الخميس، 11 أبريل 2013

كلمات

(1)‬
أقوى الأدوات في هذه الحياة كلمة، فماذا إذاً يمكن لكلمات أن تفعل؟ الكلمات يمكن أن تطرب الإنسان وتعبر عنه، وتلهيه، وتشده لمقعده ليواجه كل خلية حية في جسمه وكأنها مع نفسه في حالة حرب، ويمكن أن تضجر الإنسان، وتغضبه وتجعله يزمجر كالأسد الجائع، ويمكن أن تستعطفه، وتغويه وتفسده وتصلحه، وتحرضه، أو أن تجعله على الحياد. ويمكن لكلمة أن تفعل كل هذا ولا تفعله، فالحياة -كما يقول الحكماء- كلمة! ولا أحد في الحقيقة -لا أحد- يعرف قيمة الكلمة أكثر من السياسيين والكُتاب والحكماء!
(2)
أطربتنا ماجدة الرومي في عام ٩١، فغنت:
يُسمعني.. حينَ يراقصُني
كلماتٍ ليست كالكلمات
يأخذني من تحتِ ذراعي
يزرعني في إحدى الغيمات
ما الفرق بين هذه الكلمات عندما تُقرأ، وعندما تغنى؟ هي تبقى كلمات، ولكنها تخلق حالتين مختلفتين يعيشهما الإنسان، فعندما تغنى، تكون الكلمات وكأنها زهرة يمكن للإنسان رؤيتها والاقتراب منها وشمّها، وعندما تقرأ تكون تلك الزهرة خيالية، لا يستطيع الإنسان إمساكها ولا شمها، وكل ما يستطيع فعله هو محاولة تصورها في رأسه. هذا هو سحر الكلمات، لنا قدرة استخدامها كما نشاء، ولها القدرة على سحرنا كيفما تشاء!
(3)
تضمن فيلم أميركي عنوانه «كلمات»، إشارات كثيرة إلى أهمية الكلمة -بطبيعة الحال-، وإلى أهمية الكلمة الصادقة بشكل خاص، فبطل الفيلم مثلاً الذي حاول كثيراً أن يكتب من أعماقه، وأن يستخدم كل الكلمات الصادقة التي تعبر عنه وعن حياته، لم ينجح ككاتب، وما استطاع أن ينجح إلا بعد أن سرق كلمات غيره، أي بعد أن اختار كلمات «كاذبة» لا تعبر عنه بل عن كاتب آخر. في نهاية الفيلم، يشير البطل إلى أن الكلمات هي كل ما يهم في الحياة، وأننا نحيا بسببها، ومن أجلها، وهذا ما جعلني أكتب عن الكلمات، لأننا نمر بجانبها كل يوم ولا نلتفت إليها ولا ننظر في دواخلها ونياتها، فنفوت القصد منها، ونخسرها قبل أن تخسرنا.
الكلمات -كغيرها من وسائل الاتصال والتعبير- أبدية، لأنها وُجدت لتصدق ولتنصر ولتعبر عن الحالة التي وُجدت من أجلها، والتي أحاطت بها أو حاولت ذلك، وهو من المهم أن تكون الكلمة صادقة لأنها هي الباقية، أما الكاذبة ففانية، مهما حدث، وإن وصلت بصاحبها إلى المكان الذي يريده، وهو من المهم أيضاً أن نبدأ بالنظر إلى الكلمات بعمق، ونهتم بها، أي تلك التي نقرؤها ونسمعها ونكتبها ونقولها، كما نهتم بملابسنا ومظهرنا، لأنه عندها فقط، سنسمو فوق السطحية التي تعشعش فوق رؤوسنا، وستصبح كلماتنا التي تترجم أفكارنا «كلمات ليست كالكلمات».


