الأربعاء، 20 أبريل 2022

هذا أنا

  

 

 

 

يُحكى بأنه كان هنالك عقرب يريد أن يعبر النهر، فطلب من الضفدع أن يحمله على ظهره إلىالضفة الأخرى، فرفض الضفدع و قالهل تظنني غبياً؟ إن حملتك على ظهري ستلدغني وأموتفرد عليه العقرب قائلاًهل أنا مجنون لأفعل ذلك؟ إن لدغتك ستموت و سأغرق معكأعدك بأني لن أفعل شيئاً. كل ما أريده هو عبور النهراقتنع الضفدع أخيراً و حمل العقربعلى ظهره و بدأ القفز فوق النهرو في منتصف المسافة، لدغ العقرب الضفدعسألالضفدع العقرب متألماًلماذا فعلت ذلكسنموت كلانا الآنجاوبه العقرب آسفاً و غيرآسفلأن هذه هي طبيعتيهذا أنا!

هذه القصة الجميلة تحمل في طياتها الكثير من العبر و الدررأهمها بأنه عندما يريك شخص ما هويته الحقيقيةمنذ بداية علاقتكما ببعضكما البعضصدق ما تراه عيناكآمن بما حدث أمامك و بأن هذه هي طبيعة الشخصالحقيقية التي قد يكون على استعداد لأن يموت بسببها!

احساسك الأول اتجاه شخص ما عادة ما يكون هو الإحساس الصحيح. انطباعك الأول عن شخص ما عادة ما يكون هو الانطباع الحقيقي و الأصيل. 

نادراً ما يتغير الناس في مدة زمنية قصيرة و لن يتغيرواالانسان لا يتغير في وقت قصير إلا إذا حدث لهموقف كبير يهز كيانه و يزلزل حياته و ما عدا ذلك خزعبلات و أساطير الأولين.

الانسان يتغير على دفعات.. على مراحل.. في غضون سنين.. و لا يتغير الانسان بين يوم و ليلة إلا إذا كانت ليلة سوداء و يوم أسود منها!

تغير الانسان بين يوم و ليلة دون أن يكون قد حظي بيوم أسود أو ليلة سوداء، معناه بأنه كان كذلك دائماً.. معناه بأن حاجته اكتملت و مصلحته انتهت، و الآن بان على حقيقته.

الجبال تتشكل مع مرور الوقت و حركة الرمال.. و الانسان يتشكل مع مرور الوقت و حركة الناس من حوله. كلاهما يحتاج الكثير من الوقت، و الكثير من الحركة أو عدم الحركة. كلاهما ذات التأثر نفسه. كلاهما يلبسان أثر التغيير نفسه. كلاهما بالثقل نفسه. نربط بين أنفسنا و الجبال عندما نقول لمن نحب: "نحن مستعدين لأن نحرك الجبال من أجلكم!". فهل نستطيع أن نقول لهم: "نحن على استعداد أن نغير من أنفسنا و طبيعتنا من أجلكم!؟" أم أنه سيأخذنا كبرياء العقرب و طبيعته!

 

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر



الثلاثاء، 12 أبريل 2022

لحظات رقائق الذرة

  

 

 

 

تذكر أوبرا وينفري في كتابها المشترك مع الدكتور بروس بيري (WHAT HAPPENED TO YOU?) موقفاً أثر فيها. و كانت مقابلة تليفزيونية مع طفلة فقدت أمها بسبب مرض السرطان. و قبل وفاة أمها، قرر والديها قضاء آخر أيام أمها في السفر عبر الولايات المتحدة الأمريكية. سألت أوبرا الطفلة عن أبرز لحظة قضتها في هذه الرحلة مع أمها. و توقعت أن يكون الجواب، مشاهدة معلم سياحي ما أو زيارة ولاية معينة أو غيرها من الأجوبة المتوقعة من الأطفال في سن يحبون فيه اكتشاف و ملامسة و مشاهدة الأشياء.. و لكن جوابها كان مغايراً تماماً. أخبرت الطفلة أوبرا بأن أفضل لحظات الرحلة بالنسبة إليها كانت ليلة ذهب فيها الجميع إلى النوم و قامت هي في الساعة الثانية صباحاً إلى المطبخ لتجد أمها غير قادرة على النوم، فسألت أمها إذا كان بمقدورها أكل رقائق الذرة مع الحليب (وهي الوجبة المسموح بها صباحاً فقط). فوافقت أمها على طلبها و جلستا معاً لتأكلان و تتحدثان و تضحكان طوال الوجبة.

