الثلاثاء، 28 فبراير 2023

قيمة الانسان

 

 

نعيش اليوم في عصر مجنون سريع، ليس منفتحاً على الآخر و حسب بل داعياً الآخر إلى الدخول فينا و إلى عوالمنا الخاصة. و هذا الأمر ليس بطبيعي و لا بالصحي لنا و لصحتنا النفسية و الجسدية. و يبان هذا الشيء في أبهى صوره عندما نبدأ بقياس مستوى سعادة الناس. عندها نجد أن الأغلب ليس سعيداً بل و أن البعض وصل إلى بداية الاكتئاب! و من أهم الأسباب التي جعلت الناس غير سعيدين و غير راضيين، هي المقارنة بين حياتهم و حياة غيرهم.. المقارنة بين ممتلكاتهم و ممتلكات غيرهم.. المقارنة بين سفراتهم و سفرات غيرهم.. المقارنة بين أصدقائهم و عوائلهم و أصدقاء و عوائل غيرهم.. إلخ! مشكلة هذه المقارنات أنها تجعل الانسان يأخذ قيمته كانسان من الخارج لا من الداخل. عندها يكون الانسان ذا قيمة، فقط لو امتلك تلك السيارة الفارهة التي يشاهد مثيلاتها في الأفلام أو لو كانت لديه تلك الحقيبة النادرة، أو لو سافر كل سنة مرة أو مرتين لتلك الوجهة التي سافرها ذاك المشهور أو الفنان أو لو امتلك تلك الساعة التي يرى اعلاناتها في كل مكان! هكذا و على غفلة من الانسان، و بسبب تشبعه من الإعلانات و منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، يربط قيمته كانسان بالماديات التي يراها من حوله! و عندما لا يمتلك هذه الماديات و يصعب وصوله إليها، يصبح انسان مبتئس غير راضٍ على نفسه و لا على حياته. و هذا أكبر خطأ، أن يستمد الانسان قيمته من الخارج لا من الداخل. أن تُقاس قيمة الانسان بالأموال و المظاهر بدل الدواخل و الأفعال.

قيمة الانسان الحقيقية هي بمبادئه.. بقيمه.. بأخلاقه.. بتصرفاته.. أفكاره.. بأحلامه.. بقيمة الدروس التي يتعلمها من الدنيا. هذه القيمة التي لا تُقاس و لا تُبدل و لا تُقيّم و لا تتدهور و لا تهلك ولا يدور عليها الزمن. هذه القيمة التي ما إن يمتلكها الانسان حتى يصبح فوق الرضا و فوق السعادة.. لا يهمه إن ركب سيارة قديمة و أعز أصدقائه ركب سيارة أجدد موديل.. لن يهمه إن عمل في عمل يدر عليه أقل من عمل قريب له.. لن يعطي ذلك بالاً لأنه يأخذ قيمته من الداخل.. يعرف بأنه يبقى هو نفسه سواء أقاد سيارة فارهة أم سيارته القديمة.. يعرف بأنه يحب العمل الذي يقوم به و هو راض به.. يعرف من هو و أن قيمته أكبر من مائة سيارة و ساعة و سفرة و حقيبة و ملابس غالية! هو نفسه الذي لا يستطيع لأحد أن يكون مثله.. هو أفكاره و قيمه و مبادئه و رحلاته الداخلية و مشواره الخارجي، و هو راضٍ على نفسه بسبب كل ذلك!

 

جواهر آل ثاني 

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 21 فبراير 2023

مصدر السعادة


 

لو سُئل جيل الألفية و الأجيال التي تبعته: ماذا تريدون من هذه الحياة؟ لتوالت معظم الإجابات كالآتي: المال.. الشهرة.. الإنجاز.. السطوة.. القوة.. الجسم الرياضي.. و هكذا. قلة التي ستجاوب قائلة: السعادة! و قد يرد البعض علي قائلين: كل هذه الأمور تصل بالمرء إلى السعادة.. و لكن ذلك ليس صحيحاً في غالب الأوقات.

مصدر السعادة أو سبب السعادة هو موضوع تناقله و تكلم عنه الجميع من الفلاسفة و الأدباء و حتى العلماء و عامة الناس. الجميع لديه تصور حول السعادة! و قد عملت جامعة هارفرد دراسة راقبت فيها مجموعة من الرجال و من ثم النساء لمدة تزيد عن الثمانين سنة لتعرف أسباب السعادة!

