعف الإيمان تغريدة لا تتعدى 140 حرفاً!.



جواهر محمد عبد الرحمن آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 12 نوفمبر 2015

أين الكتاب العربي

مع قرب إقامة معارض الكتاب في الدوحة والكويت والرياض، وحالياً في الشارقة، يستعد بعض القراء بإعداد لوائح الكتب المهتمين بشرائها. فمعارض الكتاب خاصة في الخليج العربي، تخلق حالة ثقافية تفاعلية بين أفراد المجتمع والكتاب والمثقفين. فتكثر ندوات الكتب وحفلات التواقيع والبحث، وتصل إلى القارئ الخليجي الكتب من جميع أنحاء العالم، خاصة بعد أن أخذت بعض المؤسسات العربية على عاتقها ترجمة نخبة الأعمال الأجنبية إلى اللغة العربية مثل دار بلومزبري للنشر فرع مؤسسة قطر ومشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.
المطلع السطحي على معارض الكتاب سيراها مكدسة بالكتب العربية والأجنبية، وسيظن من عدسة زاويته بأن كل شيء على ما يرام في عالم النشر العربي، ولكن الحقيقة بأن أقل ما يصرف في الدول العربية يكون على البحوث العلمية والدراسات، وأقل منها بكثير ما تصرفه دور النشر العربية التي تلبي ما يطلبه متوسط القراء العرب أي الكتب الأدبية. وحتى عند الكتب الأدبية، نجد جميع أنواع الثمار، معظمها متعفن أو غير ناضج. وكما لخص الكاتب سمير عطا الله مشكلة الأدب العربي الحديث في مقالته أين الأستاذ؟ المعضلة هي الكتبة «الكُتاب» المتسرعون في نشر ما لا يحدث فرقاً، ولا يغير واقعاً، والنشرة «الناشرون» غير الناصحين وغير المتمهلين والمهملين اختيار نوعية الكتب الموضوعة تحت يد القارئ. فأصبح لدينا كتبة لم يتعلموا الكتابة، ونشرة تجاريون، يهمهم الفَرش والقرش قبل النوع والمستوى.
هاتان المشكلتان أثرتا بدورهما على عملية ترجمة الكتب العربية للغات الأخرى، فالقارئ العربي يختلف عن القارئ الأجنبي الذي قد يتوقف عن قراءة كتاب لأنه ذو أخطاء إملائية أو نحوية. وهذا ما جعل القراء الأجانب يبتعدون عن الكتب العربية. وحدث أن أعلنت دار نشر تترجم الأعمال العربية بأن الكثير ممن يقرؤها هم عرب يتحدثون لغات أخرى!
جميع هذه العوامل ألقت بظلالها على الكتب العربية الجيدة التي بعكس بحار العالم، لا يفصلها برزخ عن الكتب الرديئة. حتى أصبح البعض يهتدي إليها عبر الجوائز العالمية للكتب أو الأدب كجائزة نوبل للأدب وكتارا والبوكر العربية حيث إن الكثير من الكتب الجيدة لا تصل إلى القارئ لأنها تفتقر الترويج عنها في المنصات الأكاديمية والثقافية والإعلامية والبحثية.
في الوقت الذي ترتفع فيه مبيعات الكتب في العالم العربي، خاصة الخليج العربي، لا تلحقها نسبة القراءة إلا قليلاً. وهذا يدلنا على خلل كبير في المنظومة الأدبية والثقافية للدول العربية، وبالذات بعد شيوع برامج ونوادي وجوائز القراءة والمحاولة الجادة الكائنة في إنقاص الأمية المستشرية في العالم العربي. وأحد حلول مشكلة القراءة العربية يكون بحل معضلة النشرة المنتشرين والكتبة غير المهتمين حتى بمراجعة كتبهم قبل النشر.


جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 5 نوفمبر 2015

المواطن العالمي

يعيش الفرد اليوم بين أكثر من سبعة مليارات نسمة من سكان الأرض.. ويعرف بأنه مواطن عالمي، لا محلي ينتمي إلى بلده فقط. ففي دولته يتنقل عبر النفط السعودي والغاز القطري، ويعيش على القمح الروسي، ويلبس القطن المصري، ويدير شركاته الكبرى هنود قادمون من النصف الآخر من الكرة الأرضية.
يجلس الفرد على أريكته السويدية القادمة من آيكيا، شارباً كوباً من القهوة المصنوعة من البن الإفريقي وكوباً مملوءاً بالشاي الإنجليزي "ليبتون" ينتظر عودة زوجته من مطبخهم الأميركي. يشاهد قناة محلية تنقل مباراة البرازيل مع الأرجنتين، ويغيرها لبرنامج مغامرات في أستراليا على قناة ناشنول جيوجرافيك أبوظبي ما إن ترجع زوجته.
يحضر المواطن العالمي مهرجان الأفلام العربية في برلين، ويتابع أفلام هوليوود وبوليوود، ويحب المانغا اليابانية والمانغو الفلبيني.
لا يستغني هذا المواطن عن "التيك آوت" سواء أكان قهوة كندية من سيكند كوب أو نودلز صيني من أقرب مطعم. ولا يفوته أن يجرب المطاعم العالمية خارج دولته وداخلها.
يتكلم اللغات الخمسة الكبرى، الصينية والإنجليزية والإسبانية والفرنسية والعربية، وأكثر من هذه اللغات بمساعدة مترجم هاتفه الكوري سامسونج.
يعمل في شركة لبنانية تدير الحفلات والمؤتمرات المحلية والعالمية، فيستقل مرة إحدى طائرات الاتحاد الإماراتية ومرة خطوط الطيران القطرية.
يتابع المواطن العالمي الأخبار على الجزيرة والبي بي سي والسي أن أن. وفي مرات عديدة يجد نفسه يناقش أحد أصدقائه السودانيين أو الإيطاليين عن سوريا وروسيا وأزمتي اليونان واللاجئين.
هذا المواطن العالمي الذي جعلته سهولة التواصل والوصول عبر المواصلات والتكنولوجيا، مواطن محلي للعالم، يواجه أحياناً عندما يقلق أو يتكلم عن بعض القضايا المعاصرة، تهمة التدخل السافر في شؤون إحدى الدول، أو عدم فهمه الكامل لها لأن لها خصوصية تختلف عن باقي الدول، على حد قولهم. هذا الموقف يُوضع فيه بغير أساس في حالات كثيرة، حيث إن مخاطبه ينسى بأنه تحدث أو حتى تدخل في دول أخرى في مرات سابقة، وأن العالم فقد حدوده، فأصبح ما يهم سياسة دولة يهم سياسة دولة أخرى قد يفصلهم بحار ومحيطات، وما يؤثر على اقتصاد دولة قد يؤثر على اقتصاد أخرى. ولا أعني بما أقوله التدخل غير المطلوب أو المبرر من قبل أحد الأفراد بل الاهتمام الصادق والمحاولة الجادة في تقديم الآراء والحلول والمساعدات والتبرعات. ولولا تدخل مواطني العالم حول العالم، لما أنشئت جمعيات التطوير والتغيير والإغاثة والمساعدة والنهوض بالدول والأفراد.
هذا هو دور المواطن العالمي الحقيقي، إثراء الآخرين والعالم، كما أثري هو نفسه، عبر العالم.

جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 29 أكتوبر 2015

برامج الأخبار العربية

لا أشاهد التلفاز لكثرة الإعلانات، ولأن من يعملون على المحتوى يمزجون السمين بالغث والجيد بالرث، ولكني تمنيت بعد متابعتي لمسلسل The newsroom «غرفة الأخبار» لو كان هناك برنامج حقيقي يقدم الأخبار بالطريقة التي قُدمت في المسلسل، حتى أتابعه.
تدور أحداث المسلسل حول مذيع ينوي تحت إشراف مدير قسم الأخبار في القناة وفريق عمله، على تقديم الأخبار بالطريقة الواجب تقديمها فيها، أي بعد تمييز الغث من السمين، حيث تُقدم الأخبار الصحيحة محققة المصادر والمهمة للمشاهد دون نشر الشائعات أو أخبار المشاهير الزائلة أو عدم المهمة، مع تحليل كل كلمة تُقال. المهم أن تكون كلمة حق، فلا يُجامل الضيف، ويسأل الأسئلة الكبيرة دون أن تكون له فرصة الهروب منها، وإن هرب منها، فالمذيع «ويل ماكفوي» سينبه المشاهد إلى هذا الهروب.
بعد مشاهدتي للمسلسل تغيرت نظرتي لبرامج الأخبار بكافة أنواعها خاصة السياسية والاقتصادية لأن المصلحة أكثر من أي شيء آخر هي ما يحكم هذين المجالين، ويحركهما، وليس رأي المشاهد أو فريق عمل البرامج. فكرت في هذا العالم الخيالي -والمثالي في نظري- لواقع برامج الأخبار. وفكرت فيما سيحصل لو حكم هذا النموذج عالم برامج الأخبار وقدمت الأخبار الحقيقية بناء على مواثيق شرف وأمانة مهنة الصحافة التي نراها تتدهور مع تقدم الوقت. العالم سيصبح أفضل، والناس سيعون ما يرون ويسمعون، والسياسيون سيحاسبون أنفسهم على كل كلمة يقولونها قبل أن يحاسبهم غيرهم. هذا ما كان ليحصل.
يتحتم علي أن أشير بأن نموذج المذيع «ويل ماكفوي» وبرنامجه، لا يوجد في عالم المسلسلات فقط، وأكبر مثال واقعي هو المذيع إدوارد مورو الذي ساعد في إدانة السيناتور جوزيف مكارثي بسبب حملته على الشيوعية في خمسينيات القرن الماضي، والتي أرهبت المجتمع الأميركي آنذاك. وتوجد في العالم العربي نماذج حسنة لغرف الأخبار كقناتي الجزيرة والبي بي سي العربية. ومن المذيعين ومقدمي البرامج والأخبار الجيدين، علي الظفيري وزاهي وهبي ويسري فودة، وغيرهم من النجوم. ومع ذلك معظم من ذكرت وغيرهم ممن أغفلت ذكرهم، نجوم خامدة. والمؤسف أن ابتعاد الأصوات الجيدة مهد الطريق للأصوات السيئة عديمة الضمير، فالكثير من مقدمي برامج اليوم، يفتقرون إلى الثقافة والوعي والاهتمام بميثاق شرف وأمانة مهنة الإعلام والصحافة، فمنهم لا يبالي بتقديمه لإشاعة ما دامت «خبطة صحافية»، ومنهم من يعطي معلومات مصادره السرية! بل ومنهم من يبلغ عن مصادره تحت خرق كامل لمبادئ عمل الصحافي وميثاقه!.
سبب من أسباب عدم تطور الإعلام والصحافة والبرامج بشكل عام في عالمنا العربي، هو تقييد الحريات وافتقار الجرأة والخوف من التطرق للخبر عبر المواجهة المباشرة. وكيف لهم أن يتجرؤوا والناس ترفض الحديث لهم لأن ميثاق وأمانة المهنة لا تحترم؟.
إصلاحات البرامج وغرف الأخبار تبدأ من الداخل، بعد تسطير قيم الحق والعدالة والصدق الأخلاق النبيلة، وعدم استغباء المشاهد لمصلحة ما. وبعد ذلك يتم البحث عن الرجل أو المرأة المناسبة، في المكان المناسب. ومن ثم تُقدم الأخبار، عبر تقديم الخبر وتحليله.. لا صناعته!


جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 22 أكتوبر 2015

البقاء للأذكى

كثيراً ما نتعامل مع العقل باستخفاف ولا مبالاة، فبدل أن نوقظه ونجعله يذهب إلى العمل، نحبسه ونسلم مفتاحه إلى شخص آخر ليضعه في المكان والزمان وبحسب الطريقة التي يراها مناسبة!.
ننسى عندما نهمل إعمال عقولنا أنها كعضلات جسدنا الأخرى، تحتاج إلى الماء والطعام والتمارين الرياضية! وبخلاف جسم الإنسان، العقل لا ينمو إلا بإضافة التمارين الرياضية بجانب الماء والطعام. وهذه التمارين تكون في القراءة والتعلم المستمر والبحث ومشاهدة الأفلام والسفر والاحتكاك بالناس والفن واللغات والثقافات والألوان المختلفة حول العالم.
الفنون والعلوم من حولنا تمرن وتساعد عقولنا على التفكير والتحليل والتخيل، وفي الوقت نفسه تستثير خلايانا العقلية لإنتاج الإبداع. فالكتاب قد ينتج بسببه كتاب آخر، والأغنية قد ينتج عنها أغنية أخرى، بل والفيلم قد ينتج عنه اختراعات جديدة مثل طابعة الأشياء ذات الأبعاد الثلاثية والسيارة ذاتية القيادة وغيرها كثير مما رأيناه في قاعات السينما قبل أن نراه على أرض الواقع.
نحتاج إلى تمرين العقول كي تبدع وتفكر.. والفكرة تنتج فكرة أخرى، والفكر ينتج فكراً غيره، فالعقل يتفتح كالزهرة، عندما تجد من يسقيها، ورحيقه هو الفكر. الفكرة قد تتولد من المؤثرات المحيطة بالإنسان، سواء أكانت أغنية أو فيلما أو مقالة أو لوحة أو حلما أو حديثا عابرا أو نقاشا حادا أو مشهدا مؤثرا، أو خبرا قُرئ على عجل في إحدى الصحف. الفكرة في هذه الحالة مادة خام، كالبترول في أول لحظات استخراجه من باطن الأرض أو البحر، بلا فائدة كبيرة، ولكن ما إن تتم معالجته وتكريره حتى يصبح باهظ الثمن، مرتفع القيمة. الفكرة هي المادة الخام للعقل، إما نحبسها في البواطن أو نطلقها إلى الحياة بشكلها دون فائدة أو بفائدة لا تذكر، أو نعالجها ونخلق لها بيئتها اللازمة للنجاح ثم نرسلها لتعود علينا بعدئذ بالجائزة الكبرى.
الفكر هو ما يجعلنا نمضي في الحياة، أما الفكرة فهي ما قد ينقذ حياة أحدنا يوماً ما، وهي الصندوق الأول للإبداع. والإبداع هو ما يميزنا كجنس بشري، فنحن اليوم نتذكر المصريين والرومانيين القدامى بعمارتهم وهندستهم الرائعة، واليونانيين بفلسفتهم وأدبهم. وهذا الإبداع أيضاً هو ما سيميز بيننا كبشر وبين الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب. وحدث أن صرحت وزارة التعليم اليابانية مؤخراً بأن أحد أهدافها ورؤيتها لعام 2040 هي إعداد أجيال يابانية تجاري الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وذلك عبر التركيز على الأمور التي لا تستطيع فيها الآلات والأنظمة مواكبة الإنسان مثل المهارات المختلفة والقيادة والإبداع.
ولدوا أفكاركم أو ساعدوا الغير في ذلك، كما كان سقراط يفعل عندما يناقش الغير. وهو الذي كان يرى أن وظيفته لا تختلف عن وظيفة أمه الداية، فهو يولد الأفكار، وأمه تولد النساء.
بكل بساطة، في المستقبل البقاء للأذكى وللمتفردين بإبداعهم ومهاراتهم وقيادتهم.

جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية

الخميس، 15 أكتوبر 2015

مقالة متخمة بالرسائل

«من كان يتوقع أننا ونحن في عصر الإنترنت والسكايب والبلاك بيري، سنترك كل هذه الوسائل لنعزل أنفسنا في صوامع الرسائل والحبر الأخضر الذي نتخيله دائماً سائلاً عليها؟ إن هذا ليبدو غريباً بالنسبة لغيرنا كما بدا لي عندما فكرت في اتفاقنا ملياً! ولكن بعد قراءتي لرسالتك، وكتابتي لرسالتي هذه، أشعر بأن هذه الرسائل ستكون فسحة لنا نرتاح فيها من ضجة الحياة، ونزهة نأخذ فيها بيد الأفكار دون أن ندين بعضنا بسببها!».
هذا ما كتبته لصديقتي بعد أن اتفقنا على أن نتراسل عبر الرسائل الطويلة في زمن الواتساب وتويتر والفيس بوك ذات الرسائل القصيرة والحوارات السريعة! رغم حماسي لهذه الفكرة وقتها إلا أنني لم أفهم سبب ذلك حتى الآن، عندما أعدت قراءتها وعرفت أن الرسالة لها مكانتها ودفؤها وخطوطها وتاريخها وآثارها الوقتية ونتائجها المكانية.
كتبت لصاحبتي في رسالة أخرى: «الرسالة كالمرساة التي يلقي بها البحار في البحر كي تثبت السفينة، وتربطها بالبحر، وأنا ألقي بها في حضنك، كي تربطنا، وتقربنا، فالرسالة تعبير عن شوق العاشق، وغصة المهجر، وألم الغربة، ومعزة الأصدقاء، وحب الوطن».
الحب الذي نشعره عندما نقرأ رسائل مي زيادة لجبران خليل جبران، هو ما نحبه عندما نقرأ رسائل غسان كنفاني لغادة السمان. حب كهذا لا تختصره رسائل نصية قصيرة ولا سؤال بسيط يحمله إيميل. الرسائل أعمق بكثير من قاع سؤال، أنهته علامة استفهام، ففيها تبدأ الأجوبة، وربما لهذا سميت بـ «جوابات» عند العامة. 
الرسائل هي تأريخ للمكان وثوب يلبسه الزمان، تعبر عنهما بحروف محظوظة، لأن أكثر الكلمات حرية هي تلك التي تجد لنفسها حيزا في رسالة ما.
هذه المقالة رسالة كي تبدؤوا بكتابة رسائلكم الخاصة، لشخص واحد على الأقل، سواء أكانت رسالة حب أو شكر أو دعم أو تفريغ مشاعر، تهتدي بها أنفسكم وترتاح بها قلوبكم سواء أكانت لكم أو لغيركم، حتى وإن لم يطلع عليها أحد.
أذكر أنني قد كتبت مرة: «يترجم محمد الضبع كي يحافظ على لياقة الحياة، على حد قوله، وأنا أكتب إليك كي أكسب الحياة، وأكتب لقراء الصحيفة كي أتأكد بأنني هناك مثلما أنا هنا! وأكتب لك كي أتأكد بأنني هنا مثلما أُوجد هناك!».
وكتبت أيضاً: «لا تنتظري شيئاً ليس مستعداً لأن يأتي، بل اذهبي إليه، فالحياة لا تنتظر. كل ما نستطيعه هو أن نفعل ونفعل حتى نمتلئ بالراحة والقناعة كما يمتلئ الدب القطني بحب الأطفال». فأسرعوا وتبادلوا الرسائل مع من تحبون ولا تفوتوا هذه الذكرى!