أعطى الدكتور بيري و أوبرا اسماً لهذه اللحظة التي مرت بها الفتاة مع أمها، و سموها بلحظات رقائق الذرة (CEREAL MOMENTS). هذه اللحظات الحلوة التي يحظى بها الانسان في حياته عندما يخلق رابطة قوية مع شخص ما في وقت ما، فيتخلل وقتهما الحب و الثقة و الراحة و الاطمئنان. في هذه اللحظات يسمعك هذا الشخص و تسمعه.. يراك كانسان و تراه.. تشعر به و يشعر بك، و لا تشعر بأنك وحيد في هذه الدنيا. في هذه اللحظات تكون ممتن لوجود هذا الشخص في حياتك و سعيداً به. و هذه اللحظات قد تتشاركها مع شخص أو أكثر بحسب الموقف و الحدث.

لحظات رقائق الذرة التي نذكرها بالتفصيل في حياتنا، هي ما تبقى بعدما ننسى كل شيء.. ننسى ماذا أكلنا و شربنا عندما سافرنا في الصيف، و لكننا نذكر عندما فجأنا صديق لنا بزيارتنا في الفندق. نذكر هذه اللحظات عندما ننسى تعب الدراسة و ارهاقها، و لكننا نذكر نصيحة ابن العم الذي حثنا على اكمال الدراسة عند استلامنا لشهادة الماجستير. هذه اللحظات هي ما تبقى في الذاكرة، و ما غيرها يزول.

في دراسة علمية حديثة تم إعدادها في مستشفى فانكوفر العام، وجد الباحثين بأن الانسان يسترجع شريط ذكرياته قبل موته بعد فحصهم للنشاط الكهربائي لمخ رجل قبل توقف قلبه. أي أن ما شاهدناه في الأفلام و ما روته لنا الكتب لم يكن كله من وحي الخيال. الانسان فعلاً يسترجع ذكرياته قبيل وفاته بثواني أو حتى دقائق، و أجزم بأن معظمنا إن لم يكن جميعنا نريد لهذه الثواني و الدقائق أن تكون ذات معنى و أثر.. و أن تكون جُلها بطعم رقائق الذرة مع الحليب!

 

 

 

جواهر محمد آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


نعم للتدوين

  

عندما أفكر بالأسئلة التي نسألها أنفسنا و غيرنا.. يطرأ في بالي الفيديو الذي انتشر قبل عدة سنوات لطفلين يجلسان في حوض سيارة يتساءلان: "هل نحن لوحدنا؟ هل توجد كائنات غيرنا في هذا العالم؟" على الأرجح أن الأغلبية سألت نفسها هذه الأسئلة و أكثر، و لكن كم منا دون أسألته و أفكاره أو صورها أو سجلها ليحتفظ بها أو لينشرها لاحقاً؟ من منا يُسرع خارجاً من بعد الاستحمام ليُسجل أسألته التي فاجأته في دورة المياه؟ كم منا يكتب أفكاره التي داهمته قبل استعداده للنوم؟ كم منا يكتب أحلامه التي تراوده في نومه ويومه! القليل فقط!

قد يظن البعض بأن هذه الأسئلة و الأفكار بلا أهمية، و أنها أضغاث يوم لا تستحق التفاتة.. و قد تكون فعلاً كذلك، و لكن ماذا لو كانت أكثر من ذلك؟ ماذا لو كانت هذه الأسئلة بداية لطريق لم نظن أبداً بأننا سنخوضه؟ ماذا لو كانت هذه الأفكار لامعة و جيدة تستحق الخوض فيها؟ ماذا لو كان الحلم الذي حلمناه امتداداً لفكرة كنا نفكر فيها قبل النوم؟ ماذا لو كان لسؤالنا معنى، و لكننا تسرعنا باستبعاد ذلك في لحظتها و من ثم ندمنا بعد نسيانه!