وفي هذه الدراسة، تم مراقبة مجموعتين من الرجال، نصفهم من خريجي و مرتادي جامعة هارفرد و النصف الآخر من رجال بسيطين يسكنون في أفقر أحياء بوسطن. و على مر السنين بدأوا بمراقبة أبنائهم و أحفادهم و أبناء أحفادهم و هكذا.. من الرجال و النساء لتحديد سبب السعادة.

و قد وجدوا بأن سبب السعادة هو العلاقات الاجتماعية الثرية. و أقصد بالعلاقات الاجتماعية الثرية هي العلاقات التي تضيف معنى لحياة الإنسان.. العلاقات التي نكون فيها على طبيعتنا غير متصنعين لأمر ما أو صفة ليست فينا. هذه العلاقات الصحية التي قد تكون مع أفراد العائلة أو الأصدقاء، تجعلنا أسعد و تجعلنا نحيا لمدة أطول و نكبر بشكل أبطأ، بل و أنها تجعل صحتنا الجسدية أفضل، لأن العلاقات الطيبة تخفف التوتر على المرء و تشعره بأنه على ما يرام.

هذه الدراسة مستمرة حتى الآن وفق الدكتور روبرت والدنقر، و لكني أجزم بأن أسباب السعادة لن تحيد عن علاقات الانسان الجيدة. فالانسان منذ القدم يعيش مع الجماعة، و لا يحيا إلا معهم، و ما إن تنبذه الجماعة حتى يموت أو تأكله الوحوش. الانسان كائن اجتماعي. وجود العلاقات الاجتماعية في حياته يجعله حي، و إن كانت هذه العلاقات الاجتماعية ثرية، فإنه سيعيش حياة أسعد و أطول! فابنوا علاقات اجتماعية ثرية و صحية و طيبة! فهي ما سيقودكم إلى السعادة دون أن تشعروا!

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


  

الثلاثاء، 14 فبراير 2023

الكتاب شائق من عنوانه

 

 

 

 لا أذكر بالضبط السن الذي اكتشفت فيه عالم القراءة الساحر، و لكني أذكر بأنه كان في المرحلة الابتدائية.. في مرحلة الطفولة، السهلة التكوين و التشكل. أذكر أني انجذبت إلى مكتبة أمي القابعة في الصالة، حيث شدني منظر الكتب المتراصة و الملتصقة ببعضها البعض، حتى تكاد لا يبان منها شيء، و كأنها كلها تمثل كتاب كبير واحد. و لهذا السبب-ربما-أخذت أُخرِج كل كتاب على حدة لأخذ نظرة عليه.. كنت أتسائل، هل جميعهم متشابهين في المحتوى؟ و اتضح بأن لكل كتاب منهم، شخصه المستقل!

أول دليل، أكد لي بأن كل كتاب مختلف عن الآخر، هو الغلاف.. فعلاً الكتاب يبان من عنوانه! كان لكل كتاب، غلافه الخاص و المتميز. و أكثر ما دفعني إلى القراءة، كانت تلك الغلافات المميزة. بدأت طبعاً، بنجيب محفوظ و احسان عبدالقدوس، كيف لا، و صاحب الغلاف هو الفنان الرائع جمال قطب! الذي كان يرسم الغلاف أو "لوحاته" كما كان يسميها و كأنه يعمل على بوستر فيلم للسينما! و من هنا، و من بعد، أن مِلت غصب عني إلى عالم القراءة المزركشة بالغلافات الرائعة، بدأت أقرأ جميع أنواع الكتب، سواء أكان الكتاب رائع أو عادي الغلاف!