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 4 أبريل 2013

لا تنس روحك

أسوأ أمر ممكن أن يحدث لإنسان هو أن تترهل روحه. سيسأل البعض، ألروح تترهل؟ نعم تترهل الروح كما يترهل الجسد تماماً، تصيبها التجاعيد والأمراض والإشعاعات أيضاً، كما أن ضرر الروح أشد وآلامها أقوى من آلام الجسد الفانية إما بالدواء أو الموت.
تترهل الروح عندما ينسى الإنسان تغذيتها بالدين والعلم والأخلاق والنور الذي يسكن الطبيعة. تترهل الروح عندما يغفل الإنسان عن إعطائها لحظات من دقائق حياته، بالتسبيح أو بالغناء أو بالقراءة، وهو في طريقه لاجتماع عمل، أو وهو في انتظار صديق في حديقة عامة، أو وهو بصحبة الليل والأرق. فكل ما تحتاجه الروح هو لحظات من حياة الإنسان يعطيها إياها لتغذيتها لا لإشباعها، لأن الروح المشبعة تثقل على الإنسان حياته، وتجعله بليداً، بعيداً عن السعادة والحياة.
الروح تحتاج إلى قليل من الجوع، كي تجذب الإنسان إليها وإلى الحياة، وتبقيه على موعد حب معها وموعد شوق إلى الحياة، لأن الروح إن وُجدت تُوجد الحياة، فإذا كانت الروح جميلة كان الفن، وإذا كانت الروح راقصة كانت الموسيقى، وإذا كانت الروح مبذرة كان الأدب، وإذا كانت الروح حية كانت الدنيا.
الروح تحمل تلك الساعة التي تمنع الإنسان من مضي حياته دون الشعور بها، تنبهه في كل حين حتى لا يستيقظ بعد عشرين أو ثلاثين سنة، متسائلاً فيم أفنى عمره؟ فالحياة مثل الساعة، لا ترجع إلى الوراء، والإنسان يشيخ بشكل أسرع لا عبر مضي أيامه، بل عبر استيقاظه في يوم من الأيام على وسادة بلا ذكريات، أو على ذكريات نسي المكان الذي وضعها فيه.
يقول الروائي والشاعر الإنجليزي ديفيد هربرت لورانس: «الحياة ملكنا لننفقها لا لنحافظ عليها». الله لم ينفخ في سيدنا آدم الروح، ليشابه الإنسان غيره من المخلوقات في قعودها وقيامها وعملها، بل كان قصده أعظم من ذلك، حتى قال علام الغيوب للملائكة «إني أعلم ما لا تعلمون». والحياة بين أيدينا لا لنتشبث بها دون أن نعيشها، بل لنعيشها من أجل أن نتشبث بها وتتشبث بنا، فلا نجعل حياتنا تكراراً لحياة من قبلنا، أو من يعاصرنا، ولا نجعل أرواحنا أيضاً مكررة، تاريخ انتهائها يكون عند الموت، إلا أنها تفقد صلاحيتها قبل ذلك بكثير.