لو لم تكن لأسئلتنا و أفكارنا معنى، ما كنا لنقول لأنفسنا سنكتب هذا السؤال أو تلك الفكرة، فننسى تدوينها مع ازدحام رأسنا و تتابع أحداث يومنا!

نواجه في الدول العربية صدوداً عن كتابة و تسجيل ما يدور في رأسنا من أفكار و أسالة و أحلام. الكثير منا يظن أن الكتابة للكتاب فقط. و هذه فكرة خاطئة، فالكتابة للجميع و يُفترض بها أن تكون "على" الجميع. يمكن للكتابة أن توسع آفاق الشخص فتدله على طرق و أساليب جديدة في حياته، لم يكن ليعرفها لولا أنه دوّن أفكاره و أسألته. و لذلك نجد الكثير من الناجحين سواء أكانوا فنانين أو مهندسين أو رجال أعمال، يحافظون لسنوات على كتابة يومياتهم و أحلامهم و أسألتهم في دفاتر قد يأتي يوم و ينشرونها فيه على أنها سيرة ذاتية! و هي فعلاً سيرة ذاتية (لتمرحُل العقول) أي انتقالها من مرحلة إلى أخرى!

الكتابة و تسجيل المشاعر و الأفكار و الأسالة طوال اليوم، نوع من التعبير عن الذات و السماح لأنفسنا بأن نتطور عبر أن نسأل و أن نفكر أكثر، فكل فكرة تجر أخرى.. و قد نفيد غيرنا أيضاً، عبر تدوين أفكارنا و أسألتنا، فالإنسان العادي يفكر بستة الألاف فكرة في اليوم.. ماذا لو كانت إحداها الفكرة التي ستغير حياتنا و حياة غيرنا إلى الأحسن؟ هل سيكون من الأفضل ائتمان ذاكرتنا عليها أم احتفاظنا بها في دفتر قريب من القلب؟

دونوا أجوبتكم..

 

 

 

 

جواهر آل ثاني


صحيفة الشرق

المصدر



الاثنين، 4 أبريل 2022

أن تكون عربياًً

  

 

أن تكون عربياً يعني أن تكون عطوفاً.. رحوماً.. مهتماً بالقضايا المعاصرة.. مشفقاً على غيرك.. قلق حول مصيرك.. فخوراً بما صبرت عليه و بما ستصبر عليه!

أن تكون عربياً يعني أن تشعر بإخوتك و انتمائك بشكل أو بآخر بأفراد الدول العربية جميعهم، و إن تخالفت حكومة دولتك مع دولة أحد منهم (و ما أكثر وقوع هذه الحالة!).

أن تكون عربياً معناه أن تشعر بذاك الحبل الخفي بينك و بين أبناء الدول العربية، فتقول للعراقي عندما تراه في لندن: (يؤسفني ما حصل في العراق). و تقول للسوري عندما تركب سيارته في برلين: ( لقد زرت سوريا و أنا صغير.. و أحببتها). و تقابل اليمني في السوق فتشد على يده محبة و تقديراً. و تعمل مع الليبي و تواسيه رغم أنك حتى الآن لا تفهم على وجه التأكيد ماذا حصل و يحصل في طرابلس!

أن تكون عربياً يعني أن تفهم الحرب و السلام حتى و إن لم تعش الحرب فعلاً! لأنك منذ وُلدت و في فمك ملعقة السلام و سكينة الحرب. تُصبح على أخبار الحرب و المقاومة، و تُمسي على أمنيات الهدنات و السلام.

أن تكون عربياً يعني ألا تُصدم من الحرب الروسية الأوكرانية و ألا تتعجب منها، و إن كانت أسباب قيامها و حيثياتها و وقت انتهائها من حكايات المجالس و المقاهي في الدول العربية، فكل عربي محلل سياسي نظراً للخبرات الطويلة في الحرب و السلام في هذه المنطقة من العالم!