رحلتي مع القراءة، بدأت بغلاف الكتاب، لا المحتوى.. في الكثير من الحالات لم أكن أفهم المحتوى أصلاً لصغر سني! و لكني كنت أستمر مع الكتاب ذو الغلاف الرائع! و من هنا فهمت حقاً، أهمية غلاف الكتاب، ليس لي فقط، بل للجميع، و كما يجدر أن يكون عليه الوضع! ينبغي لغلاف الكتاب أن يكون رائع و مثير و جاذب للقراء، و في الوقت نفسه، مرآة للكتاب، و مختصر لأفكاره و محتواه! و هذا ما أراه ناقصاً في يومنا هذا، عندما أزور المكتبات و معارض الكتب. نادر ما نجد غلاف، يحمل كل هذه المواصفات، بل على العكس، في الكثير من الأحوال، نجد غلافات، تافهة أو بسيطة إلى درجة لا تعكس فيها حتى نصف أفكار الكتاب و الكاتب، أو نرى غلافات غير مبدعة و غير "متعوب" عليها! و أسوأ الغلافات في نظري، تلك التي تحمل صورة كاتبها! لا يجدر على أي كاتب أن يضع صورته على غلاف الكتاب إلا إذا كان الكتاب هو سيرته الذاتية! أما غير ذلك في نظري، لا يساعد الكتاب و لا يُساعد الكاتب، فماذا سأستفيد أنا كقارئة للشعر مثلاً عندما أشتري ديوان عليه صورة الشاعر؟! اسم الشاعر يكفي للتعريف بأن هذا ديوانه و لا أحتاج صورته كقارئة للتأكد من ذلك! إن كان هذا الهدف بالأساس!

لا يزال في عالم تصميم غلافات الكتاب، مبدعين مثل حلمي التوني و كريم آدم، و أتمنى للمزيد من الفنانين دخول هذا المجال الجميل، و من دور النشر و الكُتاب، إعطائهم الفرصة لذلك، فتصميم أغلفة الكتب، مهم بقدر، تصميم بوسترات الأفلام و بقدر أهمية إعلانات التلفاز. هناك عدد غير بسيط من القراء، لن يمسك الكتاب، إن لم يجذبه الغلاف! كما يجعلنا بوستر الفيلم نتهاون عن دخول الفيلم لسوء تصميم البوستر، و كما تجعلنا الدعاية السخيفة على التلفاز لا نشتري المنتج من السوبرماركت! غلاف الكتاب هو أول مُسوق للكتاب، و هو المنتج الذي يشتريه القراء بأعينهم قبل الكتاب! فلنوله الأهمية اللازمة!

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 7 فبراير 2023

منطقة التركيز!

 

تخيل معي، أنك تلعب لعبتك المفضلة، و سنفترض بأنها كرة القدم.. و جميع من في الملعب يهتف ضدك.. ضد فوزك.. ضد تأهلك.. ضد فريقك. تخيل أنك تسمع جميع أنواع الهتافات، بعضها يسخر من لعبك، بعضها عنصري، و بعضها بلا معنى سوى التقليل منك و من فريقك كي تخسر و يفوز الفريق الآخر! هل تعتقد بأن ذلك سيؤثر فيك و في لعبك؟ هل سيؤثر ذلك في نتيجة اللعبة؟ ماذا لو بدأ الجمهور برمي القمامة و الأحذية عليك و على فريقك إن سجلت هدفاً ضد فريقهم؟ هل ستتأثر وقتها أم ستظل مركزاً في اللعبة و على هدفك النهائي في الفوز؟

ما تتخيله الآن، ليس خيالاً بالنسبة للكثير من لاعبي كرة القدم. الكثير منهم واجه هذه المواقف. بعضهم تأثر بالجمهور و المكان الذي لعبوا فيه، و خسروا، و البعض الآخر، لم يتأثر، و فاز رغم كل الظروف و الهتافات و رمي النفايات و الأحذية عليهم! و من أهم الأسباب التي جعلتهم يفوزون رغماً عن الجميع و رغم كل شيء، هو أن عقلهم كان في مكان آخر بعيداً عن الملعب و الشغب الذي يحاول الجمهور المستفز أن يغذيه فيهم! كانوا في مرحلة من التركيز، بحيث لا يؤثر فيهم شيئاً حتى و إن كانت الهتافات لهم و ليس ضدهم! (فحتى هذه الهتافات قد تشتت عن اللعب لو سمح لها المرء بذلك).

لاعب كرة القدم أندريه شورل فاز بكأس العالم مع منتخب ألمانيا في عام ٢٠١٤، ثم تقاعد بعد ذلك في سن ٢٩ عاماً و دخل مجال التحديات و تسلق الجبال. و بالفعل تسلق شورل جبال سنيزكا أعلى قمة في جمهورية التشيك بصدر مكشوف، لابساً الشورت فقط! يقول عن هذه التجربة: "في اللحظات الأخيرة، لم أشعر بأي شيء، و لكني وجدت في داخلي أمراً عميق يدفعني إلى الاستمرار.. هذه التجربة لن أنساها أبداً! تعلمت بأني أنا و جسدي أقوى مما أظن.. و أني بعقلي و روحي أستطيع فعل أي شيء!".