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 28 مارس 2013

قطر من الداخل

يرد اسم قطر كثيراً في الصحف، ومعظم تلك المقالات التي تحوي اسم قطر، إن لم تكن كلها، تُكتب من قبل أشخاص ليسوا بقطريين، ولم يزوروا قطر، أو أنهم لم يزوروها حديثاً، وكانت آخر زيارة لهم قبل عشر سنوات أو أكثر، والأمْرُ الأمَرّ، أن تكون معظم تلك المقالات والكتابات الصحافية سلبية، وبلا أدلة وبراهين، فتكون أشبه بالملابس المبللة التي تسقط من حبل الغسيل في أول دفعة لها من الريح، ولكن يبقى الاستثناء لكل قاعدة، والأكيد بأنه يوجد من كتب بشكل موضوعي عن قطر بشأن ناحية من النواحي السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية إلا أن الخارج يختلف عن الداخل، وما يعكسه المظهر يغاير بشكل أو بآخر ما يحتويه المضمون. قطر في نظر الخارج، ليست نفسها من منظر الداخل، فلو كتب أو تكلم مواطن قطري عن قطر، فإنه سيفعل ذلك بشكل مختلف عمن يراها من الخارج كحلم أو خيال يراوده إذا ما أراد أن يعطي كتاباته أهمية أو أن يُنجح خبطة صحافية.
لو تكلم المواطن القطري عن قطر فإنه سيقول إنه يتذوق أطعمة وفنون الشعوب في كتارا، وإن مسرح قطر الوطني ليس مسرحاً قطرياً في الحقيقة، ولا حتى خليجي، بل مسرح عالمي، مفتوح للجميع. المواطن القطري كان ليقول إن قطر حاضنة لهموم العرب والإسلام، وإنها تدفع وتدافع بحلول وأفعال عاجلة، لا بأقوال ومسكنات فقط كمعظم الدول الأخرى. المواطن القطري كان ليقول إن دخله هو من أعلى الدخول في العالم، وإن دولته الغنية أعطته ما يستحقه منها، لكن ذلك لا يعني تصوير الإعلام العالمي له بالغبي ذي الجيوب المليئة والعقل الفارغ. المواطن القطري كان ليقول إنه يصحو وينام تاركاً باب بيته مفتوحاً بلا خوف أو قلق، مضيفاً أن القانون في قطر يطبق على الجميع، كائناً من كان، ذاكراً بكل فخر بأنه في نهاية هذا العام سينتخب بإذن الله ممثليه في مجلس الشورى ليعاونوا الأمير ووزراءه على إدارة شؤون الدولة.
العيون التي تراقب قطر من الداخل تلاحظ الحركة المستمرة التي لا تنقطع فيها كحركة خلية النحل، وتتنوع هذه الحركة من حركة فنية وسياسية واقتصادية إلى حركة رياضية وإنسانية وتعليمية، جمعت قطر بين كل هذه الحركات وخلقت رقصة يشهد الجميع بتعقيد خطواتها وجمال انسيابها، أما بالنسبة لمن يراقب قطر من الخارج، فقد قيل سابقاً من راقب الناس مات هماً، والأولى أن يُقال الآن: «من يراقب قطر محاولاً تصيد الأخطاء -خاصة وإن لم يكن يعرفها حق المعرفة- سيموت في همه قبل أن يوفق في شيء من ذلك».


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 21 مارس 2013

البطولة في الإنسان

(مدخل)
كم طريقاً أمامنا؟ وكم درباً نختار في حالة الوعي واللاوعي؟ ولماذا يكتب الروائيون عن الخسارة والظلم والجشع والفساد، ثم يسمون الشخصيات التي تتسم بهذه الصفات بالأبطال؟ لماذا تفوز الأفلام التي تروي قصص النضال والنجاح بحصة كبيرة في صندوق التذاكر وبعدد لا يستهان به من الجوائز، بينما لا تحظى الأفلام التي تتكلم عن الحزن والشوق والعذاب بمثلها، مع أنها الأقرب إلى الواقع؟
(البطولة)
البطولة هي تغيير الغير أو الواقع. البطولة هي تقبل الفشل من أجل النجاح. البطولة هي الفن الذي يحاول إشباع النقص الذي ينهش في أرواح البشر. البطولة هي سيمفونية تُعزف في ملحمة ما في زمان ما في مكان ما. البطولة هي السلام.. الخير.. الوئام.. جميل الكلام، وحسن المقام.
(البطولات الفردية)
يحاول الناس دائماً إخراج البطولات الفردية أو الشخصية من البطولات الجماعية، فهنالك مثلاً في كل حرب جنرال معين أو رئيس يُنسب له النصر والفتح، رغم أن الجنود هم في الواقع الفاتحون الحقيقيون، ولا يفعل الناس ذلك لأنهم لا يعترفون بالبطولات الجماعية، بل لأن البطولات الفردية أجدر بالإعجاب والتمجيد، فأي مجموعة قد تخلق بطولة، ولكن ليس كل شخص قادراً على خلق بطولة بنفسه، دون أي مساعدة.
(أبطال التاريخ.. ونحن)
يروي التاريخ قصصاً عن أبطال حقيقيين -بخلاف أبطال الأفلام والروايات- ورغم ذلك عندما نقوم بعدهم، نجدهم أعداداً صغيرة جداً مقارنة بعدد من عاش، ومن سيعيش من البشر على هذه الأرض، إلا أنه لا يغيب عن بالنا حساب أولئك الأبطال المجهولين، كمن حارب في جيش بلده دون أن يستحوذ على وسام، وكمن قدم المال للجمعيات الخيرية عندما غابت الكاميرات، وكالمعلم الذي أعطى الكثير دون أن يطلب حتى كلمة شكر، وكل أولئك الذين نسي التاريخ أن يذكرهم بين طياته. نحسب كل هؤلاء، ثم نتمنى أن نكون بينهم، ومن المشهورين منهم خاصة، فإن نحن فشلنا في ذلك، نقبل كوننا جنوداً مجهولين، نعطي، ولا نأخذ إلا القليل.
(مخرج)
البطولة لا تُولد مع الإنسان، الإنسان هو من يُولد البطولة، فيعصرها من جبينه، أو من جيبه، أو من خلاصة أفكاره، والمهم هنا هو كيفية العصر، لا العصر بحد ذاته، فالناس قد جربوا كل شيء، إلا أنهم لم يجربوا كافة الطرق.
جربوا طرقكم، واخلقوا من أنفسكم أبطالاً، ما زال في التاريخ متسع وورق!