أن تكون عربياً يعني ألا تستغرب من نفاق و ردة فعل العالم-خاصة الدول الأوروبية و الولايات المتحدة الأمريكية-اتجاه الحرب في أوكرانيا بالمقارنة بالحرب في سوريا أو العراق أو اليمن أو أفغانستان. فمن يُقتل في أوكرانيا أوروبيين.. بيض.. شقر.. مسيحين.. و من يُقتل في سوريا و العراق و اليمن و أفغانستان.. ليسوا كذلك! و هم في النهاية بعيدين عن العين و بعيدين عن القلب!

أن تكون عربياً يعني أن تعرف ماذا يعني أن تكون عربياً! أن تعرف بأن الرجل الأبيض مُقدر أكثر منك في بلدك و بلده! أن تعرف بأن العالم ينظر إلى الحروب في البلدان العربية "كنزاعات" لا حروب، و كفترات هدنات لا سلام دائم. أن تعرف بأن الإعلام المستقل و المحايد الذي تتشدق به الدول الغربية يُصبح "أقل" استقلالاً و أقل حياداً عندما يتعلق الأمر بالحرب في دولة أوروبية!

أن تكون عربياً يعني أن تعرف بأنك تعيش في منطقة صراعات داخلية و خارجية.. كل طرف فيها لا يهتم بالضحايا و الكوارث الناتجة عن هذه الصراعات بقدر اهتمامهم بالغنائم الناتجة منها!

أن تكون عربياً يعني أن تصبر و تصبر و تصبر حتى لا يتحمل الصبر صبرك! و بعد كل ذلك يتم مطالبتك أن تكون انساناً و أن تشعر "بغيرك" كما تشعر بنفسك!

 



جواهر محمد آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر

 

 

تحت رحمة اللوغاريتمات

  

 

أصبحنا على زمن إلكتروني. كل ما نريده على مسافة ضغطة زر منا.

إن كنا نريد مصادقة أحد، فسنبعث له طلب صداقة على الفيسبوك. و إن كنا نريد أن نعبر عن آرائنا أو أن نشكو خدمة شركة ما، فسنغرد في تويتر. و إن كنا نريد شراء شيء، فسنطلبه من أمازون. و إن كنا نريد معرفة هوية رئيس موزمبيق، فسنسأل جوجل. و إن كنا نريد السفر، فسنبحث عن وجهتنا في صور انستجرام، من ثم سنسافر، و نحمّل صورنا في حساباتنا، و إلا.. هل سنكون قد سافرنا فعلاً؟!

يبدو جميع ما قلته بديهي و سهل، فنحن في وقت نستغرب فيه من كون شخص ما غير نشط في مواقع التواصل الاجتماعي، بل و نتعجب إن لم يمتلك حساب على هذه المواقع! غافلين لفكرة وضعنا لجميع معلوماتنا على الانترنت-و إن لم يكن في موقع واحد-مثل أسامينا و هوياتنا و أرقامنا و صورنا و بطاقاتنا الائتمانية و مزاجنا و غيرها من المعلومات الكثيرة التي تطلبها معظم المواقع الإلكترونية و من ضمنها جوجل! جوجل مثلاً، يعرف ما نرغب في شرائه و ما نبحث عنه، و يعرف ممثلينا المفضلين و قراءاتنا اليومية و المعلومات التي نريد معرفتها، و كله ليس وليد الصدفة بل بسبب تراكم تاريخ بحثنا لديه مما جعل لوغاريتمات جوجل تعرف ما نريد البحث عنه، فتبرزه عند قيامنا بأي بحث، و تجعل ما عداه في الصفحات الأخيرة التي كلنا نعرف بأنه ليست لدينا الطاقة للوصول إليها! قوة هذه اللوغاريتمات هي ما تجعل شركات التقنية الكبيرة المتسيدة لمواقع التواصل الاجتماعي و الانترنت أكبر و أغنى، بل و ذات تأثير كبير على المجتمعات و حتى الدول، ففي عام ٢٠١٦، كان لإعلانات الفيسبوك دور كبير في فوز دونالد ترامب في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بعد تصيد اللوغاريتمات للناخبين و تغذيتهم بالإعلانات التي كانت أغلبها كاذبة و مخادعة كما تم تصوير هذه العملية في الوثائقي (THE SOCIAL DELIMMA).