جواهر محمد آل ثاني
صحيفة العرب القطرية
المصدر


الخميس، 8 أكتوبر 2015

هل نعيش في فندق 5 نجوم؟

هناك بعض الخيالات التي تطاردنا كبشر كلٌّ بحسب هواه، كالسفر حول العالم عبر قارب، أو تسلق أحد الجبال الشاهقة، أو السكن طول العمر في فندق من فئة 5 نجوم تحت الخدمة!
في مجتمعنا القطري المحافظ يعيش بعض الأفراد أو يحاولون العيش في فندق من فئة 5 نجوم دون مقدرة وتحت خدمة التبذير. وأقول محافظ، لأنه يحافظ على الكثير من عادات وقيم ليس من بينها الممتلكات والمال. ونرى هذه الحقيقة في رسم الفندق الذي سأوضحه لكم.
حول الفندق الفخم وعالي المستوى تقوم حديقة غناء تنشرها الكهرباء، وترشها المياه ليلاً ونهاراً، لنرى بعدها الفندق الكبير، ذا الرخام الأسود والمرمر الأبيض. في داخله يوجد الخدم والطباخون كما يُوجد السائقون والمزارعون والحراس خارج الفندق، وبالإضافة لهم لا ننسى المربيات اللاتي تتناسب أعدادهم مع أعداد أطفال الفندق.
يعيش الجميع في هناء داخل الفندق، دون تفكير في المستقبل أو أية مسؤولية، أو اعتبار للأولويات المنطقية، كعطلة سنوية مفتوحة التاريخ. انتهى.
قد يقول معلق- صادقاً- إنني بالغت في وصفي السابق، ولكن هل سننتظر الوصول إلى هذه المرحلة كي نستيقظ؟
الطفرة التي مرت وتمر بها قطر على جميع الأصعدة خاصة الاقتصادية أصابتنا «بتبلُّد مالي» من بين أمراض كثيرة بعضها صحي واجتماعي وروحي ونفسي. تغير الحياة من حولنا طبيعي نظراً لهذه الطفرة، ولكن تغيرنا السلبي لم يكن بالضرورة نتاجاً للتغيرات الكبيرة، بل خنوعنا نحو الملذات والمسرات بعد أن عشنا في شظف قبل النفط والغاز.
كم منا علم أولاده الادخار منذ صغره؟ من منا وضع المال لمستقبل أبنائه ولم يضيعه في سفرات دورية وسيارات وإكسسوارات براقة تُستبدل كل سنة بما هو أغلى منها؟ من منا طلب من ولده أن يذهب بنفسه ويحضر ما يريده بدل أن يطلبه من الخادمة؟ هل يوجد مِن بيننا مَن ربَّى ولده بنفسه وليس خادمة باسم «مربية»؟ كم منا يحرص على أن يتأكد كل ليلة أن جميع الأضواء وصنابير المياه مطفأة ومقفولة، مع علمه بأن الدولة هي التي ستدفع فواتيره؟ من منا حرص على ممتلكات الدولة في الحدائق والساحات وحرص على عدم رمي أي قاذورات في الشارع مع علمه بأن الدولة تستطيع تحمل تكاليف النظافة والممتلكات؟ كم منا يتصرف في حياته بمسؤولية، وعلى أساس أنه لا يسكن فندق من فئة 5 نجوم، وأن كل شيء يقوم به سيُحسب عليه صحياً ونفسياً واقتصادياً واجتماعياً وروحياً، وأنه سيدفع الثمن لاحقاً، صاغراً لا مكبراً كما يفعل عندما يسافر إلى الخارج ويشغل أفخم الفنادق؟ هذه من أطول الأسئلة التي يمكن للمرء أن يسألها لنفسه، ولكنها لازمة كي نعي مرحلة التبذير وعدم التفكير التي وصلنا إليها، من ناحية عدم اهتمامنا بالمستقبل سواء مستقبل الدولة أو أولادنا أو من نواحي أخرى كانقلاب أولوياتنا السليمة من مخبر إلى منظر، وتراخي أسسنا الاجتماعية التي كانت يوماً ما سبب قيام دولتنا العزيزة.
أُذكر بأنني أشير إلى بعض أفراد المجتمع دون تعميم، وتبقى هناك الكثير من النماذج الحسنة في مجتمعنا، والتي نأمل أن نقتدي فيها، فتصلح أحوالنا ولا نضيع أنفسنا بتضييع مسؤولياتنا وأولوياتنا. ولا أنسى أن أضيف: لا بأس أن نعيش في فندق من فئة 5 نجوم ونرفه عن أنفسنا كما هو الحال عند سفرنا، ولكن لبعض الوقت لا طوال السنة!


صحيقة العرب القطرية


حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...