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 14 مارس 2013

الحب ما بين الموت والحياة

(مدخل)
الحب هو الوقود الذي يدفع بنا إلى الحياة. لا أمل ولا ألم بلا حب، ولا قسوة ولا نزوة دون جرح الحب. ولكن الموت في أحيان كثيرة يحتاج إلى حب أيضاً، حب من ضحوا بأنفسهم على قارعة الطريق من أجل غيرهم، وحب من يرى محبوبه يدخل في باطن الأرض مُحاطاً بقماش أبيض منسوج برائحة الياسمين.
‫(‬خارطة طريق)
نركض من الحياة إلى الحب، في أول العمر، لنتمنى الموت في سبيل من نحب، ولا نلبث أن نتراجع عند اقترابنا من الموت، لأن الموت لا يسلبنا أجسادنا الفانية فقط، بل مشاعرنا أيضاً، ولأننا مهما آمنا بالدار الآخرة، تبق عصية على فهمنا. الحل إذاً ما دمنا سنفقد من نحب، ومن يحبنا سيفتقدنا يوماً ما، هو أن نحاول تقبل فكرة الموت أكثر من فكرة الحب، فالموت رضينا أم أبينا، مارٌ بنا مهما حدث، أما الحب، فهو صدفة لا تلتقي إلا بمن يصل في موعده.
‫(‬تساؤلات الأحياء والأموات)
من هم المعذبون في هذه الدنيا؟ وهل هم على الأرض أم فيها، أم كلاهما معاً؟ هل تفوز الأغاني؟ هل تفوز القصص وروايات الأحلام أم إن الغلبة للحقيقة والواقع الذي يسلب الحبيب تلو الحبيب؟ هل ألم الفراق بسبب الموت، يختلف عن ألم فراق من رحل بمحض إرادته؟ أم إنهما يتساويان والفرق بينهما هو أننا نختار أن نحزن أكثر في الحالة الأولى؟ هل الحب هو ما يجعلنا نشعر بزيارة الموت؟ أم إن الموت ما يجعلنا نشعر بحفاوة الحب؟
‫(‬مخرج)
الطيور أنواع وكلها لها أجنحة إلا أن بعضها لا يطير لعدم قدرته، وبعضها يطير فقط عند بلوغه سناً معينة، وبعضها يعرف الطيران إلا أنه لا يطير إلا قليلاً، وبعضها -وهذا هو النوع المحظوظ- يطير دائماً وأبداً.
تخيل الآن أنك طائر من الطيور المهاجرة إلى الشمال، وأن لك جناحين لا يساعدانك على الطيران إلا بالحب والحياة، هل ستنتظر حينها طائر الموت ليظهر أمامك ليسلب أجنحتك أم إنك ستفرد جناحيك وستطير وراء السرب المغادر إلى أقاصي أرض لا تعرف عنها أي شيء، وخاصة اسمها؟ تفكر فيها، ثم تذكر أن الموت أمامك دائماً، أما الحب والحياة فهما بجانبك، ما استدعيتهما!