مازلنا اليوم تحت رحمة أهواء الشركات الكبرى مثل ميتا و ألفابيت و أمازون و تويتر و أبل و محاولتهم لتسييرنا و استمالتنا وفق رغباتهم. ففي ٢٠٢١، قامت فيسبوك بإزالة المنشورات حول فلسطين إبان الاعتداءات الإسرائيلية على غزة و الفلسطينيين. و الآن تقوم ميتا بالتركيز على المنشورات حول أوكرانيا بل و تعزز المنشورات التي تدعو إلى العنف ضد الجنود الروس!

نحن تحت رحمة من لا يرحم، و لا يكون له أن يرحم لأنه وُضع من قبل شركات عملاقة، هدفها الربح أولاً و أخيراً، لا سعادة الانسان و انتصاره في هذه الحياة. و قد لا يكون في استطاعتنا كبح هذه الشركات في المستقبل القريب، و لكننا نستطيع ألا نتبرع بكافة معلوماتنا لها. و نقدر على رفض الآراء الواحدة التي قد تحاول فرضها علينا، إن فقط، حاولنا أكثر!

 

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الأربعاء، 16 مارس 2022

ماذا حصل لك؟

  

من الأمور التي نادراً ما نتحدث عنها في مجتمعاتنا العربية هي الصحة النفسية. و إن تناولناها فإننا نمسك قشورها فقط و نترك ما عداه.. فالكثير منا تتعدى تابوهات الحديث لدينا الجنس و الدين و السياسة إلى الصحة النفسية! هذا الفيل الكبير في الغرفة الذي نعرف وجوده بيننا دون أن نتطرق إليه ولا إلى صدماتنا النفسية (TRAUMA)!

في كتابهم (WHAT HAPPENED TO YOU?) يعالج الدكتور بروس بيري و أوبرا وينفري، موضوع الصحة النفسية و الصدمات النفسية للإنسان و خاصة في الأطفال، الذين يكبرون و تظل بل و قد تكبر معهم صدماتهم النفسية. و هذه الصدمات قد تُشكل شخصية الانسان و تلعب دوراً كبيراً في حاضره و مستقبله بعد أن استولت على الماضي. و بسبب ذلك، يجب ألا تُترك الصدمات النفسية-خاصة بعد أن يعي الانسان وجودها-بلا علاج. و الصدمات النفسية تختلف من شخص لآخر، كلٌ وفق بيئته و عائلته و ظروفه و مواقفه و غيرها من العوامل الكثيرة.. فقد يتعرض انسان لصدمة نفسية من موقف واحد مؤذي، و قد يتعرض آخر من صدمة نفسية بعد تكرر موقف مؤذي في حياته و هكذا.. يختلف الحال من شخص لآخر. و بسبب ذلك، يُفضل الدكتور بروس بيري سؤال شخص منغلق على نفسه-مثلاً-: ماذا حصل لك في حياتك حتى أصبحت هكذا؟ (WHAT HAPPENED TO YOU?) على سؤال الشخص نفسه: ما خطبك؟ (WHAT IS WRONG WITH YOU?). و هو السؤال الذي اعتدنا سؤاله عندما نرى شخص مختلف عنا في المزاج أو الذائقة أو الأسلوب أو التفكير أو غيره.

يحكي الواقع حصول صدمة نفسية أو أكثر للأغلبية إن لم يكن الجميع سواء أكانت الصدمة موت شخص عزيز أو هجران أب أو مرض صديق أو تحمل مسؤولية كبيرة في سن صغيرة أو غيرها من المواقف المؤذية أو الكبيرة على الانسان، في وقت لم يستطع تحملها أو استيعابها مما سبب له صدمة أبقت آثارها في نفسه و حياته. هذه الصدمات النفسية سيبين أثرها في العمل كأن لا يكون في مقدور الانسان العمل بعيداً عن عائلته لأنه يشعر بأنه المسؤول عنهم، أو قد يكون آثرها في العلاقات، حيث لا يستطيع المرء-بوعي أو لا وعي منه-أن يستمر في علاقة صحية لأنه شهد على علاقة والديه الفاشلة و طلاقهم.