ذكرتني قصة شورل بالطيار الأمريكي جون هول الذي تم القبض عليه في فيتنام أيام الحرب الأمريكية الفيتنامية. و حُبس لمدة سبعة أعوام في غرفة صغيرة. قضى هول أيامه يتخيل بأنه يلعب القولف في يقظته. و عندما تم اطلاقه، شارك في مسابقة للقولف و حاز على مركز متقدم في المسابقة رغم أنه لم يلعب القولف قبل سجنه!

العقل هو أقوى سلاح في حياة الانسان. لن يؤثر على الانسان سماع الانتقادات أو نزول درجة الحرارة أو ارتفاعها بشكل كبير أو حتى الضرب و الإهانة، إن لم يسمح لها الانسان بالتأثير عليه في داخله. في داخل الانسان ما هو أقوى من أي مؤثر خارجي قد يواجهه. و بسبب ذلك، يحيا البعض رغم الألم العضوي حياة سعيدة.. و بسبب ذلك يحيا البعض الآخر رغم توافر كل شيء لديهم حياة تعيسة. لأن الفئة الأولى استخدمت عقلها و ركزت على ما تستطيع تغييره، أما الفئة الثانية فأهملت عقلها و جعلت المؤثرات الخارجية تلعب به، فركزت على ما لا تستطيع تغييره!

ركز عزيزي القارئ على نفسك لا على الخارج، و اعمل من الداخل لا من الخارج.. فالداخل هو الأبقى!

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 31 يناير 2023

لا تكن مثالياً! فلا وجود للمثالية!

 

 

مع كل هذا التطور التكنولوجي الهائل و القدرة على التواصل و الوصول إلى أي شخص في أي مكان في الكرة الأرضية، أصبح هناك ضغط كبير على الانسان. فالإنسان اليوم، يعيش وسط ثورة و ثروة من المعلومات و الوسائط التي تمكنه من بلوغ أي هدف يطمح إليه. و لكنه سلاح ذو حدين، وضع الانسان في سجن مصنوع من توقعاته و آماله، و توقعات و آمال الناس. الانسان اليوم مع هذه التسهيلات و القدرة على الوصول إلى أي شيء، أصبح يريد كل شيء، في هذه اللحظة، كل يوم! و يعزز من ذلك ظهور الآخرين في مواقع التواصل الاجتماعي على أنهم "مثاليين" و حياتهم "مثالية" من جميع الجوانب.. و بذلك أراد أن يكون مثلهم! عملهم يدر عليهم بالألاف إن لم يكن الملايين.. أجسادهم رياضية و رفيعة.. أكلهم صحي و نظيف.. يتمرنون بشكل يومي.. ينامون جيداً.. لديهم هوايات متعددة يمارسونها أسبوعياً إن لم يكن بشكل يومي.. مقربين من عائلاتهم و أصدقائهم و حتى معارفهم! لديهم كل شيء، و هم كل شيء طوال الوقت! أصبح هناك ضغط من المجتمع و الاعلام و مواقع التواصل الاجتماعي و المدرسة و العائلة و الأصدقاء، أن يكون الشخص كاملاً و مثالياً و يستطيع أن يكون كل شيء و أي شيء طوال الوقت!

أن يكون الشخص مثالياً و كاملاً هو أمر صعب و مرهق، إن لم يكن مستحيل! لا وجود للمثالية و الحياة الكاملة. يستطيع أن يحاول الانسان أن يكون قريباً من عائلته و أصدقائه، و مهتماً بصحته النفسية و الجسدية، و ملماً بعمله، و ممارساً لشغفه و هواياته، و فعل كل جانب من جوانب حياته بالوقت نفسه بالدرجة نفسها! و لكنه لن يفلح في ذلك! الأكيد أنه سيقصر في جانب ما، و هذا طبيعي. لا يستطيع أن يكون الانسان كل شيء و يفعل كل شيء طوال الوقت! و لكنه يستطيع أن يحاول التخطيط و الموازنة في جانب من جوانب حياته، و في الوقت نفسه يُسامح نفسه إن لم يستطع أن يوازن بين كافة الجوانب في حياته! فذلك أمر صعب و تأثيره كبير على سعادة المرء!