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 7 مارس 2013

ثقافة النمو

(مدخل)
نحنُ العرب مُبرمَجون، ولا أقصدها بالمعنى المؤامراتي الذي يحب البعض إقحامه في كل سياق، بل أقصدها من ناحية عضوية نفسية أخرى، فنحن ما أن نعي، نضبط ساعات حياتنا على وقت معين، كي نستيقظ فيه ونعيش، إلا أننا لا نصحو، بل نكتفي بـ»غفوة» تلحقها «غفوة» لنصحو في آخر العمر نعد الغفوات والهفوات والنزوات!

(طريق مسدود)
كم منا ذاك الشاب الذي يتأفف وهو يضبط ساعته على حفلة التخرج، فلا يهمه ماذا سيتعلم في الجامعة، ولا فيم سيستخدم علمه، بقدر اهتمامه بالدقيقة التي سيتخرج فيها؟ كم منا ذاك الموظف العام الذي لم يقترح يوماً على مديره مبادرة أو اقتراحاً يُحسن المكان الذي يعمل فيه أو يسهل عمله، لأن كل همه هو مجيء اليوم الذي يتقاعد فيه؟ كم منا تلك الشابة التي تضبط ساعتها بفارغ صبر على الدقيقة التي تسافر فيها، لتسافر بعد ذلك، وتجلس في نفس المقهى كل يوم‪،‬ في نفس الساعة؟ كم منا رمى كتاباً بلا صبر لأنه «لم يملك الوقت الكافي للقراءة»؟ كم منا خرج في نصف المسرحية «ليستغل وقته في أمر أفضل»؟ كم منا غفا في السينما «ليعتذر بأنه تأخر عن موعد نومه؟!»
إذا شعرتم بأن من أتكلم عنهم هم أنا وأنتم، فستعرفون أننا مبرمجون، وأننا من برمجنا أنفسنا على الكسل العلمي والقصور الاجتماعي والضمور الفكري، وقريباً -أو ربما قد نكون وصلنا فعلاً إلى تلك المرحلة- الانحطاط الأخلاقي.
نحن العرب لا نعرف شيئاً عن ثقافة النمو التي يعتنقها الغرب، وأنهم لا ينامون أصلاً، وبالتالي لا يضبطون ساعاتهم على موعد، بل يعيشون ويستمتعون بكل دقيقة في وقتها، فلا يُغيبون أنفسهم عن الحاضر من أجل أمر قد يحدث أو لا يحدث في المستقبل، ولا يمنعون عن أرواحهم وعقولهم النمو والتفتح والازدهار والتطور المستمر، بل يبحثون عن كل فلسفة وطريق يُحفزهم للنمو بالعلم والعمل والفكر حتى وإن كانوا في أواخر العمر!

‫(‬مخرج)
لكي نرمي الأغلال التي نسميها جزافاً بالساعات ونحيا حياة منتجة ومهمة، نحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، ومن أهم هذه الأولويات هي معرفة مكانة العلم والمال في نفس الإنسان. وللتذكير، العلم ليس وسيلة، العلم غاية، والمال ليس هدفاً بل أداة!.
بعد ترتيب الأولويات، علينا أن نسمح لأرواحنا وعقولنا وعلومنا وخبراتنا بالنمو، والتفتح والتطور مع الوقت، كما نعطي لأجسادنا الحق في ذلك، لنتقدم أكثر في سباق الأمم، ولنحيا حياة كاملة، لا تسرقها منا غفلة، ولا غفوة.


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

الخميس، 28 فبراير 2013

أرخص من دال!