يتناول بروس بيري و أوبرا وينفري في كتابهما، علاج الصدمة النفسية عبر عدة طرق: أولها، العلاج بالأدوية الموصوفة من قبل دكتور نفسي (و هذا هو الطريق المألوف للأسف). ثانياً، العلاج عن طريق العلاج السلوكي المعرفي. ثالثاً، عبر الاتصال بالناس و العيش ضمن جماعات محبة و مساندة. رابعاً، العلاج عن طريق إيجاد التناغم و تنظيم النفس عبر أفعال أو أعمال تنظم سلوك الانسان و حياته مثل الكتابة أو الرسم أو المشي أو أي فعل آخر يجعله غير خاضع لآثار صدمته النفسية.

تحسن الوضع اليوم عما مضى. أصبح الحديث عن الصحة النفسية أسهل من الحديث عنه قبل عشرين سنة، و لكننا ما زلنا في البداية، و أمامنا الكثير مما يلزم إنجازه و فعله و التحدث عنه حتى نعيش حياة أفضل و أسعد في ظل صحة نفسية متوازنة و سليمة. فلنبدأ الآن. 

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 8 مارس 2022

جوهر السعادة

  

 

 

الفكرة التي يقضي الكثير من الناس حياتهم دون معرفتها هي أن السعادة ليست المصب و لا النهاية، هي المنبع و البداية، و أن السعادة ليست وجهة و لا رحلة، هي جزء من الوجهة و جزء من الرحلة.

السعادة شعور من جزأين، الجزء الأول يبدأ من داخل الانسان، من قناعته و من اكتفائه و رضاه بنفسه و بما هو فيه. هذا الجزء من السعادة هو الأول و الأهم و الأبقى. هو إحساس الشخص برضاه عن نفسه في عالمه و بين ناسه و بيئته دون سخط على الدنيا و الناس و القدر، و دون أن يقارن نفسه بمن هم أفضل منه حالاً أو مالاً أو نسباً أو حسباً. يصل المرء إلى هذا الإحساس عبر استسلامه للواقع و تسليمه لتدبيرات الرب.. فكل انسان وُلد في بيئة و لعائلة لم يخترها، و عليه أن يُسَلِم بذلك، فإن لم تعجبه هذه المسلمات، فليغيرها بلا سخط أو غضب أو عجلة على قدر كُتب قبل أن يُولد من بطن أمه. ففي التسليم بالواقع.. سعادة، و أيضاً في تغيير الواقع بحب.. سعادة، لأن السعادة مكانها القلب، محفوفة بالإيمان.. بل و يمكن اختصارها بالركن السادس من الإيمان في الدين الإسلامي.. الإيمان بالقدر خيره و شره.

الجزء الثاني من السعادة، يتمثل في العالم الخارجي.. في انغماس الانسان في عمله الذي يحبه أو أي فعل آخر يحب القيام به، كالرسم أو الكتابة أو الطبخ أو النحت أو ممارسة الرياضةأو قضاء الوقت مع العائلة أو المشاركة في الألعاب أو غيرها من الأفعال التي يستمتع الانسان بالقيام بها. الانغماس بفعل يحبه الانسان، يقيم في داخله شعور بالمتعة و اللذة المتدفقة في عروقه. هذا الإحساس المتدفق، كتب عنه الدكتور ميهالي شكزينتميهالي في كتابه (FLOW) الذي يتناول فيه كيفية عيش كل تجربة إلى حدودها القصوى، و عبر ذلك يحس الانسان بتدفق حلاوة الدنيا في داخله. و تجميع الانسان لأكبر عدد من هذه اللحظات متدفقة المشاعر، يجعل الانسان راضٍ و سعيد بشكل عام في حياته.. لأن هذه هي السعادة.. مجموع لحظات في حياة الانسان لا لحظة نهائية في آخر حياته أو وقت تقاعده.

وبين المسافة من لحظات تدفق السعادة و حتى اللحظات التي تتبعها، يحيا الانسان بوقود السعادة التي بداخله و برضاه عن نفسه و عن حاله حتى يشعر بلحظات السعادة الخارجية. و يستمر تنقله في حياته مرتاحاً بين هذه و تلك، ففي كلٍ منهما، جزء من جوهر السعادة.

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...