ما يستطيع فعله الانسان هو أن يعادل كافة جوانب حياته. أن يقضي وقت العمل، للعمل، وعندما ينتهي منه ينساه ليركز على بقية جوانب حياته، كأن يرى عائلته، و يتواصل مع أصدقائه بشكل أسبوعي، و أن يتمرن عدة مرات في الأسبوع، و أن يحاول أن يطبخ لنفسه طعاماً صحياً في وقت فراغه، و أن يخصص ساعة في الأسبوع لممارسة هوايته المفضلة، و يوماً في الأسبوع للخروج و الذهاب إلى السينما، و هكذا.. عبر التخطيط و الموازنة، يمكن للإنسان أن يصل إلى أعلى درجات الإنتاجية في حياته، دون الحاجة في أن يهلك نفسه، أو أن يصل بنفسه إلى حافة الاحتراق و الاكتئاب!

لا يُفترض للإنسان أن يرغب أن يكون كل شيء طوال الوقت.. بل يُفترض به أن يرغب أن يكون هو نفسه، طوال الوقت و كل وقت! هذا ما سيجعل حياته ثرية بالرضا و الإنجازات!

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 24 يناير 2023

نحن و معتقداتنا

 

 

الانسان لا يُشكل و يتكون فجأة و مرة واحدة، فهو ليس روبوت. كل ما فيه من أحلام و أفكار و معتقدات و تساؤلات و علم و فن و حتى إيمانه، يُبنى طبقة طبقة أو طوب طوب طوال حياته، و لكنه بخلاف البناء، يبقى تحت البناء حتى يموت، عندها يكون قد اكتمل بنائه. و الانسان له الخيار فيما يبني في نفسه، هل يريد بناء قصر؟ برج؟ فيلا؟ قراج؟ حديقة؟ شارع؟ بيت صغير؟ فندق؟ أياً كان البناء الذي بناه الانسان لنفسه، ستكون أساساته قد وُضعت في الصغر، و حتى مرحلة المراهقة و الجامعة. و قد يكون والديه أو بيئته التي وُلد فيها، ساعدته في قرار وضع الأساسات و مكان وضعها و كيفية وضعها، و البناء المتصور له، و لكن ذلك لا يعني بأنه لا يستطيع تغيير ذلك. ذلك لا يعني أن الانسان لا يستطيع تغيير المنزل الذي بناه والديه في داخله إلى حديقة أو منزل أكبر! كل ذلك بيد الانسان و أكثر!

و أكثر ما على الانسان أن يعمل عليه، هو المعتقدات و الأفكار التي تم تغذيتها له في صغره إما بشكل مباشر أو غير مباشر. بشكل مباشر، كأن يُقال له في المدرسة أو عبر والديه: "لن تنجح إلا عبر العمل الجاد و المجهد و المتواصل!". أو "لم ينجح أحد في حياته بسهولة!" أو "الفقراء يزدادون فقراً و الأغنياء يزدادون غنى!" أو "الحياة صعبة و كلها مشاكل!" أو "الأقارب عقارب!". أو بشكل غير مباشر مثل أن يرى والديه دائمي التشاجر و الكره لبعضهما البعض، حتى ينفصلا في النهاية، فيعتنق فكرة "لا وجود للحب" أو "الانسان سيعيش وحيد و يموت وحيد!".

هذه المعتقدات و الأفكار التي تربى عليها الانسان، ليست أمراً بسيط، أو أمر بلا تأثير عليه، فهي تمد الانسان بالأفكار و المشاعر السلبية، التي تجعل حياته أصعب بمجرد وجودها في داخله. فالإنسان الذي يرى "الناس كلهم شر و ما فيهم خير" هو انسان خائف، تعيش فيه أفكار الشك و الخوف، و بالتالي فسيرى الناس مهما فعلوا ناس لا يستحقون الثقة! الانسان الخائف سيرى العالم المرعب الذي يؤمن به في داخله! و من هنا تأتي أهمية تغيير المعتقدات و الأفكار الداخلية للإنسان، من الخوف و الغضب و الشعور بالذنب إلى الحب و التقبل و السلام و الشجاعة. من "العالم الخارجي غابة، يفترس فيه الانسان أخيه" أو كما يقول الغرب: "IT’S A DOG EAT DOG WORLD"، إلى "العالم حديقة و واحة كبيرة، فيها سأعطي الحب و سأستقبل الحب الذي أستحقه!".