وصلتني رسالة على بريدي الإلكتروني بعد نشر مقالي «نور على نور» يوم الخميس الماضي من رجل لقبه بومحمد، علق في رسالته عن كتاباتي بكلام لطيف -أشكره عليه- قبل أن يذيلها -وهو الذي لا يعرف شيئاً عن مؤهلاتي العلمية- بسؤاله عن سبب عدم سعيي وراء شهادة الدكتوراة؟
استغربت سؤال بومحمد في أول مرة قرأت فيها رسالته، بسبب الفجوة بين ما بدأ كتابة رسالته به وما انتهى إليه، وعن سبب كتابته لهذا السؤال بالذات واهتمامه بذلك خصيصاً، لكن تعجبي تبخر بعد قراءتي للرسالة مرة أخرى بروية، فكما يقولون: عندما يُعرف السبب، يبطل العجب!
والحقيقة هي أن المجتمعات الخليجية تعتبر حاملي شهادات الدكتوراة أشخاصاً كاملي العقل والروح، بحيث إنه لا يمكن لكلمتهم أن تحيد ولا يمكن لبحثهم أن يخطئ، ولا لمعلوماتهم أن تجانب الصواب، بل إن قدمهم في الموضع الصحيح أينما وضعوها وكيفما مشوا وارتحلوا.
وهذه فكرة خاطئة لأن الدكتور ليس ملاكاً مُنزّلاً ولا نبياً معصوماً، بل هو باحث خبير في مجاله، وله جُل الاحترام والتقدير والمكانة العالية، إلا أن المجتمع عظمه حتى أوجد فكرة عامة، تفيد أنه «لا يوجد من هو أكفأ من الدكتور»، حتى ولو كان ذاك الدكتور حاصلاً على شهادته بالأمس، ومن نقارنه به -وإن لم يكن دكتوراً- لديه خبرة 20 عاماً في نفس المجال.
وهذه الفكرة خلقت مشاكل سببها بعض الدكاترة، الذين كانوا منغمسين بين أبحاثهم ووراء مكاتبهم، وفجأة وجدوا أنفسهم في مناصب كبيرة في العالم الخارجي، بعيداً عن العالم الصغير الذي كانوا يعيشون فيه مع أبحاثهم، بالإضافة إلى خلق مصيبة أكبر وهي بلوى شراء شهادات الدكتوراة الوهمية التي يقدمها عديمو الضمائر لضعاف النفوس، حتى اتجه ذوو الأموال إلى شراء شهادات الدكتوراة ليحصلوا على دال الدكتوراة والاسم والمال والمنصب.
وتجلت ضخامة المصيبة عندما افتتح وسم «هلكوني» في «تويتر»، والذي نشر فيه المستخدمون أسماء النصابين الذين اشتروا الشهادات الوهمية وأسماء جامعاتهم الوهمية، بالإضافة إلى مناصبهم، والمبالغ التي دفعوها مقابل شهاداتهم.
هذه المصيبة مصدرها النظر بعين التقديس لأي رجل أو امرأة يسبق اسمهم حرف الدال، والتسابق على إعطائهم أعلى المناصب وترقيتهم، واعتبارهم خبراء في جميع المجالات التي بحثوا فيها والتي لم يفتحوا فيها مرجعاً أبداً، حتى أدت كل هذه العوامل إلى إهمال أهل الخبرة العملية، والذين كان بعضهم أكفأ من حاملي الدكتوراة، الأمر الذي جعل الفرقة الأولى تلاحق الدال أيضاً إما بالبحث أو بالمال، حتى انتشر المثل القائل: «أرخص من دال!» في إشارة إلى شهادات الدكتوراة التي أصبحت تُباع بكثرة في مجتمعاتنا العربية مؤخراً، حتى فقدت هذه الشهادة الرفيعة «ثمنها الغالي» المعنوي.
الحل الموجود للقضاء على هذه المشاكل، هو إعطاء كل ذي حق حقه، الدكتور الخبير في مجاله يبقى في محيطه، سواء أكان باحثاً أو أكاديمياً أو مديراً أو غير ذلك، ولا يتعدى بمنصبه على منصب غيره من الخبراء الذين يحمل بعضهم خبرات سنين طويلة في مجالاتهم وتخصصاتهم العلمية والعملية.
وأتمنى على أي حال أن نكون أقرب للغرب من الشرق في هذا الأمر، فلا هم يحطون من قدر الدكتور ولا يرفعونه فوق قدره، كذلك نجد لديهم حامل الدكتوراة يُعرف عن نفسه فيذكر اسمه ولا يقول الدكتور فلان، ثم يتبع قوله بالإشارة إلى عمله كباحث أو أكاديمي أو مدير شركة أو غيره، وهو لا يفعل ذلك تواضعاً بل وعياً منه بأن شهادته ستفيده في مجاله فقط، وأنه مهم بمقدار علمه وعمله لا بتكدس شهاداته في درج مكتبه دون عمل حقيقي.


جواهر بنت محمد آل ثاني.
صحيفة العرب القطرية.
المصدر

حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...