عندما يغير الانسان قناعاته و معتقداته الداخلية، يُغيّر العالم الخارجي من حوله، إلى عالم أفضل و أجمل و أسعد! وهذا هو حجر الأساس الذي يجب على الانسان العمل عليه اليوم و دائماً!

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر


الثلاثاء، 17 يناير 2023

اسأل لتصل!

اسأل لتصل!

 

 

مع بداية العام الميلادي الجديد، و نهاية العام القديم، عادة ما يبدأ المرء قبل أو بعد الانتهاء من احتفالات رأس السنة، بالتفكر في أحداث العام المنتهي و توقعاته للعام القادم. هكذا هو الانسان، ينتظر نهاية واضحة أو تاريخ معين في حياته ليستذكر ما مر به و ما يتمنى حصوله مستقبلاً. و كذلك كان الأمر بالنسبة لي، بدأت بسؤال نفسي: ماذا أنجزت في عام ٢٠٢٢؟ و ماذا أطمح له في عام ٢٠٢٣؟ ثم توقفت قليلاً أمام هذه الأسئلة المعادة حتى تفقد معناها مع الوقت، و فكرت: ماذا لو غيرنا هذه الأسئلة-أو على الأدق-أضفنا لها؟ ماذا لو عملنا في نهاية السنة جرد روحي و نفسي لأنفسنا بالإضافة إلى الجرد المادي لملابسنا و مقتنياتنا؟

أفضل طريقة لعمل هذا الجرد الروحي و النفسي استعداداً و تهيئةً للعام الجديد هو عبر غوص الانسان في خبايا نفسه و روحه. و يكون ذلك عبر أن يسأل الانسان نفسه جميع أنواع الأسئلة المهمة حتى يصل إلى الأجوبة التي تساعده في جعل هذا العام أفضل من العام الذي سبقه! و من هذه الأسئلة، أن يسأل المرء نفسه: ما هي الأمور التي تجعلني حزين؟ ما هي الأشياء التي تجعلني سعيد؟ ماذا تعلمت من السنة الماضية؟ ما السبب الذي يجعلني أقوم من سريري كل صباح؟ من هم الأشخاص الذين يؤثرون في قراراتي؟ ما هي الأحداث التي أثرت فيني؟ ما هو المكان الذي أرغب في السفر إليه؟ ما هو الحب "الحقيقي" بالنسبة لي؟ ما الذي يمنعني في أن أكون سعيد؟ أين المكان الذي أستعيد فيه طاقتي؟ في أي وقت في اليوم أكون فيه بكامل تركيزي و قوتي؟ ما هي الأشياء التي أخاف منها؟ أين سأكون بعد عشر سنوات؟ من هو الشخص أو الأشخاص الذين سيؤثرون على مستقبلي؟ هل هذا وقت سعيد في حياتي، و لماذا؟ ماذا أبرع فيه؟ متى آخر مرة بكيت فيها و لماذا؟

اسأل نفسك أكثر قدر من الأسئلة، لتعرف نفسك. لتفهم نفسك. لتعرف ماذا تريد و إلى أين تريد أن تصل، و حتى كيف تصل إلى وجهتك! عندما يفهم الانسان نفسه و ماذا يريد، يصل بشكل أسرع إلى مبتغاه، و يجد ضالته. أوليس هذا مرادنا جميعاً في العام الجديد؟ الوصول إلى أهدافنا؟ و إن شعرت بأن أسئلتك لنفسك شحيحة، لا تبتأس، يوجد كتاب صغير لطيف اسمه "THE QUESTION BOOK" كتاب الأسئلة، أعده ميكايل كروقيروس و رومان تشابلر، فيه أكثر من ٦٠٠ سؤال لتطرحه على نفسك أو غيرك! و هذا أفضل ما قد تبدأ به العام الجديد! طرح الكثير و الكثير من الأسئلة على نفسك!

 

 

جواهر آل ثاني

صحيفة الشرق

المصدر

 

حتى نرجع إلى النادي مرة أخرى

  ناقش مجلس الشورى الشهر الماضي، طرق تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية وأنشطتها. وكانت هناك ملاحظة حاضرة بطولها وعرضها...